ثقافة النثر والقصيد

أنا الأندلسي

خلف الله سمير

أنا الأندلسي وفي جسدي

تسكن أرواحُ من راحوا

ولو شرحوا جسدي

لسالت منه مدائن وأرباض 01

لقرطبة وجيّان 02

كانت تزينها

بساتين رمّان

وكانت تخاصرها

وديان وأيكات

وكانت تغازلها أقمار

ونجمات

وكانت تراقصها

أنغام ونوبات

وكانت تعانقها

زياتين وبُـشْـرَات 03

وكانت تغار منها

رياحين وقضبان

تبدّت ببهو الرصافة 04

كما سراج وهّاج

يغازل

لقوافي الداخل العاشق 05

لراح 06

ولمن هي أخت لؤلؤة

في محارةٍ وأصداف

شرّحوا جسدي

فها هنا تسرى

لولادةَ

خطى وأطياف

وها هنا تعلو لغرناطة

قلاع وأبراج

وتختال على جسدي

نقوش وأزهار

كما لو أنني في الحمراء

ثريات وأقواس

أنا الأندلسي

ولو شرحوا جسدي

لرأوا ما كان بقدس أقداسي

من محاريب ومآذن وأجراس

تتراقص فيما كان فيها

من أعياد وأفراح

ولو شرحوا جسدي

لسالت منه طواويس وغزلان

بها سكنتْ

وشادتْ عجائبا وآياتا

بقصر وإيوان

ولو شرحوا جسدي

لسالت منه

ما حرّقوا فيها

من دواوين وألواح

وما حطموا فيها

من يراع وقرطاس

وما أقبروا فيها من

مواويل نيروز وأعراس

أنا الأندلسي

وها هنا في جسدي

تسكن اعتمادُ

كما لو أنها ترانيم قداس

وها هنا في جسدي تسكن

ولادةُ

كما لو أنها

كؤوس خمرة وراح

وها هنا في جسدي

تسكن طروبُ

كما لو أنها أيقونة بمحراب

بشعرها الذهبي

كما لو أنها استعارت من الشمس

ضفائرا ورمشا لأجفان

بوجهها الفضي

كما لو أنها استعارت

من بابل 07

تعاويذ سحّار

وما أنا ممن يروم لها

كأس ترياق

فيا فرحتي لو أنها

كالقبر تضمني

وتزداد اطباقا

ترى كيف أنسى وعطر عائشة

ما زال في الدرب

وفوق شفاهي فواحا

وفي أذني

ما زالت تُـقرع فيها

نوبات خلاخل وأنفاس

وما كان يُرفع في مآذنها

من ترانيم وتغريد

وإنشاد

ترى كيف أنسى وحفيف

أوراق حقول الصفصاف

ما زال يطربني

كما كان فيها

مقال عود وزجال ووشاح

نسيم شلير 08

ما زال يلفحني

كما في الصبح

عبير البيازين

ورنين أقراط

لساكنةٍ بجنّـات العريف

وبائعةِ الورد بأسواق

وكيف أنسى ما كان فيها

من نهد وجيد وتين وعناب

كالشهد كل حلو المذاق

كما لو كان فوق شفاهي

بحرا من رحيق ورضاب

ترى كيف أنسى

وآثار ما شادوا

تمائم لي وحجاب

معلقة بجيدي

هي دوني ودون الكروب

بنات كرم وأقداحٍ

أنا الأندلسي

ولو شرحوا جسدي

لسالت منه قوافل من راحوا

فكيف أنسى

ووجوه فتيان تحاصرني

كما لو أنها في الحدائق

باقات أزهار

ترى كيف أنسى

وفوق الشفاه

يقيم خيال من راحوا

كما لو أنهم وردة

تبعثر الطيب بين

جَـنَـبَـات قرطاسي

ترى كيف أنسى

وكل من مروا بها

قاموا بممشى أيامي

وطلقوا القبور والأجداث

وزينوا دروبي كما لو كانوا

شموعا ونبراسا

يُهدي إليَ كما موسى أقباسا

ترى كيف أنسى

وغيث أندلسي يجود على أوراقي

كما لو أنه الرب معطاءُ

أنا الأندلسي

ولو شرحوا جسدي

لسالت منه عطور

مجالس أنس وسمّار

كانت تُـغـَـنّي تواشيحا

وأشعارا لابن عمّار 09

ترى كيف أنسى

وسمعي يعانق

أحاديث عشّاقٍ وعشّاقٍ

كما لو كانت بقلبي

دقّاتٍ ودقّاتٍ

ترى كيف أنسى

وذكرى أسفارٍ

وما حَـبَّـروا بأقلام

بِـكْـرُُ بذاكرتي

كما لو أنها

إصحاح إنجيل وآيات قرآن

ترى كيف أنسى

وحبيبتي الزهراء تلقاني 10

فاتحةً أشرعة وأحضانا

تنام عند جبل العروس بأمان 11

تنتظر العودة والإياب

ينبعث منها

رحيق الهوى والوداد

فما أحلى العودة والوصال

من بعد طول الغياب

ترى كيف أنسى

وأبراج في الحمراء تلقاني

بلا غالب إلا اللهَ

وأن أرض أندلسي

وغرناطة ميراثي

وأعلام عبد الرحمان

خفّاقة كما لو أنها

زنابق مطرّزة

ببهو رياض وبستان

ترى كيف أنسى

ونهر شنيل يلقاني 12

بعيدان الحور

تعانق مرأى بناني

ومنه الفراشات

تحطّ فوق أغصاني

تذيب ما في الفؤاد

من همّ وأشجان

تقودني كالطفل لأغترف

من بحر لذة

فيكون الحبور والسَّرو عنواني

ومنه أغتسل

فأغدو بحر مسرات وسُـلوان

وأزور أغمات 13

ففيها أخي ابن عباد

يلهمني قوافيا وأشعارا

أزور غرناطة ففيها

لؤلؤ وحُباب

يعانق أبراجا وتيجانَ

أسير على درب طارق

ولباب أندلسي أنا طارق

فتلقاني سارة بعقد اللآلئ 14

وبكل مفاتيح ما كان لي فيها

من قرى ومدائن

أسافر من حي البيازين 15

إلى برج قمارش 16

وفيهما أراقص

سرب الحمام والمآذن

وتغدو الشبابيكُ والنوافدُ

لعيني موانئَ

وفيها ترسو لتعانق

بنات قوم هم

للسرور عناوين وبيارق

تُرى كيف أنسى

شواعرا يغزلن من عذب الكلام

عناقيد مرجان

وحبّات جُمان

تُرى كيف أنسى

بساتين زياتين وألواحا

أضاءوا بها الدنيا

وكانت لنا مصابيحَ أنوار

ومشكاةَ من أحرف وأسفار

تُرى كيف أنسى

مدائنا بها أهلي قد ساحوا

وكانوا يهدون لجار وجيران

كأس غفران حلو المذاق

تُرى كيف أنسى

منازلا كأنها غرف

تنزلت من العلياء

يسكنها ولدان وحوراء

تُرى كيف أنسى

يا حِـبّ بلقيس 17

ذكريات كل من راحوا

ذكريات أمٍ لي وجدّ

وأصحاب وخلان

تعانقني روح لهم وأطياف

إذا ما أتيت قلعة الحمراء

وما شادت فيها أنامل

بني الأحمر والرفقاء

من عجائب النقوش

والفسيفساء

تُرى كيف أنسى

أعمدة من الرخام

تحمل زخارفا

كما يحمل قوام حسناء

شفاها وجيدا وأثداء

فتُـسحب الروح مني وورقاء

لتلثم مفاتنا في

عمائر الزهراء

نحتتها أيادي إله رب السماء

وكيف أنسى وتلك الزخارف

قائمة في باحات قصورها

كأنها آيات مصاحف

لو ضممناها لقامت مقام

سورة مريم

وأحاديث عائش

تُرى كيف أنسى

وخرير وديانها

وتنغيم موج شطآنها

يبعث في كل آن زريابها 18

وما خطت ريشة له وبنانه

تُرى كيف أنسى

ودرب طارق

كأنه سعي لهاجر

وفرض لنا سادس

يقربنا من الله زلفى

ومن لم يره كان في النار هالكا

تُرى كيف أنسى ذكرى

اعتماد ومعتمد

على ضفة الوادي

يتبادلان الهوى والقبلات

ولا يشي بهما النسيم

أو غرد الحمام 19

تُرى كيف أنسى زرياب

يداعب الأوتار والرباب

فيُهدي لنا لحنا

يسبي الجَـنَـانَ والفؤاد

تُرى كيف أنسى أجفان طارق

وقد كانت لنا أخت السحاب

الذي حطّ بنا في الجنان

الوافرة الظلال

تُرى كيف أنسى

حكايات عشّاق

عادت في الورى وبين الناس

كما ترانيم إنجيل

بيوم قداس

تُرى كيف أنسى

وزفرة الملك الصغير 20

وفجيعة الملك الصغير

خنجر في فؤادي

وسكين

يغتال فرحة الأعياد

ويزرع لوعة في صفح

أوراقي ديواني

تُرى كيف أنسى

وتغريبة أجدادي 21

تسرق البهجة

من بنات المداد

ومن مهجة اليراع

وتبذر الحرقة في

محفل الكلمات

وتنشب أظفارها في

دفاتري وأقلامي

وتقذف بها في بحار أشجان

ترى كيف أنسى

ورحيق رضاب ثغرها الفواح

وأشعار التماريت أخت وضاح

تغازل فتيان من بني عبّاد

فتهدى لها الأقلام

باقات أشعار

ممهورة بأريج

شقائق النعمان

ترى كيف أنسى

وهامات أجداد لوركا

وإخوان تنتصب أمامي

كما لو أنها أوامر آلهة

وسلاطين بديوان

وإني لها عاشق

ألبي نداء الحب

كما هائم في وجه

سلافةٍ وفيض سحرها الدافق

ترى كيف أنسى

وأنوار منائرها

تـَهْـدي سفيني وأجفاني

فتأتي لها طوعا وشوقا

كما لو أنها حواري

سمع حيّ على الصلاة

وواالله إني لعاشق لأندلسي

أمَا تجول بدمي

كما وسواس وخناس

ولا أعوذ به

بآيات مصحف

وترس وأقواس

وها إن بها يحيا الفؤاد

فعني بشياطين

وادي عبقر والخَـيَّـام 22

بلادي أرض أندلسي

لنا فيها قرطبة

قدس أقداس

والخيرالدا حائط البراق 23

ودرب إياب

ومن طليطلة وجيّان

حتى بحر الزقاق وعدوة المجاز

درب أسى وأحزان 24

اليسوع وسمعان 25

هي جنة المأوى

تبدتْ بناظري

كأنثى حبلى بالمسرات

قبلتها وعانقتها

كما لو أنها

عروس أو ربّة الجمال

ثم توارت

كقبلة الأنثى الخجلى

خلف جدار من الضباب

وإني من على عرش ما شادوا

إله يجافي المنون

وأحتسي بسير الزمان

كؤوس وأقداحَ الخلود

فشكرا أيا أندلسي

على كأس نخب

تجعلني أبوح

بأحاديث العشاق للعشاق

شُـلّت يميني

إذا ما أنا نسيتك

يا قدس أقداسي

شُـلّت يميني

إذا لم أيمم لك شطري

في كل صباح ومساء

شُـلّت يميني

إذا لم أذكرك

في وتر كل صلاة

شُـلّت يميني

إذا لم أصُلِّ عليك

عند رفع كل آذان

أو قرع لأجراس

أنا لن أبكيَ يا عائشة الحرة 26

مُـلـْـكا مضاعا كما تبكي النساء

فأنا الأندلسي وعائد غدا

لأرض الأجداد والآباء

شرح بعض مفردات النص :

01 – هذه المقدمة تحيلنا إلى قصيدة أنا الدمشقي لنزار قباني هو روحه دمشق وأنا روحي الأندلس

02 – قرطبة وجيّان مدن أندلسية 03 – البشرات سلسلة جبلية شهيرة بالأندلس

04 – رصافة عبد الرحمان الداخل بضواحي قرطبة

05 – الداخل لقب عبد الرحمان الدخل أو صقر قريش

06 – راح زوجة عبد الرحمان الداخل أول أمراء الفرع الأموي بالأندلس

07 – بابل هاروت وماروت 08 – شلير أو جبل الثلج في جنوب الأندلس

09 – ابن عمّار شاعر أندلسي عاصر ملوك الطوائف

10 – الزهراء المدينة الأميرية قربة قرطبة بناها عبد الرحمان الناصر

11 – جبل العروس يقع بالقرب من قرطبة 12 – نهر شنيل أو نهر الثلج أو نهر غرناطة بالأندلس

13 – أغمات مدينة بالمغرب الأقصى نفي إليه المعتمد بن عباد

14 – سارة القوطية وزوجة عبد العزير بن موسي بن نصير فاتح الأندلس

15 – حي البيازين أشهر حي عتيق بغرناطة 16 – برج قمارش أحد أبراج قصر الحمراء

17- يا حِـبّ بلقيس المقصود هنا الشاعر السوري نزار قباني صاحب رائعة أنا الدمشقي والتي ألهمتني هذا الكلمات

18 – زرياب المغني الأندلسي الشهير

19 – غرد الحمام هنا توظيف للبيتين الأندلسيين الشهيرين

لمّا أسر الماء في أذن الحصى … وقف النسيم ليسمع الأخبارا
فوشى به غرد فخاف فضيحة … فبكى الغمام فأضحك الأنهارا

20– هنا توظيف لمشهد خروج آخر ملوك غرناطة صوب منفاه بالأندرش

21 – هنا إشارة إلى عملية الطرد الجماعي التي تعرض لها الموريسكيون في العام 1609

22 – وادي عبقر الوادي الذي تسكنه شياطين الشعر / الخَـيَّـام عمر الخيام صاحب الرباعيات الشهيرة

23 – الخيرالدا البرج الشهير الذي بناه الموحدون في اشبيلية

24 و 25 – هنا المقصود هو الدرب الذي سار فيه المسيح حاملا صليبه صوب موضع صلبه والذي يسمى بدرب الآلام وكذلك درب خروجنا من الأندلس

26 – عائشة الحرة آخر سلطانة للأندلس وأم آخر ملوكها أبو عبد الله التشيكو

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق