ثقافة المقال

رحل عاشق فلسطين ودمشق الناقد يوسف اليوسف

بقلم: د. ماجدة حمود*

انتـزع العدوان الصهيوني الطفل (يوسف اليوسف) وهو في العاشرة من أحضان فلسطين، ورمى به في أحضان الشقاء والقلق، فعاش يهجس بحلم استعادتها، مدركا أن مرور الزمن يبعده عنها! لذلك كان يجاهد من أجل استعادتها، والإسهام في تمهيد طريق العودة إليها، حاول في بداية حياته (1957) بعد أن تنقل في منافي متعددة، أن يلتحق بأول كتيبة تدرّب الشباب لاستعادة فلسطين، لكنه اكتشف منذ شبابه المبكر طريقا آخر يسهم قد يوصل الأجيال إليها، إن لم يستطع هو الوصول، إنه طريق العلم والثقافة، فانتسب للجامعة في قسم اللغة الإنكليزية، ليعمل بعد ذلك ثلاثين سنة في التدريس (قدّم استقالته 1992) دون أن يترك الكتاب لحظة واحدة في حياته!

صحيح أنه لم يستطع تحقيق طموحه في أن يتابع دراسته العليا، لكنه استطاع أن يحصّل معرفة تغنيه عن أية شهادة، إذ انخرط بشتى التنوعات الثقافية (الفلسفة الغربية، التراث العربي، التاريخ، علم النفس، المسرح، النقد، الشعر، الرواية…) لهذا بدا يؤهل نفسه ليكون ناقدا حقيقيا، فتسلح بثقافة نادرة، أتاحت له إنتاجا نقديا متنوعا في مجال الشعر (الشعر الجاهلي، الشعر العذري في العصر الأموي) لكن إعجابه الأكبر كان  للشعر الصوفي (النفري، ابن الفارض، ابن عربي…) دون أن يهمل الشعر العربي المعاصر، فينتقد أبرز رموزه (السياب، أدونيس، محمود درويش…) وقد بدا مهموما في تحديد أسس الشعر العظيم، فألف كتاب “ما الشعر العظيم” “الشعر والحساسية” “الأسلوب والأدب والقيمة” كما ألّف في الرواية والقصة “رعشة المأساة” دراسة في تميز إبداع الشهيد غسان كنفاني في تقديم القضية الفلسطينية عبر نبض المأساة، فجمع الهم الواقعي بالهم الجمالي، ثم قدّم في مجال القصة القصيرة كتاب “الشخصية والقيمة والأسلوب، دراسة في أدب سميرة عزام” ثم كتب “مقالات في الرواية”

كتب في التاريخ عن معركة “حطين” 1988، ولا ننسى أنه ولد في قرية (لوبية) التي تبعد مسافة قصيرة عن المكان الذي جرت فيه معركة حطين، أما الكتاب الثاني “تاريخ فلسطين عبر العصور” 1989

أسهم في ترجمة كتاب عن “الديانة الفرعونية” 1985 وعن الشاعر “ت. س. إليوت” 1986، تمنى بعد تقاعده لو يتعلم السنسكريتية، لينقل إلى العربية تراث الهند، فيكون استمرار لعشاق تراث الهند (الحلاج، البيروني، ابن بطوطة)

لعل الإنجاز الأهم الذي قدّمه كان في مجال النقد، وذلك حين سلّط الضوء على المقولة الروحية، التي اهتم بها التراث العربي، فقد تبنى قول القاضي الجرجاني في أن الصنعة وحدها لا تؤسس لعمل أدبي عظيم، وإنما المعوّل على ما يكمن في أعماقه من وجدان ومشاعر، لم تُعرف من قبل، لهذا دعا إلى منهج صوفي شفاف منبثق من البصيرة والإشراق، وبيّن أن الأدب لا معنى له إن لم يسهم في إيقاظ الضمير، حيث تكمن إنسانية الإنسان!

امتلك حساسية مرهفة إزاء التراث، فحاول ردّ أيدي العابثين به من المستشرقين والعرب مستعينا بمناهج نقدية غربية (المنهج النفسي، الأسطوري، الاجتماعي، البنيوي…) وذلك بفضل إتقانه للغة الإنكليزية.

كما ترك بصمته الخاصة في استخدام المنهج النفسي، فأبرز دور اللاشعور في توحيد القصيدة الجاهلية من داخلها، وبذلك يعدّ من أوائل النقاد الذين ردوا على من اتهم الشعر الجاهلي بافتقاده الوحدة بسبب تعدد أغراضه!

وقد تميّز بحس نقدي رفيع، منحه القدرة على تجسيد رغبته في التفرد، التي بناها على أسس ثقافية رفيعة، فإذا كان في البداية متأثرا بفرويد في تفسير الإبداع الفني، إلا أنه سرعان ما رفض أن يكون الجمال تعويضا عن شبق مكبوت “فمثل هذا التسفّل ينسى برهة العليان في الإنسان” لذلك بدا متبنيا للمقولة الصوفية التي ترى ضرورة أن يقدّم الأدب “الشوق إلى التوحد بالكون، والامتداد الروحي في أعماق الإنسان.”

لذلك كله رفض الفن التجريدي الذي يعني إغراقا في المثالية والغربة، مثلما يرفض الواقعية الآلية ، ودعا إلى واقعية تنبض بالمشاعر، فالفن لا يؤثر بالناس إلا حين يكون مشفوعا بحس مأساوي، وبقدر ما يتمتع بفنية عالية، فيعدّ عندئذ فنا خالدا!

ولعل المنهج الذي تجلت ثقافته الأدبية التراثية والغربية هو المنهج المقارن، وقد لاحظنا مدى حماسته للتراث في هذا المنهج، لأنه ينطلق من الانفعال والروح والصدق، دون أن يغفل إنجازات الآخر الغربي، فمثلا تتفوق قصيدة رامبو (السفينة النشوى) على تائية ابن الفارض ، لكنها تفتقر للعمق الميتافيزيقي!

لعل البصمة الأساسية التي تركها الناقد الراحل هي اهتمامه بالمنهج الصوفي، فتمكّن من مصطلحاته، حتى باتت سمة أساسية في نقده (اللطائف، البصيرة، العلو…)

واللافت أنه لم يكتفِ بتسليط الضوء على شعراء الصوفية، بل دعا إلى استلهامها في بناء الروح العربية، كي تقاوم عصر الاستهلاك والمال، فتؤسس لبناء إنسان جديد.

تدهشنا هذه الرؤية الشمولية، التي تنطلق من العلوم الإنسانية والفنون، فتغوص في أعماق النص أكثر من ظاهره، يبحث عن عمق المكابدة والمأساة في الأدب، فلا يتحمس لأدب يفتقده!

لقد أراد يتحدى عدوه الصهيوني بالمعرفة، فأسس لنقد يبني الإنسان العربي، وينقذ روحه، رغم المحن التي تحاصره، كي يوقظ وعيه، فيستطيع مقاومة عصر الاستهلاك والمادة، ويتجاوز خواءه وعطالته، وبذلك يأخذ بيده ليسير على طريق العودة إلى فلسطين!

كانت دمشق أحب المدن إلى نفسه، حتى إنه ألّف كتاب “دمشق التي عايشتها” تحدث فيه عن جوامعها، بوصفها إنجازات حضارية شديدة الرقي، فكان كلما أراد الاستمتاع ذهب إلى الجامع الأموي، وإلى جامع الشيخ محي الدين بن عربي.

عايش دمشق منذ الخمسينيات إلى بدايات القرن الحادي والعشرين، لهذا يقول في سيرته “تلك الأيام” “ثمة رائحة خاصة تبعث الأسى في قاع روحي، أجل نهر بردى، لا تصدر عنه سوى رائحة منتنة في هذه الأيام القاحلة الماحلة…إنني مهموم بهمه وهم دمشق والغوطة، اللتين أنجبهما هذا الجدول الفاتن الصغير منذ آلاف السنين، فمع أن دمشق، لم تحمل بي، بل أنجبتني قرية في جبال الجليل الأدنى، أو تماما في البقعة التي أنجبت المسيح، فإنني أشعر بأنها أمي بالفعل، وذلك لأنني قضيت في رحابها عمري، إن همها يخرّش وجداني، بل يصدّع كياني، ويشعّث نسيج روحي، ولاسيما حين أراها مكسورة مثل أرملة بائسة، بل مستباحة حقا، فيا لهذه المدينة، التي كانت شديدة الجمال، بل باهرة الحسن، بالأمس القريب…”

كتب هذه الكلمات قبل الأزمة، التي تعيشها دمشق اليوم (2009) فقد نشرت الجزء الرابع من سيرته (2010)

ما يؤلم حقا أنه عاش أواخر أيامه بعيدا عن دمشق المدينة التي أحب، فعانى مرارة اللجوء مرة ثانية عن وطن ثان، ضم البيت والأولاد وكفاح عمر بأكمله! وإذا كان في اللجوء الأول في بداية رحلة الحياة، لذلك  استطاع مواجهة الصعوبات، ويحقق بعض أحلامه (العمل، الثقافة، الأسرة…) فقد بدا اللجوء الأخير الأكثر مرارة، إذ لجأ إلى مخيم نهر البارد في لبنان، وهو يحمل أعباء السنين والمرض، فاقتلع من بيته ومن أحضان أولاده ومدينته التي أحب، لذلك كان آخر ما سمعته منه دعاء يا رب احمِ الشام وأهلها! قهرته الغربة فلم يقوّ على حملها مرة أخرى!

ترى هل هو قدر الفلسطيني أن يعيش فارا من مخيم إلى مخيم، يرافقه القلق والإحباط والمرض! لكن عزاءنا في ميراثه النقدي والأدبي (سيرته الذاتية ذات الأربعة أجزاء، “رسالة إلى سيدة”)  التي قاوم بها  كل القهر والتوتر، الذي رافقه عمره كله،  فكان قدوة للأجيال العربية في مقاومة أعباء الحياة وقهر اللجوء بالعمل الدؤوب، والمعرفة التي توقظ الروح وتعزز إرادة تحقيق حلم العودة!

*ناقدة سورية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق