ثقافة المقال

ملاحظات بخصوص جولتي الأخيرة في نيويورك

الطيّب ولد العروسي

التقيت، أثناء سفري الأخير إلى نيويورك، بمجموعة من المبدعين والمُبدعات من بلدان عربيّة مختلفة. وهي مجموعة اختارت الإقامة في هذا البلد الكبير، من أجل أسباب عدّة، لعلّ أهمّها: رغبتهم في مواصلة طريق الإبداع والكتابة والرسم في مناخات ثقافية مُريحة. ومن ضمن هؤلاء المبدعين الفنّانُ التشكيلي المميّز “رضا عبد الرحمان” الذي كان يسعى، في تلك الأثناء، إلى إقامة معرضٍ خاصٍ، برواق البيت الجديد بجزيرة ستاتن من ولاية نيويورك، والذي سيتمّ افتتاحه يوم 29 فيفري القادم، ليستمرّ حتى نهاية العام الجاري في العرض بتلك القاعة الشهيرة والتابعة لمركز “سنج هابر الثقافي ومتحف ستاتن إيلاند”، وبرعاية إدارة الثقافة بمدينة نيويورك وأيضا بعض رجال الأعمال والبنوك والجمعيات الأهلية. وسيُشرف على افتتاح المعرض أعضاءٌ من الكونجرس الأمريكي وثلّة أخرى من المثقفين العرب والأمريكان. ولقد اتّخذ المشرفون على هذا المعرض عنوانا رئيسا له هو: “أنا كلّ الناس I Am Evry body”، وهو يضمّ أكثر من مائتيْن عملاً فنيّا أنجز رضا عبد الرحمان معظمها خلال الخمس سنوات الأخيرة ما بين القاهرة ونيويورك والباقي يعود الى حقبة ما بعد ثورة يناير. يقول هذا الأخير في تقديمه للمعرض: “لقد استفادت أعمالي على مدار العشر سنوات الأخيرة من استلهام التاريخ المصري القديم وتأثير هذا التاريخ على ثقافتنا المعاصرة وعلى رؤيتي لما حولي من مظاهر، ذلك بالرغم من كون البعض يعتقد أنّ التاريخ ليس له ارتباط بالمعاصر، لذا أجدني أعود دوما للتاريخ حتى لو كان فقط على مستوى الشكل واللغة البصرية”، ويُواصل قائلا: “إنّ مشروعي الفنّي الحالي في هذا المعرض (أنا كلّ الناس) يأخذ أبعادا مختلفة تجتمع بها أعمال ومشاريع بدأتها خلال الخمس سنوات التي سبقت وصولي للإقامة بنيويورك، والبعض الآخر تم إنجازه خلال الخمس سنوات الماضية، وفي جميعها تمّ التركيز على قضايا إنسانية ووجودية شديدة الخصوصية ومرتبطة، بشكلٍ كبيرٍ، بأفكاري ورؤيتي للعالم المعاصر من حولي بكلّ ما يشمله من عناصر اعتبرها ملهمة لي في كثير من الأحيان ومحفّزة لأعمالي سواء اكتملت كمشاريع متكاملة او أصبحت جزءًا من بداية لفكرة مغايرة تُغذّي شعوري كفنان يحمل الكثير من الرغبة في التغيير، وتظلّ هناك مسافة كبيرة بين “تفكيري وبين ما أقوم به من أعمال فنيّة؛ فالعملُ الفنيُّ يتشكّل وفقا لسرّه الداخلي، ولهذا أترك نفسي للعمل الفنّي الذي يقودني، طالما همست له بفكرتي أو بمشكلتي أيّا كانت هذه المُشكلة، لذا فإنّني أستخدم وسائط متعدّدة بعضها تقليدي يعود الى آلاف السنين والآخر معاصر جدا. ليس لديّ أوهام بأنّ الفنّ سوف يمنع الحروب أو يجعل العالم اكثر استقرارًا، لكنّني، في المقابل، أثق في أنّه بالفنّ يُمكن أن نُشيد ذلك الجسر القويّ من التفاهم بين الناس مهما اختلفت أعراقهم أو خلفياتهم الإيديولوجية أو جنسيّاتهم، لذا فإنّني أستخدم العديد من الوسائط، التقليدية منها والمعاصرة، للوصول إلى المشاهد وبناء جسرًا من التواصل والتفاهم”.

لوحة المعرض

والحقّ، إنّ هذا المعرض يأتي تتويجًا لجهود هذا الفنّان في إقامة العديد من الفعاليّات المشتركة بين الفنّانين العرب والفنانين الغربيّين من خلال مهرجان “كأرقان” السّنوي الذى تولّى هو إدارته لسنوات أربع، ثمّ من خلال إنشائه، بعد ذلك، للمنظّمة العربية الأمريكيّة للثقافة التي افتتحها رفقة مجموعة من المثقفين العرب والأمريكان منذ أكثر من عامٍ. ويُعدّ هذا العرض الخاص رقم ثلاثة وثلاثون في رصيد هذا الفنّان المتميّز. إلى ذلك، هو يُعتبر من أكبر العروض التي قام بها في الولايات المتحدة، والذى سوف يظلّ قائما لمدّة سنة كاملة، وسوف تتخلّله ورشات عديدة ولقاءات ومحاضرات علميّة بشكل دوري. وهذا هو السبب الذي جعلني أسلّط الضوء على أعمال هذا الرجل وأقدّم بعض المعلومات على توجّهاته التي لم تلق، بعدُ ورغم قيمتها، عناية العديد من البحّاثة العرب، لاسيما المتخصّصين منهم في مجال الفنون التشكيليّة. وهي معلوماتٌ التقطتها مباشرة من خلال لقائي بهذا الرجل في رحلتي الخاطفة إلى نيويورك مؤخّرا.

الفنّان التشكيلي رضا عبد الرحمان

ولا أحبّ أن أختم هذا المقال الوجيز الذي يُشير بالبنان إلى أعمال هذا الفنّان الجليل، والذي ربّما لا يعدّ شيئا مقارنة بما أنجزه هذا الرجل وما خلّفه من أعمال وراءه طيلة حياته، دون الإشارة إلى ضرورة الالتفات أكثر إلى مثل هؤلاء الفنّانين الذي تركوا بصماتهم في غير مجالٍ وعلى غير منبرٍ ثقافي. فهؤلاء كانوا، ولا يزالون، ينتظرون التفاتة من زملائهم وزميلاتهم من المبدعين في البلدان العربية، وذلك من أجل مزيد تدعيم مجالات التعاون وفتحها بينهم، ممّا يعود بالنفع عليهم جميعهم.

*معهد العالم العربي، باريس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق