ثقافة السرد

حديث المقهى

سحر حمزة

نفث آخر نفس من  سيجارته ثم تنفس الصعداء بعد طول نقاش مع فتاة تجالسه في المقهى ،ثم تنهد بغصة وألم  ،كأنه يبعثر همومه يريد أن يوزعها على العالم وفي كافة الأرجاء من حوله  ،كانت تجالسه صبية رشيقة شعرها الأشقر الطويل يداعب كتفها متدليا لنصف  ظهرها ،ما أضفى عليها سمة  رائعة الجمال. هي في ربيع العمر بمقتبل العشرين ،تبتسم هنيهة وتصمت هنيهة،وهو يزيدها بعشرة سنوات كان في كل جلسة تجمعهما يعدها بالحب الوفي، والآمان  والإستقرار، ويخبرها عن ظروفه الصعبة والتحديات التي تواجهه بحياته، وعن زوجته الاولى وخلافه معها، واولادهما، ومتطلباتها واحتياجاتها التي تثقل كاهله.. ويبرر لها كل يوم سبب تأخره في التقدم لخطبتها، وفي كل يوم يراقبها ويلاحقها في موقع عملها ،ويحاسبها على طريقة لباسها وأثوابها وشكل تسريحة شعرها بحجة أنه يغار عليها ،ويحبها وهي تناقشه بحدة وتؤكد له أنه لا يوجد سلطة له عليها ،هي مازالت حرة طليقة غير مرتبطة به رسميا ،سوى أنها خلوقة وتعرف الإرتباط بين أثنين بنيا علاقتهما على حب وصدق وشفافية في التعاون وتعاهدا على الوفاء والإخلاص،بقيت تناقشه في موضوع لقاءاتهما شبه اليومية في المقهى المجاور لربوة الزهور على ناصية شارع الروابي ،كانت تؤكد له ثقتها به ولقاءها به في المقهى تعتبره جزءاً من إرتباط أدبي وتوثيق لعلاقتهما التي بنيت على الصدق والمصارحة.

تواصلت اللقاءات وتشعبت أحاديث المقهى ما بين تخطيط لمستقبل وتنفيذ لمشاريع وتأسيس لعمل يزيد من دخلهما،وبين غزل وتعبير عن الأشواق والأمنيات أن يجمعهما بيت صغير ،وكان يهدئها ،و يقول لها دوماً :”أنا لدي قطعة أرض سوف أبيعها وأعطي زوجتي الأولى حقوقها كاملة وأطلقها بالثلاثة وأعيد السيارة التي أخذتها بدل مؤخر صداق لها حين طلقتها ذات مرة إثر نزاع ونقاش حاد، ولكن تدخل الأهل ،جعلني أعيدها لعصمتي من أجل أولادي ،اطفال لا ذنب لهم سوى أن التفاهم لا يجمعنا ولا حتى الحب ،فما ذنبهم ولدان وبنت أن يعيشوا حالة الصراع بيننا، وأن يبقوا مشردين مشتتين بين اهلي وأهلها” ،ويضيف :” أعلم أنه لا ذنب لك بهذا لكن حبي لك يجعلني أوضح وأبرر وما عليك إلا الصبر ،فتجيب بهدوء  هل تعلم أن  أمي وأبي يريدان أن يزوجاني  من ابن عمي، وأنا أرفضه ،لا أحبه ، وفي كل يوم يأتي عريس لبيتنا لطلب يدي ، وأنا أرفض وبشدة ، ولكن إلى متى بالله عليك؟؟ أخبرني؟ ،فيعود  هو للتوسل لها ويردد كلمات حب وعشق جارف على مسامعها  ،أنا والله  أموت بدونك  أحبك ،وأنت تعلمين بأنك  حياتي وهوائي الذي أتنفسه ،في هذه اللحظات يعود الصمت ليخيم عليهما  ،هي تتنهد وهو يتاملها كعاشق ولهان ،فتواصل مشوارها معه لغنها تحبه بصدق.

ذات يوم إستيقظت فزعة على حلم مزعج ،وعلى غير عادتها،أسرعت نحو أمها والقت عليها تحية الصباح ،وفي عينيها عشرات الكلمات ،ردت أمها التحية ،ثم صمتت لإن إحساسها أكد لها بأن أبنتها ستخبرها شيئا ما ،وفعلاً هي لحظات حتى قررت أن تتكلم  بأمر كأنه حقها في صنع قرارها  ، وفي داخلها تصميم على إنهاء مشوارها معه ، كل يوم إلى المقهى ،ملت لحظات الإنتظار عند ناصية الشارع كي يدخلا سوية و تجلس معه بالمقهى كمخطوبين دون شكوك قد تثار من حولهما  قررت ،أن لا تنتظره كي يردد على مسامعها  إسطوانته المتكررة ،حزمت أمرها وقالت بنفسها سأخبر أمي أني موافقه على ماجد أبن عمي ،وسأطلب   منها أن تدعو  بيت عمي للحضور مساء لشرب القهوة،للموافقة على طلبهم بخطبتها لإبنهم،قالت لنفسها ، سأوافق على أبن عمي ،وأردفت آه لقد تعبت مللت كفى من حقي أن أتزوج مثل غيري وأن أنجب أطفالاً ،وأكون أما ،ولي  أسرة خاصة بي  ،وقبل أن تخرج من المنزل قالت لأمها وهي  حازمة  أمرها،ماما سوف أذعن لك ولأبي سأتزوج ، وأضافت  بصوت الواثق ماما مساء اليوم أطلبي من بيت عمي الحضور هنا ،ووهي لهم دعوة،  لمشاركتنا شرب القهوة سوية ،هللت الأم وفرحت وأخيرا يا حبيبتي سأفرح بك ،و اليوم بإذن الله سوف  نقرأ الفاتحة وهي أقصى أمنياتهم ، والشهر المقبل سيتم الزواج بحسب ما قال عمك في حال  موافقتك  ،وقالت ها أنا جاهزة ، فقالت الأم  آراك موافقة يا حبيبتي مبرووك  هل أزغرد وأهلل ،قالت الفتاة :”حسنا يا أمي جهزي نفسك وأنا كذلك ،و سأذهب  مبكرة اليوم مبكرة للعمل ، لأستأذن  وأعود لك باكرا.

خرجت مسرعة وهي تحدث نفسها ،لقد أعطيته فرصا كثيرة وصبرت ،وقد  مللت الإنتظار ، إلى متى يا الله بقيت تردد ذلك لوحدها إلى أن  وصلت مكتبها والإبتسامة تملأ وجهها المشرق بلون وردي جميل ، ثم أخبرت صديقتها هناء بقرارها ،وأضافت بهمس   اليوم ستكون قراءة الفاتحة لي  لخطبتي من  أبن عمي ،فأجابتها لا لا مستحيل إنك تمزحين قالت:” لا هي الحقيقة “،وأضافت وأحاديث المقهى والحبيب الغالي ؟؟؟!!!فأجابت بثقة مرة أخرى :” لا حبيب ولا قريب لقد أتخذت القرار اليوم  وأنتهي مثل كل حكايا  البنات ممن فشلوا في تجاربهم العاطفية  ،وأنا يجب أن أتزوج ،فتركتها صديقتها من وقع  المفاجئة عليها والدهشة تملأ وجهها ، ثم ذهبت كل منهما في طريق كي تتابعا  شؤونهما .

ما هي إلا ساعات وأنتهى موعد العمل وحان موعد العودة للمنزل ،خرجت من المكتب وكأن لديها جدول أعمال حافل ،وقد قررت إدارة ذاتها بثقة وبعقلانية ،لكن سرعان ما جرتها  قدميها نحو  المقهى الذي تعودت رؤيته فيه ،لكن فجأة توقفت ، وتذكرت قرارها وحدثت نفسها قائلة كم أنا غبية ، يبدو أني نسيت بسرعة ،أو أن طيفه وكلامه يلازمني و هاجس بحياتي يرافقني ويراودني ،وأستطردت لا لا لا  لن أعود عن قراري سأبداً المشوار من جديد , … سأمضي لأبحث عن مستقبلي مع غيره ،وساخمد نيران  عواطفي وليكن ما يكون ،ولم تلتفت  وراءها نحو  المقهى ،ونظرت للأمام بثقة كبيرة وكأنه لم يكن يوما بحياتها أي رجل ونسيت أحاديث المقهى وقصصه المتكررة دون فائدة أو حل لمشاكل الناس والزوار  ممن يرتادونه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق