قراءات ودراسات

الفن التشكيلي الخزفي والحدث السياسي

محمد العبيدي

أوقدت الشرارة في الظلمة في حقبة الثلاثينيات من تاريخ العراق ، كان هناك حقل فني يبذر بذوره الأولى ليظهر بذلك الفن العراقي بشكل يكتسب روحاً جديدة انعكست به إضاءة الإشعاع ليعطي خصائص وسمات بدأت تنتعش بها وتتعايش وتتفاعل معها…

على  الرغم من كل المعوقات التي أعطت في البداية متناقضات في الفكر حيث يبدأ الصراع لتكون البيئة أيضا توظف لتمهد الطريق أمام مراحل أخرى لتأخذ من كل مرحلة قيماً مشتركة تمثل حالة التجانس مابين الفكر والمضمون . هذا ما نستخلصه من الفن الذي يجد نفسه بأسلوب تراه متأثراً بالبيئة وما يدور  بها من قضايا، ( إن المرحلة ستجد صداها في تجارب أكثر وعياً للعمل الفني من الداخل ) . ( 1ص5 ، 6 ) .

إن الفنان الخزاف يحاول أن ينهج منهجاً آخر بعيداً عن كونه حرفة وظيفية نفعية استهلاكية بل ينهج منهجاً ويذهب بطريق يجعل من هذه الوظيفة صراعاً يتشبع من معانٍ مستلهمة من فنون النحت والفن الجداري والمشاهد الرافدينية الأخرى التي تحدثت عن موضوعية الحرب وبالإضافة إلى ذلك يعطي وعبر سياق معاصر وحديث ما موجود في الفن الإسلامي  لتكون له مرجعية ثابتة  يعبر عما وراء عمله غير المرئي بشكله المضمون والمحسوس وفق مخيلته الإدراكية حيث يكون متقبلاً من قبل المتلقي  . وبهذا أعطى صلة لازمة كون منها أسلوباً عند إنجاز العمل الفني الذي يمثل موضوعه الحرب   يستلهم الفنان من هذه الفعاليات ليشكل صراعاً جديداً آخر من القديم ليعطي نوعاً من الحداثة  أثناء تفاعل العناصر ولتكون هذه مرجعيات ثابتة هي أساساً تصب في وعيه وتتحرك بشكل ملموس .

 

من هذا نلاحظ وجود العلاقة الفنية في هذه الفترة المعاصرة مع توضيحية للاختلافات القائمة والتي أعطت هذه التوضيحية صوراً إيجابية للعلاقة المباشرة مابين البيئة وما تحمل من أفكار وأحداث تنتج في تلك الفترة المعاصرة .

إن بروز عامل جديد أخر أعطى للإطار الزمني مرحلة اختزالية مختصرة . ( وبروز التكنولوجيا كعامل لاينفصل عن مكونات وعصر مافوق التصنيع منح الفنان مخيلة غير مستقرة فصراع الذاكرة والخيال قد ولد ) (3ص109) ومنا تبدأ البداية الفعلية وليأخذ مساراً والعمل أيضا مساراً جديداً في الوصول إلى كيفية صياغة أسلوب جديد يظهر في الفن الخزفي العراقي . من هنا فالفنان الخزاف يشعر بأصالة الموروث الحضاري لتنبت الجذور بالأرض والفخاريات ، العراق القديم متمثلة بكل أنواعه الجداريات ومنحوتات وغيرها .

كانت أرضية مشجعة أن تصقل الأسلوب وتظهره مما جعل الفنان يطور قابليته بالخبرة والفكر ليكون بذلك أعمالا خزفية تعبيرية تتناسب مع روح العصر وليبدأ هنا تفاعل العناصر وأسس التكوين مع المضمون والرجوع إلى حضارة وادي الرافدين لتكون البيئة والحضارة هي موروثة الجمالي وبكل معانيها السامية .

من هذا وجد الفنان متنفساً جديداً ليعزز به مفردات الحضارة ومفردات جمالية موجودة أساساً في العمل الخزفي وبلور الفكر الإنساني وفق ماهو مطروح من تصورات وفرائض في الفكر ويبلور هذا الفكر الإنساني في تكوين أشكال فنية خزفية تحقق بذلك  أن الخزف ليس مادة نفعية استعماليه لكن كان رد فعل لحياة الفنان الخزاف  جعل منها قيمة إبداعية صاحبة التجديد . ومن كل هذا لابد أن تكون هناك إمكانية لأن تمارس به هذه الأعمال وفق رؤى أكاديمية علمية وهذا ولد من الدعم والحث على العمل بأن يكون للخزف دور مثلما لبقية الفنون دور في الفن التشكيلي العراقي . ( حيث تأسس معهد الفنون وظهر به عدد من الأستاذة وتأسس فرع الخزف عام 1955 فتحت به أول شعبة دراسية في هذا الفرع الجديد حيث حمل الفرن الناري البسيط في حديقة المعهد كل وعود المستقبل ) . ( 15ص23) .

كان للبيئة وأحداثها عامل مهم لان تكون منعطفاً حاسماً في التعبير تصل إلى حد الغليان ويتأثر بذلك بالدرجة الأساس الفنان لما يملك من قدرة على تحليل الأشياء وفق رؤيته الفنية وينقله على منجزه التشكيلي حيث كان حلة مميزة يستمد تأريخنا لإغراض التطور بصيغة الارتكاز عليه للتقدم إلى الأمام . مع توفر الشروط الأخرى وليس بصيغة الاتكاء والاعتماد عليه فقط ) . ( 3ص بلا) .

من هذا سوف يتحقق ماهو موجود ومتصل بين البيئة ومكوناتها والتاريخ وأحداثه ليكون كياناً ونمطاً خاصاً ومساراً جديداً تشكل منه التجربة مساراً ذا توجه صميمي يجعل من الأرض ثباتاً له لايمكن النزوح عنها أبداً ومهما كلف الأمر .

لقد أسس هذا تقاليد الوجود الفعلي للفن الذي تبلور بشكل واضح في موضوعة الحرب حيث استطاع تحديد الزمن الذي ينشىء العلاقة بين موضوعة الحرب والأعمال الفنية الخزفية التي يقوم بإنشائها الفنان . هذا التحديد يضع في خلاصة من تجاربه ليعطي للمعركة بما يوازي مابين الفكر والمضمون وهذا يعطيه صلابة ويجعله في محور الاستقطاب وغير متحرك لان موضوعة الحرب تحمل قيماً غنية وغزيرة بالمعاني تربط بها جميع الظواهر والأفكار والأفعال مهمتها الرئيسية المعروفة . فلابد للفنان الخزاف أن يضع الأفكار كصيغة تعامل يتعامل بها مع موضوعة الحرب وفق معطياتها الفكرية والفنية مع مؤثرات العمل الإيجابية التي تفرزها المعركة هذه والتي تكون لدى الفنان نافعة  تنمي الوعي وتنمي وتطور الخبرة والتقنية والأدائية  وتكون أسلوباً فردياً للفنان الخزاف هذا الأسلوب محدد بفترة زمنية لان الحرب تعطي رؤية واضحة حرة وملتزمة بالقيم الإنسانية وما تحدده الظروف من جراء ذلك هذا يفسح الطريق ليعبر الفنان عما يراه ويدركه من الحدث سواء كان سلبياً أو ايجابية . إنها تشكل يقظة ذاتية في أن يكشف الفنان نفسه كإنسان أولاً ومن ثم مبدعاً وهذا يكشف من أسلوبه الفردي الذي تشكل بفعل الوعي المدرك بين العلاقة مابين الفنان وما بين الواقع والمحيط الذي يعيش به ومن خلال القراءة التشكيلية التحليلية للعمل الفني بحيث تترسم بشكل يستطيع أن يكشف قدرته ويصل إلى الملتقي ومعرفة المضمون من هذا تتحقق الاستجابة وفق معطياتها وفعاليتها وعناصرها وأسسها التكوينية الجمالية ( الحياة لمجرد العيش لامعنى لها . لعل من المعقول أن نملك إدراكاً أو حدساً مباشراً للحياة ولا يمكن إدراك معنى الحياة ولا الإفصاح عنه إلا بلغة من نوع ما . وهذا التعبير أو التواصل هو جزء من عملية الحياة نفسها ) . ( 4ص 45 ) .

إن مضامين التعبير واضحة وتأثيراتها مدركة وإفرازاتها مثبته تشمل مجمل الحياة وتعطي طاقة تعبيرية في المنهج يصل إلى أقصى مدياته وبشكل واضح نراه على الأعمال الفنية لخزفية . أن الخصائص البيئية التي أفرزت بشكل واضح ومؤثر هي سمة فاعلة لما يشهد للمرحلة من تشويه للكثير من هذه الخصائص والقيم والمفاهيم بالشكل الذي أصبح في وضع يتيح للأعداء أن يفرضوا نوعاً من الهيمنة على الفكر . وما كان للفنان أن يرد على هذه الحالة قبل أن يتعرض الفكر للتشويه وكان العمل الفني ذا قيمة فنية يصفي ذلك التشويه بعد أن وضع أسساً تكوينية للعمل الفني . أن الفنان هو القادر على تكوين العمل ليكون المتلقي الإنسان المثقف القادر على أن يدخل العمل الفني بعد تفكيكه وتركيبه والذي وجد نفسه قادراً على أن يلقي كل التناقضات . ( الإنسان المثقف الخبير القادر على أن يدخل العمل الفني ويتناوله من الداخل – القادر على أن يعيد تركيبه من جديد هذا يعني قبل ذلك أنه قادر على أن يعرف ماينطو عليه العمل الفني من فكرة وهذا يعني أيضا انه بالنتيجة انه سيكون قادراً على أن يحدد موقفاً إزاء العمل الفني نفسه ، موقفاً يتصل بطبيعة التناقضات التي تسود تلك لمرحلة والتي دفعت الفنان إلى أن يقف ضد ذلك التشويه ) . ( 5ص17) .

من خلال البحث والتجربة الفنية للخزف حددت بالعمل والخبرة والتقنية وبمضمون الأصالة التي تنفذ منها الفكرة لابد أن تكون هناك قضية مشخصة لكي تربط بالفعل المؤثر ولابد من أن تقف ضد الاستنساخ من الفعل المشوه وأن تعتز بالموروث الحضاري والأصالة التراثية .

( ومن هذا كان ثمة دور للمعارض الجماعية وبالذات التي تمتلك فكرة أساسية وطنية . أن معرض المعركة 1971- معرض تل الزعتر 1977- كان لها تأثير فكري لدى الفنان وإعطاء الفنان بعداً فلسفياً على الرغم من أن المستوى الفني كان لا يناسب الأفكار بل كان صحيح المعنى ومنح الفنان أساسا بما يناسب التطورات الاجتماعية). (6ص7).

إن مشاركة الفنان التشكيلي والخزاف خصوصا بعمله الفني أعطته وعيا وحافزا للمشاركة والإبداع حيث استطاع أن يدرك الواقع الذي يعيشه في البيئة المحيطة به. وهذا الوعي الفكري الذي حصل تولد من الصراعات التاريخية والتي كان لها تأثير صريح في الاتجاه وفي الأسلوب وخصوصا فترة الغليان الثوري والشعبي (العوامل الأساسية والتاريخية للفترة السابقة مع تأثيرات البيئة ثم هضم كل العوامل ليعطي صفة التراث ويعطي للفنان دورا مهما ومن هذا ولد أسلوب جديد). (يولد للفنان أسلوب حياة) (7ص19).

في الستينات بدأ التوجه العام والخاص بالتعبير عن الرؤية القومية الاشتراكية فقد منح الفنان حرية اختيار الأسلوب والذي يعبر عن واقعه تعبيرا عميقا أصيلا (وكل المعارض في تلك الفترة هي تجذير الاتجاه القومي الواقعي الاشتراكي). (8ص89).

إن الاتجاه القومي يتمثل في قصة فلسطين وقد جعل الفنان من هذه القضية مفردة في كل أعماله التشكيلية نظرا لما تحمل من معان تعبيرية كانت أفكارا خصبة لتكوينها إضافة إلى ذلك كانت ذات تأثير في الرؤية . هذا العوامل خلقت أسلوبا جديدا فرديا محددا نقل هذه الأفكار وفق الرؤية المحددة على العمل الفني ولم تكن أسلوبا دعائيا ولا إعلاميا بقدر ما هو أسلوب مؤثر في إدراك العمل ككل وهذا هو المهم. (ويجب أن نقول أن كل أسلوب هو تعبير عن فلسفة ورؤية وفكرة). (9ص105).

لقد اتخذ فنان الخزف من موضوعة الحرب مسارا يجدد به كل التيارات وجعل من هذه المسارات فعاليات كون بها علاقة حية دفعته إلى أن يستلهم روح الماضي مع الحاضر مع التجديد وبفعل الخبرة بلور بشكل واضح موضوعة الحرب في عمله الخزفي  وجعل نمطا وأسلوبا ذا سمة متميزة في الفن التشكيلي. ومن هذا أن أي مؤثر خارجي لا يتقاطع مع الفكر والتقاليد في صياغة الأسلوب وإنما يأتي متفاعلا ومنسجما ليجدد معامل العمل الفني بشكله وتقنيته (عامل الوراثة لدى الأفراد يأتي منسجما مع المحفزات الخارجية بل سنرى أن الأخيرة لها الأثر الكبير في هذا المجال). (9ص107).

المصادر

  1. 1. جبرا، إبراهيم جبرا، الفن المعاصر في العراق، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، العراق، 1984.

2. ميري ورونوك ، التفسير الفلسفي للذاكرة، ترجمة فلاح إبراهيم، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق، 1992.

3. الزبيدي، جواد، الخزاف العراقي المعاصر في العراقٍ، الموسوعة الصغيرة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق، 1986.

4. نوبلر ناتان، حوار الرؤية ، ترجمة فخري خليل، مراجعة جبرا إبراهيم جبرا، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، 1987.

  1. 5. معله، عبد الأمير، الفن والانحياز الثوري، دار الثورة، بغداد، العراق، 1974.
  2. 6. سليم، نزار، الفن العراقي المعاصر، وزارة الثقافة والفنون، بغداد، العراق، 1978.
  3. 7. غارووي، روجيه، واقعية بلا ضفاف.

8. كامل، عادل ، المصادر الأساسية للفنان التشكيلي المعاصر في العراق، وزارة الثقافة الفنون، بغداد، العراق، 1979.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق