حوارات هامة

البحث عن نقطة ضوء في ظلام دامس

حوار مع الكاتب الاديب ناجي ظاهر، اجرته الفنانة التشكيلية مها ابو حسين

كاتب اديب من الناصرة. تضرب جذوره في قرية سيرين المهجرة. عاش طفولة قاسية وشق طريقه بهمة ونشاط اسطوريين. عمل في الصحافة اكثر من اربعة عقود، كما عمل معلما للإبداع الادبي. مبدع متعدد المواهب كتب في جل الانواع الادبية، وتمحور في كتابة القصة القصيرة والرواية. صدر له اكثر من ستين كتابا. ترجمت قصص له الى لغات عديدة. كُرّم اكثر من مرة وحصل على العديد من الجوائز. تعرفوا على الكاتب ناجي ظاهر اكثر في الحوار التالي الذي اجرته معه الفنانة التشكيلية مها ابو حسين.

*انعكاس الاغتراب وتأثيره المباشر على حياه الكاتب في سيرته الذاتية، كيف تفسر هذه الظاهرة؟
– ولدت لعائلة مهجرة من قرية سرين بعد سنوات من التهجير القسري للأهل. طفولتي لهذا كانت ملأى بمشاعر الغربة، صحيح انني ولدت في الناصرة، الا انني كثيرا ما كنت استمع الى كلمة لاجئ تتردد امامي. ولم اتخلص من هذه الكلمة القاسية الفظة الا حينما جاء من يستبدلها بكلمة اخرى هي كلمة مهجر. زاد في مشاعر الغربة لدي انني عشت طفولة اشبه ما تكون بالشيخوخة واذكر في هذا المجال ان والدتي رحمها الله، انتبهت لما انتابني من هذه المشاعر فاطلقت علي صفة” الختيار”، وانا لما اتجاوز الرابعة من العمر على ما اتذكر. اما اهالي الناصرة، وانا واحد منهم، فقد تكرموا علينا دائما بوصفنا بصفة لاجئ وغريب عن البلدة. هذه المشاعر بالاغتراب انعكست بنوع ما من المرارة والغربة رغم الرغبة الجارفة بالانتماء في الحياة وفي الانتاج الادبي ايضا.

*الحلم كالبحر واسع المحيط ويحتاج منا الحذر، ما مدى الحذر لدى ناجي ظاهر من هذا الحلم ؟
– انا بصورة عامة شخصية حذرة في ممارستي اليومية للحياة وفي الكتابة والابداع. بيد انني فيما يتعلق بالحلم كثيرا ما اتخلى عن حذري هذا واشطح في عالم الحلم والخيال. لا انكر انني كنت حذرا نوعا ما في البداية بسبب خوف متأصل، الا انني ما لبثت ان تخلصت من هذا الخوف ومضيت في طريق الحلم غير وجل ولا هياب. منذ البداية المبكرة ادركت انني اريد ان اكون كاتبا، لهذا مضيت بخطى ثابتة، لم تغرني العروض السياسية الكثيرة، ولا مباهج الدنيا، وانما اغرتني كلمة تائهة تبحث عن مستقرٍ لها. في كل مراحل حياتي حاولت المحافظة على استقلاليتي، ونجحت الى حد بعيد. كنت اعرف انني سأنتهي ككاتب فور انتسابي لهذا الحزب او تلك الحركة السياسية، وكان يثيرني ان العديد من الاحباء والاصدقاء كانوا كلما راوا الدنيا تضيق علي، يقترحون ان انتمي الى واحد من الاطراف السياسية، لم يكن هؤلاء يعرفون ان تنازلي عن بعض من استقلاليتي، سيفضي في النهاية الى تنازلي عن خصوصيتي. لقد حاولت طوال الوقت المحافظة على هذه الاستقلالية مفضلا اياها على مباهج الدنيا. اعتقد انني بهذا خسرت القليل وربحت الكثير. فمن يملك حلما من الصعب عليه ان يؤطره ولو كان ثمن هذا التأطير هو الاستقرار في اعين الناس. لقد فضلت ان اكسب نفسي على ان اربح الدنيا. هكذا حافظت على الحلم نديا اخضر.

*احيانا نشعر ان الحلم ضحك علينا (غلبنا)، ولكن هل تعتقد اننا نوهم انفسنا، بأحلام اكبر منا، ونضحك على انفسنا ، قبل ان يتغلب الحلم علينا ؟
– في كتاب ” مروج الذهب” للمؤرخ العربي البارز المسعودي، يسال احد الناس قائدا عربيا اراد ان يحارب بقلةٍ كثرةً، الا تخشى الهزيمة؟ فيرد عليه القائد قائلا: من اراد عظينا غامر بعظيم. هذا هو وضع اصحاب الاحلام الكبيرة هم يطلبون عظيما لهذا يغامرون بعظيم. الحالم الحقيقي لا يوهم نفسه، وحتى لو فعل في لحظة طيش، فانه انما يفعل هذا من اجل حلمه، هؤلاء تبعا لهذا لا يخافون ان تتغلب عليهم احلامهم. هم باختصار يعتقدون انهم خلقوا لأحلامهم وخلقت لهم.

*يتجلى بشخصك الصورة الفتية الابية، فنسجت لوحة من وحي قائم في واقع مرير، مليء بالأمل والحياة، دون يأس، كيف تشرح لي تلك اللوحة؟
– منذ البداية كانت دواعي المرارة اكثر بكثير من دواعي الامل، في طفولتي كنت امتلك بشهادة الكثيرين ممن عشت معهم وعايشتهم طاقة كبيرة جبارة. وكان السؤال المحير هو ماذا بإمكاني ان افعل بهذه الطاقة. عندما كنت طفلا في الرابعة ركبني هاجس ان اكون عازف عود. بما ان الظروف لم تكن تسمح تخليت عن هذه الرغبة. بعدها ركبني هاجس اخر هو ان اكون ممثلا مسرحيا او سينمائيا، صعوبة التعامل مع هذه الرغبة ايضا دفعتني للتخلي عنها. بقي هذا الحال الى ان طرق باب بيتنا فقير يستعطي مما ارزقنا الله. والدتي رحمها الله عرضت عليه الطعام لأنها لم تكن تملك المال. لا اتذكر ماذا فعل ذلك المسكين. وانما اثارني ظهره وهو مولٍّ الى فضاء لا متناه. عندها انحدرت دمعة من عيني. وعاودني حلم فتي في الكتابة فهرعت الى اوراقي لابثها بعضا من احساسي في تلك اللحظة. بعدها اتفقت مع صديق سُجن لسبب سياسي على ان احكي له عن الناصرة في حين يحكي هو لي عن السجن. وكان ان ارسلت اليه رسالة طويلة( اكثر من 20 صفحة)، فقراها لزملائه في السجن، فسألوه عما اذا كان كاتب الرسالة اديبا كاتبا. فما كان منه الا ان اخبرني بهذا. في عام 1968 كتبت قصة عنوانها الكلمة الاخيرة”، وارسلت بها الى المجلة الادبية الاهم في تلك الفترة، وهي مجلة “الجديد”، حين قراتها في اخر الشهر منشورة في المجلة شعرت بانني وجدت طريقي في الحياة. هكذا تغلب الامل على الياس. وهكذا انبثق الامل وكانت البداية.

*ما هو واقع تاريخ المجموعة القصصية “الحاسة السادسة” ، ظروف سياسيه، ثقافيه، كانت مهمة في تللك الفترة ؟
– هذه المجموعة كتبت ونحن نقترب من عام الفين ونتجاوزها قليلا. تلك الفترة كانت حافلة بالتوجس والتساؤل، بيد انها كانت بالنسبة لي فترة لا تختلف كثيرا عن سواها. فقد الفت مشاعر القلق والتوتر، وباتت لدي رؤية واضحة ترى الى ما هو ابعد من اليومي والعابر، ويمكنها ان ترى الجوهري فيما يدور حولي. لم تغرني الكلمات الفارغة ولا الآمال الكاذبة، كنت وما زلت ارى بعيني قلبي. وقد سبق وقلت انه يوجد هناك فرق بين السياسي والاديب، ففي حين يناور الاول ضمن تخطيط معين، فان الثاني يعيش ضمن رؤية حياتية شاملة. مع هذا لا انكر انني مثلي في هذا مثل معظم الناس في منطقتنا تأثرت بأجواء التوتر ضمن مستوياتها المختلفة، ابتداء بالعدوان الثلاثيني على القطر العربي العراقي، انتهاء بالدخول الى قرن جديد قيّض لي ان اكون واحدا من داخليه، مرورا بأحداث محلية صغيرة لكن مؤثرة.

*تاريخ الادب :موقع النص في سياق تاريخي والعمل الادبي “الحاسة السادسة”؟
– اعتقد انني اجبت بطريقة ما عن هذا السؤال، في اجابتي على السؤال السابق. مع هذا اضيف انه من المعروف والواضح انه يوجد للنص الادبي سياقه الخاص به. فالخطاب الادبي يختلف عن الخطاب التاريخي. وان كان الاثنان يلتقيان في نهاية الامر، لكن بتلقائية ودون قصدية، فمهما قلنا وتحدثنا عن حرية الكتابة تبقى الكتابة ابنة زمان ومكان محددين. اقول هذا مع فهمي العميق لاستقلالية السياق الادبي عن السياق التاريخي.

*حلم السيريني قد حلق بعيدا، وبحاله استفاق وقع، ماذا ينتظر حلم ناجي ظاهر ؟
– بعد ما قدمته من اجابات اعتقد انه بات من الواضح انني رجل لا اكل ولا امل وانني محكوم بالأمل. اما حلمي فانه لا يختلف عني بل اكاد اقول انه اشد اصرارا مني على المضي في فضائه. انا باختصار رجل امتلك حلما، ويعرف انه لا بد له من المضي في سديمه الى ما لا نهاية. انني لا انتظر شيئا وانتظر كل شيء في الان.

*الاشراق ، الامل ، الحلم ، ومع هذا الشعور بالاغتراب، كيف يفسر لي ناجي ظاهر هذا المغزى ؟
– الاجابة ببساطة يمكن استعارتها من قصة السندباد البحري المعروفة. السندباد كما هو معروف سافر سبع رحلات وفي كل منها كان يعاود الكرة ليحقق ما اراد من ثراء. في احدى رحلاته البحرية تقذف به الامواج الى مغارة معتمة مطبقة في ظلامها، مع هذا هو لا ييأس رغم وجود كل اسباب الياس، وانما يبادر للنظر فيما حوله لعله يرى منفذا له مما هو فيه، في النهاية يتخذ قرارا حكيما. يمضي وراء نقطة من الضوء، تفضي به في النهاية الى الفضاء والبحر. اضيفي الى هذا انني متأكد من انه افضل لنا ان نشعل شمعة من ان نلعن الظلام طوال الوقت.

*استوقفني بقصه الحاسة السادسة “اربعين عاما”، ولفت انتباهي بقصه كلاريس تكرار “اربعين عاما” وانتابني شعور بمغزى من ما وراء السطور من هذا التاريخ ، ماذا يحدثنا الكاتب عن ذلك؟
– حقا ما تقولين؟ ربما كان الامر كذلك. لا ادري الان ما هو السبب قد يكون لاعتقادي ان اربعين عاما تعني منتصف العمر. وقد تكون تعني ان اربعين عاما مرت على النكبة. وقد تكون اشارة لربط الاحداث من اجل الايحاء للقارئ بعمر الشخصية او الاحداث. هناك اكثر من سبب لذكر فترة زمنية ما في نص محدد، وهي تعني شيئا لا بد للنص من ان يفصح عنه.

* كتبت بقصه “الشمس فوق المدينة الكبيرة” “أطول رحله في العالم تبدأ بخطوة واحدة” هذه العبارة توحي بالأمل والتفاؤل، ولكن مع التناقضات والتضاد الذي يعيشه الكاتب يجعلنا كقراء في حيرة من أمرنا، ما تفسيرك لهذا؟
– كما قلت سابقا. انا رجل محكوم، او مسكون، بالأمل. كما انني لا استسلم. الحياة علمتني ان من يستسلم لليأس يضحي جزءا منه. انا مؤمن بقوة الامل، كما انني منذ ابتدأت الكتابة كان من الواضح لي ان الابداع الادبي انما يأتي من اجل سعادة الانسان ورفاهه. وقد قلت في اكثر من لقاء وتصريح ان الكاتب حينما يكتب لنا عن معاناته انما يريد ان يقول لنا انني حزين لأنني افتقد السعادة. السعادة المطلقة هي حلم المبدع.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق