ثقافة المقال

ياسمينة صالح وأزمة الإرهاب

قلم: ثامر قمري

صاغت الروائية ياسمينة صالح أزمة الإرهاب، لكن بوقعها النفسي الذي يتعمق في الذات الإنسانية من العنوان إلى نهاية المتن السردي، وطن من زجاج هكذا تعنون “ياسمينة صالح” روايتها فيستهويك هذا التركيب اللغوي وتشعر برغبة ملحة في قراءة هذا النص الروائي والبحث بين ثناياه عن سر هذا الغموض، الذي بثته ياسمينة صالح في نفس القارئ حين جعلته يثير جملة من التساؤلات والإشكالات تحرك خياله، وتدعوه للبحث في طاقة الكلمة ودلالاتها، وتزج به في متاهة البحث عن عمق العلاقة بين الوطن والزجاج..


فكيف لنا أن نتصور الوطن بكل مفاهيمه ومعانيه التي لا تكاد تغادر تفكيرنا الذهني، والتي جرت العادة على جعلها تحمل معاني الانتماء والاستقرار، ومكان الوجود الأصلي أن تجتمع مع الزجاج ذلك الشيء المادي الملموس، فأي علاقة تربط بين الوطن والزجاج؟ وما الشيء الذي يجعل الوطن يجتمع في تركيب لغوي واحد مع الزجاج؟ تختصر ذاكرة الجزائر، وتفضح سوداوية وعنف الإرهاب تناولت فيها قضية سياسية شائكة ومعقدة بأسلوب لغوي يعتمد على المكاشفة الصريحة لأنها تمارس فيها الكثير من العناد، والمجابهة، والجرأة في طرح قضية الوطن بلغة تتلبس وتتلون بمشاعر الإنسان وتُشحن بحمولة نفسية تتمازج فيها رهافة الذات الإنسانية وتوهجاتها وتقلباتها الشعورية مع اللغة، التي تستمد جماليتها من كتابة الإنسان، والغوص في عمق الذات اعتمادا على نظامها الذي يتمرد على المعقول والسائد. هي رواية تتوجه فيها ياسمينة صالح بشكل واضح ومباشر إلى سرد حكاية عن وطنها الجزائر، لتكشف عن عمق الأزمة التي عاشها في فترة التسعينيات يوم كان لا صوت يعلو صوت الإرهاب، ولا منطق إلا للاغتيال في أبشع صوره اللإنسانية تعانق الكاتبة جرح أبناء وطنها، وترسم وجع الإنسان وانكساره وحزنه في وطنه، الذي يُفترض أنه ينتمي إليه وارتباطه به قائم على ارتباط شعوري ووجداني متأصل في ذات الإنسان، لكن هذا الشعور سرعان ما يصبح متذبذبا ومضطربا ومشوها، وهذا بفعل الإرهاب الذي لا يدخر أي جهد كي يبذله ويجعل الإنسان يفقد كامل حقوقه في وطنه، ويسعى جاهدا إلى المساس بشعور الإنسان الطبيعي اتجاه الوطن فلا يذهب إلا حينما يخرب هذا الشعور ويترك الإنسان هائما، لا يعرف إن كان يستطيع فعلا أن يشعر بهذا الوطن بعد كل المآسي والآلام التي سببها له الإرهاب..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق