ثقافة المقال

كوميديا الحواس

عبد الكريم ساورة

لايمكن أن نتحكم في أنفسنا رغم محاولة الثبات التي نحاول إظهارها أو تقديمها للآخرين، نحن بشر خليط من المشاعر المكبوتة، وتبقى المعاناة تسكننا مهما حاولنا أن ننتصر على ذلك الإنسان الهش فينا، عن نفسي إنني أعيش كل مرة حالة مودة وحب مع ما مر من أيام كنت حينها مسكونا بأشياء نسيت منها الكثير من المغامرات والأحداث الحلوة والمرة، وكنت دائما أعاتب نفسي باستمرار حتى أكون متفوقا على نفسي وكنت أنجح مرات وأرسب مرات عديدة، ماذا أفعل مع ذلك الرجل الضعيف الذي يسكنني ؟ في كل مرة أحاول أن أغتاله بمسدس اللامبالاة فلا أنجح، هل هي التربية ؟ هل هي سلطة المجتمع الذي كان ولازال يواجهني بقوة ؟ هكذا أشعر أنني كلما كبرت عاما وحاولت التخلص من شخصيتي القديمة أجدني ألبس شخصية أضعف من السابقة، وكلما حاولت أن أجد تفسيرا يسلمني مفاتيح القوة والتفوق ، أفشل في العثور على نافدة تجعلني أطل على ذلك الأمل الذي أرسمه في خيالي، ياله من سياق غريب، هل هو القدر يقول كلمته، وهل تجدني أنتحل صفة لص ولن أجد أمامي سوى عنوان كتاب نيتشه لأقوم بتغييره على طريقتي البدائية وأقول بلاهوادة ” هكذا تكلم القدر “…
هل أنا تحت رحمة الحتمية التي ترسم لي خطا بلون واضح المعالم لأتبعه بتفان وإخلاص ؟ لكنني أريد شيئا آخر، بل أريد أشياء أخرى، لكنني لا أملك بعد الحجة لأواجه مصيري، وكم أتمنى أن أكسر تلك القواعد التي صُوِبَتْ لتحد من خيالي، خيالي الذي نال كل شواهد العجز والتعثر، ولازلت أتعثر كلما حاولت أن استيقظ.
الحياة، هذا الإسم الذي سمعناه ونحن صغارا، وكلما كبرنا وتعلمنا وفهمنا يكبر جهلنا في إيجاد تعريف يقرب منها، هل هي تشبه السحر؟ وهل هي بملوحة البحر؟ لكن الحياة لاتتكلم ولا تشتكي، ولاتقطر دمعة واحدة، الإنسان في ارتباطه الوثيق بهذه الحياة يحاول العثور على منفذ آمن، كل مايهمه هو نقل احتجاجاته وعنفه بكل الطرق، هكذا الإنسان لايتوقف عن الشكوى، إنه يحب ويتقن هذه اللعبة مند الصغر، وعندما تنطلي عليه الحيلة ينتقل إلى البكاء، وحده البكاء يعطي للإنسان صفة الإنسان، لكن هل يشفي به الغليل ؟
إننا نتمرن على البكاء منذ الصغر، هل نعرف السبب ؟ كثيرة هي الأشياء التي نقوم بها دون علم مسبق بها، هنا نثبت جهلنا الكبير ومع ذلك لانريد الإعتراف بهذا التأخر في الفهم، هذه هي حيلة الإنسان كلما واجه صعوبة وأقعدته الأرض إلا وحاول أن يتخلص منها بطريقة كوميدية، فهو يتحول في رمشة عين إلى ممثل بارع ليتقن الدور الذي رسمه له القدر أو بالأحرى رسمه هو لنفسه. هل الإنسان يعرف مصيره ؟ الإنسان يعرف كل شيء عندما يريد أن يعرف، وعندما لايريد تجده يرفع يديه للسماء يتوسل ويطلب الرحمة، الإنسان كائن ذكي.
كل هذه الصفات المثيرة التي يتصف بها الإنسان، تبقى محل تساؤل وغرابة، أنا بدوري أعيش غربة الذات أكثر من مرة، هل هذا هو الأصل ؟ إنني أعيش أكثر من حالة خلال السنة وربما خلال الشهر، قد يفسر البعض أنني مريض من وجهة نظره، وقد أجد نفسي في بعض الأحيان أوافقه الرأي، فقد أتسلل إلى مكان وأخاطب نفسي بصوت خفي وأسأل نفسي بجرأة : ماهو هذا المرض الذي أصابني ؟ هل لديه إسم ؟ هل يمكن تشخيصه ؟ وهل فعلا يمكن أن نطلق عليه إسم مرض ؟ لكن ماهو المرض في نهاية المطاف ؟ أليس كل اختلال في جسم وعقل الإنسان ؟ لكنني أجد أن جسدي يقوم بكل الوظائف المتعارف عليها تاريخيا، وعن عقلي فأنا أجده منسجما مع المقولة المشهورة لديكارت ” أنا أفكر إذن أنا موجود ” نعم أشعر أنني موجود على أكثر من مستوى، لكن هناك شيء ما ينقصني، أشعر بالعطش الشديد، أنا لا أتوقف عن التفكير في البحث عن الخلل، حتى لا أكون أنا نيا أشعر أنني أنا مصدر الخلل، مصدر الإزعاج لكل الحواس، لكنني أشعر جديا أنها تشتغل بطريقة ما، وقد أقول بسخافة كبيرة أن حواسي تشتغل بكوميدية مزعجة، لم يبقى مجال للمراوغة، علي أن أكون صريحا ولو مرة واحدة في حياتي، لاتتردد، اعترف، سأعترف: سأختصر، أنا إنسان مزعج. هل تجد أن هذا الاعتراف فيه شيء من الجاذبية ؟ لا أعرف، ولكنني جد متفائل هذه المرة، لأن الأيام القادمة ستكون الفرجة أكثر تشويقا، وقد تكون فرصة مواتية لي لأصير إنسانا جديدا، هاأنا أعود إلى الحلم أحاول من خلاله ترتيب ما لايمكن ترتيبه، ها أنا أستقرأخيرا على أن الحلم هو استقامة الحواس.

*كاتب ومبدع مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق