ثقافة المقال

الأساطير هي الوليد البكر للعقل الانساني

ابراهيم مالك*

حين فرغت من كتابة المقطع السابع في قصيدتي المطوّلة ، التي ضمنتها قصائدي في المجموعة الشعرية الرابعة ” لا أزال أعيش حلمي” ، شعرتُ كم أنا مسكون ، في عقلي الذي بدَأ يزداد معرفة ، بالقصص والأساطير، التي تتناول حِكايات الجنيات الساحرات اللواتي يسلبنَ العقول بجمالهن وغنائهن . أدرك جيدا ما تعنيه هذه الحِكايات والأساطير من دلالات تاريخية واجتماعية، لكن ما يعنيني هنا، كشاعر، هو دلالاتها الجمالية ، وإن كُنْتُ أعتَقِد أنَّ
أكثر تلكَ هي وليدة مَرْحلة هيمنة البيئة الذُكورية والتي أرادتْ اعتبار المَرأة الرافِضة لواقع هيمنة شريحة ذكورية على المجتمع كالملوك والكهنة والآلهة التي باتت ذكورية . تذكّرت عندها الأساطير اليونانية التي تتحدَّث عن ربات البحر ، الجنيات الساحرات ، صفارات الانذار – “السيرينات” ، ساكنات البحر وجسمهن العلوي نصف جسمٍ إنساني ونصفهنّ السفلي ذيل سمكة ، واللواتي ينسب اليهن اصطياد البحارة والصيّادين في عرض البحر، يسلبن عقولهم ، فيجرون خلفَهُنَ وينزلْن بهم الى الأعماق ، فيصبحون أسيريهنّ .
تأملت البحَّار الضائع يشقّ قلب الماء بحثا عن مصدر الصوت الجميل ، المغري والخادع الذي تُسْمِعنَهُ. يندفع بقاربه مأخوذا بأصواتهن ، يبحلق مذهولا في الماء الممتدّ أمامه بلا حُدود ، عمقا وأفقا . ينقلب القارب ويصاب البحَّار بدُوارٍ، يسقط في الماء ، فيبتلعه البحر.
وتذكّرت أسطورة تشيكية عن امرأة جنيّة ، ساحرة وجميلة ، كانت تسكن واديا شديد الانحدار وخضرة الشجر والأعشاب المتسلقة ، يحمل اسم تلك المرأة : ” شارْكا ” ويقع على مقربة من براغ العاصمة. وَتِذكَّرْتُ كثيرًا الأسطورة المَغْرِبِيَّة ” نولجا بنت الغولة ” والألمانية ” هنزيل وغريتل ” والسومَرِيَّة العراقية ” إليت “.
تقول الحكاية ، الأسطورة التشيكية ، ان كل من يضيع ويختفي في ذلك الوادي كان ضحية ” شارْكا ” التي كانت تخطف الرجال ، تحتفظ بهم فلا يعودون إلى أهلهم .كثيرة هي أساطير الشعوب التي تتحدّث عن الجنية الجميلة والساحرة ، التي تختطف الرِّجال . ولا يخفى عليَّ ظروف وأسباب نشأة هذه الأساطير وكونها على الغالب نشأت فيما عرف بفترة الصراع ، كما يظن ، بين سلطتي الأنوثة والذكورة في تلك المجتمعات البدائية. ولم يشأ عقلي أن تكون فاطمة ،المرأة التي أحب ، جنية تسلبني العقل وتختطفني ، حتى وان يكن بمعنى العشق . فهي ، كما أتمثّلها تنير عقلي وتكسبه صفة الحلم وتمنحه فرص التحليق .
يلاحظ القارئ النبه أنّي قلبت الآية ، حِكاية الأسطورة ، فرحت انتظرها عند صخرة الميناء ، باحثا عنها ، بعيني المتعبتين ، علّ شباك الصيادين حملتها إليَّ وقد استحالت سمكةً ، ساحرة الجمال ، تبحث عنّي لتلقاني ،كما أبحث عنها لألقاها ، فنغفو في عناق ، يكشف عن شوق شبيه بشوق الموج . فأنا أبحث عنها ،بشوق وعشق ، أتخيلها تبحث عنّي ، واحدنا يبحث عن الآخر.
لم أنسخ الأسطورة ، استوعبتها في عقلي المُتَخَيِّل ، الذي هو عقلي الشاعري ، وأنتجتها شعرا من جديد ، أو الأصح أعدت إنتاجها من جديد وضمنتها ايحاءات جديدة .أعدت انتاجها بجمالياتي ، بسياقٍ وبشكلٍ مختلِفِ ومُغايِرِ ظاهِرِيًّا ، فلا يبين بسهولة ما هو مشترك وموحّد بينهما. خُلِقَ الشِّعْرُ مترابطا ومتداخلا مع الأسطورة ، التي هي الوليد البكر للعقل الانساني . ويجمل بالشاعر أن يعرف كمّا وافرا من الأساطير ، تلهمه في كتاباته ، لكن عليه الحيطة والحذر من نسخها، عليه أن يحسن توظيفها في مبنى قصيدته ، فيُرَصِّع فضاءه بفسيفساء جميلة ومستوحاة من تلك الأساطير. والأسطورة شديدة الاختزال . وهكذا يجمل بالقصيدة الحديثة أن تكون .

قصيدة المقطع السابع

وإذا أتيتِ ذاتَ يَوْمٍ إلى صَخْرَةِ الميناء
التي طالَما عِنْدَها انْتَظَرْتُ أنْ تأتي
وَوَجَدْتِني واقفًا أطيلٌ النَّظَرَ إلى خُيوطِ شِباكِ الصَّيّادين
الْمُتَراقِصَة فوْقَ مَوْجٍ مِنْ نور ،
فأنا أبْحَثُ بين خُيوطِها بِما تبقى في عَيْنيَّ مِنْ نظر
عَنْ جِنِّيَّة ساحِرَةٍ كَما أنتِ ورُبَّما أنْتِ
محْمولَةٍ فَوْقَ شَوْقِ الْموْج
وَقَدِ اسْتَحالَتْ سَمَكةً مَسْحورَةً جاءتْ تَبْحَثُ عَنّي
فآخُذُها بَيْنَ يَدَيَّ ، بِحَنانِ عاشِقٍ ، ونَظَلُّ نَعيشُ حَياة عاشِقَيْن

أسطورة القمر
يستدِلُّ من يقرأ أسطورة القمر خاصة , ومن يقرأ ديوان الأساطير العراقية عامة ، وهو الذي
نقله إلى العربية مِنَ الإنجليزِيَّة وعلّق عليه الكاتب العراقي ، قاسِم الشّوّاف ، وقدّم له وأشرف عليه الشاعر السوري ،أدونيس، يستَدِلُّ ويخلص إلى أنّ مُفَكِّري العراق القديم انشغلوا كثيرا ،ضمنَ أمور أخرى ، بالبحثِ عن أجوبة لأسئلة ، أشغلت الانسانية طويلا ولا
تزال تشغلها إلى يومنا . في دراسة عن ملحمة كلكامش الأسطورية يؤكد الدكتور العراقي ، محمد خليفة حسن أحمد ، أنَّ الأسطورة في أساسها تفيدُنا في دراسة التاريخ ،لما كانَ قبلَ التاريخ المعروف . فهي في الواقع تاريخ ،غَلَبَ عليهِ الطّابِعَ الأسطوري في التَّدْوينِ البِدائي ،كتابَةً أوْ شفَهِيِّا مَنقولا من جيلٍ لِجيل .
ومن قراءتي المتفحصة لديوان الأساطير العراقية القديمة ثبتَ لي ما كنتُ قرأتُهُ في أكثر
من موقع أن الحضارة اليونانية – الاغريقية – القديمة ،وان تكنْ شكَّلتْ رافِدا حَضارِيَّا
أغنى الفكر الانساني ،الاّ أنَّها اعتمَدَتْ كثيرا في تطوُّرِها الحَضاري وفي تطويرِها العَقلي
على ما عثرَتْ عليهِ واستفادت منه كثيرا في الحضارات الشرقية القديمة في العراق القديم
وفي سوريا ومصر والهند والصين وغيرها .وأنا حين اؤكد ذلك فليس للانتقاصِ من إسهامِ اليونان القديمة الحضاري ،انما تأكيدٌ للحقيقة التاريخيَّة الثَّقافِيَّة التي تُغيّبُ أحيانًا ، نتيجَةَ نَقْصٍ مَعْرِفِي أو تَوَجُّهٍ مُتَعمّد . فاليونان القديمة لم تكُنْ مَهْدَ الحضارة الإنسانية القديمة .
وباتَ واضحًا اليوم ، لكل باحث جدّي ،أنّ شعراءَها الكبار من مثل هومَر وهسيود وَمَسْرَحِييها من مثل سوفوكليس ويوروبيدُس وعلماءها ومفكريها تأثروا بما أفرزتهُ الحضارات القديمة المذكورة قبلَ نشوءِ حضارتها بألفي سنة وربما يزيد . ومن الجديرِ بالذكرِ في هذهِ العَجالَةِ أن نذكُرَ وأنْ نتذكّرَ أنَّ الأسطورة في أساسِها عَمَلٌ أدَبِي أبدعه
العقل الإنساني القديم في بَدايات تَحَرُّكِه وتَعَلُّمِه من تجارب حياته وتَساؤلاتِهِ ذاك الزَّمان والمكان وإن يَكن مِحْوَرُ هذه الأساطير على الغالب حِكايات تتعلّقُ بأنشِطَةِ ” الحَياةِ ” الالهية المتخيّلة . فهي نِتاجُ عقل إنسانٍ ونتاج فكره . صحيح أنّ موضوع هذه المَقالة ليسَ مفهوم الأسطورة ونشأتها ،غير أنَّني أجدُ لِزاما عليَّ حتّى في هذه العجالة أن أوضح اعتقادي بصورة موجزة : أنَّ أكثرَ ما وصلنا من أساطير كتبه أساسًا الرُّهبانُ في المَعابِد الدّينية القديمة ،القائِمونَ على خدمة وصيانة هذهِ المعابد والآلهة والمَعنيّون بتكريمها وتقديسها .وهذا ما أبقى الانطِباعَ في أعْقابِ ذلك أن الفكر القديم تناول فقط أنشطة حياة الآلهة وقدّم تفسيرات غيبيّة لعالمنا وللوجود المحيط بنا . وعليه يجمُلُ بِنا أنْ نقرأها مُدْرِكينَ لهذا التحفّظِ القائِمِ على الظَّنِّ والاستدلال . ولكن تبقى الحقيقة أن الأسطورة عملٌ فني مُتخيّل ،وُلِدَتْ وَحُرِّفَتْ وتغيَّرَتْ ،وِفقَ الظروف التاريخيّة ،وظيفتها البدئية ووصلتنا بشكلها النهائي .فهي ،على الرغمِ من سَذاجَتِها ،فِكْرٌ إنساني. وتتمتَّعُ بوظيفة اجتماعية ،مثلَ كلِّ عَمَلٍ أدبي .
وأعتقد أنّهُ يَجْمُلُ بِنا ،أيضا ،أنْ ننظُرَ إليها على أنّها جاءت محاولة فكرية <ساذجة > لتعليل ظاهرة اجتماعية وطبيعية، أو أنها جاءت تعبيرا عن طموح إنساني أو صِراعٍ فكريّ واجتِماعي احتجاجًا على واقِعٍ ،تميَّزَ بعَسْفِ الملوكِ والحُكّامِ وهَيْمنتهِم العنيفة والفاسِدَة.
وانتهِزُ هذه المَقالَة لأوضحَ جمالية أسطورة القمر العراقية القديمة .قرأتُ قبل سنين كتابا ممتِعًا يتحدّثُ عن أصلِ الأسطورة ونشأتها بينَ الشعوب ،ترجمته عن الألمانية الكاتبة
المصرِيَّة ،الدكتورة نبيلة ابراهيم . علِقتْ منهُ في ذاكرتي أسطورة قديمة وبالغة الصِّغر .
تتحَدَّثُ الأسطورة عن قصة حب ، نشأ واشتدّ من طَرَفٍ واحد ،لم يكنْ حبًّا مُتبادَلًا ،كما هو المفروض والمتوقع في أغلب حالاتِ الحب . أحَبَّ القمَرُ الشَّمْسَ ،تقول الأسطورة ،وضايقها في ملاحَقاتِهِ المُزْعِجَة ،حتى أغضَبَ الشمْسَ ،التي لم تكُنْ تُبادِلُهُ الحُبَّ ،وأخرَجَها عن طورها مرّةً، فلطمَتْهُ بِكَفِّها المُحْرِقة على صفحةِ وَجْهِهِ المُنير ،تأديبًا لهُ وكي يتوقف عن مضايقتها . وما نراه من نتوءا ت ومظاهر جبلية ومنخفضات على سطح القمر وتراها بوضوح العين المجردة ولكن السليمة هو من آثار هذه اللطمة ، كما تقول الأسطورة .
أعتقد أن القصة ألّفَها ورواها الرُّعاة للتسلية وقد شدّهم بهاء القمر ، خاصة في الليالي المقمرة .وهي الليالي ، التي تشهد طفرة في المغازلات الجنسية بين الحيوان وبين ا لنا س ، تشهد طفرة في محفزات الحياة . لا أعتقد أن الهدفَ من حكيها كان التسلية الذهنية ،فهذه التسلية المفكّرة والمتفحصة هو ما نفعله اليوم عند قراءتها وتأمل ايحاءاتها ، وان كنت لا أستبعد ذلك أ و أنفيه . ففي ايحاءاتها تكمن بذور المعرفة . كان ليل الرعاة خاصة ،وليل الانسان عامة ،ليلا طويلا، يطول كثيرا في الشتاء ويقصر قليلا في الصيف . الاّ
أنه على الغالب مقمر وجميل فلا يمر شهر لا يكون القمر فيه، ليلة وأكثر ، مقمرا .ولا يقل ليل الخريف وليل الربيع عنه جمالا وبهاء . وكذلك فان لليالي المعتمة جمالها وسحرها وضروراتها ،فالعتمة لا تعني توقُّفَ الحياة ، فليل الحياة مليء بالهموم المضنية وقد يطول أحيانا كثيرة ولكن فوران الحياة الداخلي لا يتوقف . أتصوّر في هذا الليل كثر البحثُ عن معشوقة ،عاشقة، وعن عاشق ، وكثر الغزل ، بما في ذلك من جماليّات حياة انسانية ومضايقات ومنغصات كثيرة أحيانا . فنشأ أساس الأسطورة المادي الأرضي، أو لنقل مسرحها الخلفي ، نشأ ت قصص حب ،أو تصوراتٌ عن قصة حب . ما أود أن أقوله ان الأسطورة لا تنشأ من فراغ ،وإن يكن الخيال الشعري والتصوُّرات الشاعرية، التي تنميها وتطلقها المشاعر الانسانية المتوقدة ،دورا كبيرا في نشأتها . فان لها أساسا ماديًّا أرْضِيًّا وَمُعاشًا . نشأت قصص حب ،لكنَّ الجميل في هذه الأسطورة يجري الحديثُ عن حُبٍّ غير مألوف ،حب مُتصوَّر ،أوجدهُ الخيالُ الانساني ،حب بين الشَّمْسِ والقمر .وكما هو الحال في الواقع الأرضي والحب الانساني المألوف في أحيانٍ كثيرة فانه من طرف واحد . في هذا الليل الطويل ،المعتم أو المقمِرِ الجميل ،نشأتِ الحاجَةُ المُلِحَّةُ للتسلية ،قضاء الوقت . فنشأ القص ونشأتِ الأساطير، اختلقت ،ألفتْ ورويت ، وانطلق الخيال ،ففيه كانَ مُتَّسَعٌ للتأمل والمقارنة والمراقبة. وظهرت معها وبالتجربة المُعاشة بدايات المعرفة الانسانية ومحاولات فهم الموجودات في عالمنا المحيط بنا ، تفسيرها وتبيانها وتعليل الظواهر. وختامًا فان هذه الأسطورة ،على قصرها ،جاءت مُحاوَلَةً لتفسيرٍ مُتَخَيَّلٍ لما نشهده كثيرا من جبال ومنخفضاتِ ،تراها العين بوضوح فوق سطح القمر . إنَّها محاولة تفسير ظواهر في الطبيعة المحيطة بنا بقصص ساذجة ، بشكلها الأسطوري ، وفي هذاجمالية فائقة . نشأت الأسطورة وأبدعها العقل الانساني في ذاك الزَّمَن . *ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

ـ يؤكد الباحث وجبه كوثراني في مقالة له نشرتها ” الحياة ” أن الكلمة الانجليزية history
ذات الأصول اللاتينية يمكن أن تكون مشتقة من أسطورة . وقد عرف العرب القدامى كلمة ” أساطير الأولين” ، التي وردت في القرآن الكرم ، بأنها ” كتب الأولين ” ، فسطر تعني كتب أ و دوّن . ويعتقد بعض الباحثين أ ن الكلمة الانجليزية star والألمانية stern واللتين تعنيان نجمة ، ربما تعود أصولها الى كلمة عشتار – أشتار – السومرية – ألأكدية ، والتي كانت
الهة الخصب ومقرها في السماء – سيدة السماء – وقد تكون كلمة أسطورة ، التي هي حكايا الآلهة ، مشتقة منها . وقد انتقلت الى اليونانية من الفينيقية .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق