ثقافة المقال

الصورة النمطية باعتبارها (فيتشا) Fitch

بقلم: منصور زغواني

 
ينطلق فرانز فانون في كتابة “بشرة سوداء أقنعة بيضاء” من مفهوم الصورة النمطية باعتبارها “فيتشا” للإشارة إلى أن الصورة النمطية التي كونها الغرب عن الإفريقي ترتد كلها إلى الاعتبار البشروي (نسبة إلى البشرة)؛ فالبشرة هي الدالول الأساس الذي يعرف (بتشديد الراء) الإفريقي في ضوءه ويتم التعامل معه انطلاقا من ذلك الدالول الأساسي، معنى هذا أن البشرة كشيء يتم أنسنتها ونزعها من سياقاتها البيولوجية واعتبارها شكلا كاملا متكاملا للانسان الإفريقي، وبالتالي يتم تعريف الإفريقي وفقا لضروريات تأويلية ينتهجها الغرب، فالبشرة البيضاء هي رمز العرضي ثانوي للانسان الغربي بينما البشرة السوداء هي رمز جوهري أساسي للإنسان الإفريقي، وفي بعض الأحيان تكون البشرة جوهرا بالنسبة إلى الغربي حسب الضروة التأويلية. هذه الإزدواجية في التأويل البشروي يجد مسوغاته في تعريف الإنسان في الأدبيات الغربية فالإنسان حسب المرويات الكبرى في الحضارة الغربية هو الإنسان الغربي الأبيض، الأشقر، الحر المستكشف… وهو دائما “وجود”، بتعبير هايدغر، في العالم مؤثر فيه وصانع له، أما الإنسان غير الغربي فإن لا ينتمي إلى التعريف الإنساني المتواضع عليه في الوعي الغربي فهو “موجود” في العالم متأثر كغيره من الأشياء بالتغيرات التي يجعلها الغرب على العالم، ولهذا فإن التصور الأول عن الإنسان هو التصور الغربي له لأن فاعلية الخطاب المهيمن مكنت من انتشار صورة وحيدة للإنسان هي صورة الغربي أما البشر الآخرين فإن يخرجون من حلقة الجدل الإنساني، وكما يقول جان جاك روسو: “يبدو أننا لا نعرف من البشر إلا الأوروبيين” ولهذا فإن التعريف الضيق، “التعريف في حدود مجرد البشرة” سيسقط عند التعامل مع الإنسان الغربي لأن الأدبيات الغربية ترى أنه إنسان مركب يستحيل على التعريف أما الإفريقي فإنه يعرف، انطلاقا من نظرة “فيتشية” تجعله محصورا في إطار البشرة، “إنسانا في حدود مجرد البشرة”.

إن “الفيتشية” Fitchism، حسب التحليل النفسي، هي نزعة إنسانية تنظر إلى الأشياء ليس باعتبارها كلا متكاملا يعرف في إطار مركب هو الكينونة الكاملة ولكن تنظر إليها من زاوية نظر ضيقة أو تعتمد على جزء واحد من الشيء الكلي أثناء عملية التأويل، فيصبح الجزء دالول الكل؛ بحيث ينصهر الكلي في الجزئي ويختزل فيه.

والعلاقة بين الصورة النمطية و”الفيتشية” هي أن الصورة النمطية لا تعبر عن كل الشيء وإنما عن جزءه فقط ثم يتم تعميمها على كل الشيء؛ فالمرأة هي حسب ال”فيتشية” Fitchism هي مبيض ورحم، “امرأة في حدود مجرد المبيض” أو كما قالت دي بوفوار: “ما المرأة؟ .. هذا شيء بسيط، إنها رحيم ومبيض”؛ وكما هو معلوم أن الرحم أو المبيض هما جزء صغير جدا من هوية المرأة ولكن الرغبة التأويلية الذكورية، بالاعتبار “الفيتشي”، تجعل من ذلك التنوع والتركيب والتعقيد الذي تحوزه المرأة مختزلا في “الرحم” و”المبيض”، والبلدان العربية – الإسلامية هي، حسب “الفيتشية”، هي مجرد “العالم الإسلامي” وفقط، وكما قال محمد أركون يختزل الغرب التواريخ والإقتصادات واللغات والفلسفات والفنون والتركيبات الاجتماعية والثقافية والتنوع الجغرافي والديموغرافي الذي تحوزه البلدان التي تنتمي إلى ذلك الموقع المسمى جزافا بالعالم الاسلامي إلى لفظة واحدة وهي “العالم الإسلامي” أو “دار الإسلام” وكأن الدالول الوحيد لهذه الأقاليم هو الدين فقط ولا شيء غيره، وهذا التأويل “الفيتشي” يتم عبره التعامل مع الإفريقي فيختزل في “البشرة” فقط.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق