ثقافة المقال

القمر يطلّ على نافذة إسراء

لئلا تَنْقَضي الأماني
أو يختفي نورُ القمرْ
يمسكُ القمرُ الليلَ من يدِه
ويدلُّه.. فلا يَتَعثَّرْ
*****
قَمَرْ… قَمَرْ… يا قَمَرْ
سْهِرْنا وطَوَّلْنَا السَّهَرْ

البنتْ العَزْبَا الهَوْيَاني
بِتْرَاشِقْ حَالا بالحَجَرْ

إبراهيم يوسف – لبنان


في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ولأول مرة في التاريخ من عهد أبي الأنبياء آدم؟ هناك من سبق كل الإنجازات العلمية على مرّ الزمان، عندما تحققت أول رحلة بشرية إلى القمر. انصرفتُ يومئذ من خلال الشاشة مأخوذا بهذا التحول المذهل في المسار العلمي؛ أتابع الرحلة لحظة بلحظة. ما راقني في بدايتها وأنا أواكب ما يحدث مقطوع الأنفاس، وقد تجاوزتِ المركبة منطقة جاذبية الأرض، والرواد يتناولون الطعام حينما رفع “نيل آرمسترونغ” الملعقة من صحنه، وقلب فوقها إلى تحت ثم دسّها في فمه، دون أن ينزلقَ الحساء على ثيابه.
والجدير ذكره ولم نزل في نفس السياق؟ أن الجاذبية على سطح القمر تبلغ سدس ما هي عليه جاذبية الأرض، وهذا يعني بالأرقام أن من يبلغ وزنه ستين كيلوغراما على كوكبنا؟ فإنه على سطح القمر لا يتعدّى عشرة كيلو غرامات، ومن يساوي طولُ خطوته أربعين سنتمترا على الأرض؟ ستبلغ مترين ونصف على سطح القمر.
والنهار يستمرُّ لأسبوعين قياسا مع أيام الأرض. ولو تحوّلنا من الأرقام إلى المشاعر؟ فإن من تستغرق آهتُه على ماله الضائع خمس ثوان على الأرض في لبنان؟ ستبلغ نصف دقيقة وهو يتنهد على سطح القمر. لكنني لا أدري إن كان سيرتفع منسوب وجيب القلوب وتتعالى النشوة، أو تتناقص ساعات الهجوع للإفادة من علاوة الصحو ست مرات في النهار.. أكثر؟ يمكنك يا صديقتي أن تتخيلي وتحسبي ما شئت. ولئن لم تقتنعي فسلي مهند النابلسي ابن فلسطين الوفي. فهو مجتهد وخبير وصاحب خيال علمي خصيب، لا يجاريه باحث أو ناقد أو أديب.
أما إحدى الشركات الأميركية المتخصصة بتكنولوجيا الفضاء؟ فتعمل اليوم على تطوير عنصريّ الطاقة والدّفع، معتمدة على عبقرية نيوتن، وكهرباء طاقة الشمس التي ستعادل ثلاثة أضعاف عمّا كانت عليه قبل اليوم، تمهيدا خلال السنوات القليلة المقبلة التي لا تتعدى ثلاثة أعوام، لإقامة محطة فضائية جديدة في مدار حول القمر، وتكون المحطة للإقامة المستدامة؛ ولن تخلو الرحلة في اعتقادي من المرأة، للمساهمة العلمية ولزوم الإقامة الجبرية هناك. المحطة التي ستضع أساسا لرحلة إلى الكوكب الأحمر. أما سدرة المنتهى فلن يُسعى لها على جناح أو قدم.
ونبيُّ الإسلام كان نائماً حينما أتاه ثلاثة من الملائكة. شقوا جوفه فغسلوه وطهَّروه من الداخل؛ ثم ملأوا قلبه إيمانا وحكمة وأقبل على الفور أحدهم جبريل، ومعه البراق مركبة الريح في عهد الأنبياء، وعرّج مع النبي إلى السماوات؟ وحينما بلغا سدرة المنتهى في السماء السابعة؟ قابل النبيُّ ربّه وتحدث إليه بشأن خلقه على الأرض.

وفي الزرادتشية قصة أردافيراف، قديس اختير لشدة استقامته وصلاحه لذات المهمة، تغفو عينه ثم يصعد إلى الأعالي، فيلج إلى ملكوت الله ويهيم مع الأرواح وهو يمر بسكان السماء، حيث كانت أعمال الخير تتجسد في هيأة فتيات أبهى ما خلق الله. بينما كانت الأعمال الشريرة، تبدو على صورة عجوز شمطاء أساء صنعها الشيطان.
أمَّا “مار الياس الحيّ” أو إيليّا النبي من قصص اليهود في القرن التاسع قبل الميلاد؟ فقد خُطف على متن مركبة خيل نارية، واعتبره بعض الباحثين أول رواد الفضاء وشفيعهم إلى السماء، وليس صدفة أن تحط أبولو المركبة الأميركية على سطح القمر، في العشرين من تموز من العام 1969 الموافق يوم مولد إيليّا من اليهود الأنبياء.
لكن الصعود المقدس عند البابليين، حينما لم تمنح الآلهة “إيتانا” وريثا للعرش؟ فكان ينبغي أن يصل إلى نبتة الذرية في السماء، وبعد تضرع صادق سخرت الآلهة له نسرا مارقا، وقع في حفرة عقابا له على إخلافه بعهد مقدس، فحمله النسر على جناحيه بعد إنقاذه جزاء له على صنيعه، وعاد بغصن من النبتة ورزق وريثا للعرش.
لكن رحلة القمر ذاتُ وجه شعريّ مظلم. تورّط به طلال حيدر حينما استجاب للدعوة ولم يحسب جيدا للحملة، وما ناله بعد الرحلة من الزلل، حينما سقط عن صهوة الفرس!؟ “ويا ريت لا سرجت الفرس ولا بعتت هالمرسال”.
بينما القمر يضيء سماء كل البشر، لا يقتصر على طلال حيدر. فقد تغنى به على مر الزمن فيض من الشعراء من هواة السهر، من حكايا شهرزاد حتى: “ناديت بالله ارجعوا ما تلفتوا صوبي*يا بدر ضَوِّي السّما كرمال محبوبي”. وهل كان لنجم وشاعر مبدع صنو طلال حيدر؟ أن يزوج قصيدته من قصّاب يذبح الشاة والحمل.!؟
https://www.youtube.com/watch?v=ooDS1gzRqTQ
والقمر استلهمه الرسامون والملحنون والكتاب، في لوحاتهم وعزفهم وقصائدهم، وكتُبهم كحال منى المؤلفة، التي غزته برفقة رواد رافقوها في رحلتهم من كوكب الأرض؛ وبلغوا القمر على متن المركبة الفضائية الأميركية أبولو، في العشرين من تموز من العام 1969، وغرسوا العلم الأميركي على سطحه الساكن بفعل انعدام الريح، نكاية بقيس بن زهير وفرسيه داحس والغبراء، والقدح والذم وكل تاريخ العرب في المديح والتزلف والرياء.
ما دام منهم دون سواهم من الخلق؟ من لا يزال يشكك بتضليل الناس وصحة غزو القمر. العرب الذين لم يسخِّروا طاقاتهم وأساءوا استخدام أموالهم فلم يعملوا لآخرتهم، عندما تكون الآخرة خير لك من الأولى! ثم يعطيك ربك فلا ترضى! بل وتبددها بلا جدوى على الغواية والهوى. فكيف يجدك ضالا ويهديك ويتيما فيأويك أو عائلا ويغنيك؟ ما دمتَ تسفكُ دم المسكين، وتنهرُ السائل واليتيم وتنسى نعمة الله عليك، فتقتل وتبيد بلا خشية من رب العالمين.
ونهاية الرحلة استطرادا في الأدب بعد العلوم، والمقارنة المستمرة بين المرأة ووجه القمر، وفي رحاب الغناء والشعر وسحر العيون؟ وأمنية “قمر” في بواكير نتاجها الأدبي؟ وقول “الحصري القيرواني”؛ الشاعر المبدع الضرير؟ فما بالك لو كان مبصراً؟ وكان لكل من اسمه نصيب، كحظ الكاتبة من اسمها وعينيها، ورحلتها الميمونة إلى القمر وهذا التعقيب المتواضع القصير، لعله يرضي طموحها ويساعدها في الخطوة المقبله للمزيد من التقدير.
صاحٍ والخمرُ جَنَى فمِهِ *سكرانُ اللحظ مُعرْبدُهُ
ينضُو مِنْ مُقْلتِه سيْفاً ****وكأَنَّ نُعاساً يُغْمدُهُ
كلّا لا ذنْبَ لمن قَتَلَتْ ****عيناه ولم تَقتُلْ يدهُ
https://www.youtube.com/watch?v=aAPA-HrZUGs

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق