قراءات ودراسات

مثقفو التزييف.. من صناعة الفكر إلى ترويج الوهم الإيديولوجي

بقلم: د. إدريس جنداري*

الثقافة مسؤولية والتزام؛ تكوين فكري ووضوح منهجي؛ انتصار للفكرة في أبعادها الإنسانية و الكونية. لهذا؛ ينتصر المثقف؛ عادة؛ للموضوعية objectivité على حساب الذاتية subjectivité ولذلك؛ لا يصلح المثقف لخدمة تيارات إيديولوجية منغلقة؛ لان رسالته تتجاوز التصنيف الإيديولوجي الضيق. إن هذه الصورة الملتزمة للثقافة هي التي ساهمت في إصدار أول بيان ثقافي في تاريخ الفكر الغربي الحديث؛ حينما أصدر جماعة من المثقفين الفرنسيين ( بيان المثقفين) محتجين على الحكم الصادر في حق الضابط اليهودي فرنسي الجنسية (ألفرد دريفوس) بتهمة الخيانة العظمى، حيث طالبوا العدالة بأن تعيد النظر في القضية، وقد حمل البيان وقتها توقيع أسماء كبيرة مثل: إميل زولا وأناتول فرانس ومارسيل بروست وليون بلوم.

وهذه الصورة الملتزمة للثقافة؛ هي التي دفعت الروائي الفرنسي الكبير (إميل زولا) إلى بعث رسالته الشهيرة إلى الرئيس الفرنسي (فليكس فور) متهما السير غير الطبيعي للعدالة في فرنسا بخصوص نفس القضية؛ وكانت الرسالة حينها تحمل عنوانا قويا يعبر عن قيمة المثقف الملتزم الذي ينتصر للعدالة وللقيم الإنسانية؛ فقد صاح (زولا) بأعلى صوته : إني أتهم .. J’accuse

لقد كانت هذه المرحلة؛ تجسيدا للفكر الأنواري بروحه الإنسانية المنفتحة و بما يحمله ويجسده من قيم العدالة و الإخاء والحرية؛ هذا الفكر الذي جسدته نخبة ثقافية في قمة الرقي الفكري والمنهجي. لكن؛ النموذج الفرنسي نفسه عرف انحرافا خطيرا؛ جعل الكثير من أصوات الالتزام الثقافي تتعالى محذرة من المصير المجهول لفكر الأنوار. و نستحضر في هذا الصدد مفكرا وباحثا سياسيا؛ هو ( باسكال بونيفاس) مدير معهد العلاقات الدولية و الإستراتيجية ( IRIS) هذا المفكر الذي يقدمه (هاشم صالح ) مترجم كتب المفكر محمد أركون من الفرنسية إلى العربية؛ بأنه وريث كبار فلاسفة التنوير في فرنسا أمثال: فولتير؛ ديدرو؛ روسو …

هاشم صالح- باسكال بونيفاس و الفكر المستنير – جريدة الشرق الأوسط- الخميس 1 ماي 2008- ع: 10747 .

لقد امتلك (بونيفاس) شجاعة خارقة حينما أعلن حربا لا هوادة فيها على من يسميهم ب مثقفي التزييف/التزوير les intellectuels faussaires الذين يسيطرون على المشهد الثقافي الفرنسي و يوجهونه لخدمة أجندة سياسوية رخيصة لا علاقة لها بالثقافة حتى في أبخس تجسيدها ! إنهم؛ بتعبير بونيفاس؛ يصنعون عملة ثقافية مزورة .

Pascal boniface – les intellectuels  faussaires- jean Claude Gawsewitch  éditeur- 2011- p :8

إن ربط (بونيفاس) خاصية التزييف و التزوير بالمثقف لا علاقة له بالاعتباطية و لكنه تعبير دقيق عن درجة الانحطاط الذي يمكن أن يصل إليه حارسو القيم والمبادئ الإنسانية السامية؛ وهذا الانحطاط قد يصل أحيانا إلى مستوى خطير جدا؛ و ذلك حينما لا يختلف المثقفون عن مزوري العملات الذين يهددون التوازن الاقتصادي؛ فهم كذلك يزورون القيم والأفكار ويشكلون بذلك خطرا أكبر على التوازن الثقافي والاجتماعي؛ حيث يؤكد بونيفاس أن القطيعة بين المواطن الفرنسي و النخبة الثقافية تزداد بشكل اكبر وهذا خطر على الديمقراطية؛ حيث يشكل مثقفو التزييف عصب الديماغوجية .

IBID – P : 13

في فرنسا؛ قام مثقفو التزييف بدور خطير جدا  في نشر قيم الكراهية و العنصرية بين أفراد الشعب؛ و كانوا بذلك؛ السلم الذي قاد رمز الديماغوجية إلى الحكم؛ ولذلك فقد عاشت فرنسا خلال عهد ساركوزي أسوأ مراحلها؛ وأصبحت الدولة بمؤسساتها تطارد فتاة تضع قماشا على رأسها؛ أو تحرس جزارا يبسمل عند الذبح  … ! بينما تم فسح المجال واسعا لمرتزقة اللوبي الصهيوني ينشرون قيم و أفكار التزييف و التزوير بين الناس؛ وذلك لأن الحدود بين المزيفين و المرتزقة واهية؛ لان الجميع على وعي بأنهم يمثلون النقيض التام للأمانة الفكرية؛ يؤكد بونيفاس بكل الشجاعة الفكرية.

IBID-  P :9

إن حديثنا عن المشهد الثقافي الفرنسي؛ من خلال رأي بونيفاس كمثقف ملتزم؛ ليس هروبا من الواقع الثقافي العربي؛ الذي يعاني أعطابا أخطر بكثير مما صاغه بونيفاس؛ بل هو حديث غير مباشر عن هذا الواقع المختل؛ حيث يختلط الحابل بالنابل وتصبح الصورة مشوهة وأحيانا بشعة .

وهكذا؛ أصبحت الثقافة صناعة إعلامية صرفة لا مجال فيها للتكوين الفكري والوضوح المنهجي و الالتزام الأخلاقي؛ فقد اختلطت القيم وأصبح بإمكان أي (شخص) أن يقدم نفسه مثقفا دينيا يفتي في أمور فقهية عويصة بجرة قلم؛ فيسيء بذلك إلى المعرفة الدينية الأكاديمية التي يمثلها علماء متخصصون في مجال علمي ضيق جدا يقضون السنوات الطوال في مطارحته؛ وقد تتحول معرفة فقهية سطحية بسيطة إلى أحكام قيمة مطلقة؛ غالبا ما تتميز بالسلبية؛ حول الديمقراطية و حقوق الإنسان والعلمانية … و هذه قيم و أفكار مركبة و شامخة تتطلب قدرا عاليا من التكوين الفكري و الوضوح المنهجي و الالتزام الأخلاقي. أما في الجانب المقابل ( فحدث و لا حرج) حيث أصبح بإمكان أي كان أن يقدم نفسه خبيرا في قضايا الحداثة؛ ثقافيا وسياسيا واجتماعيا؛ و بجرة قلم يحكم على تراث حضاري عظيم؛ فقها و فلسفة و فنا … بأنه بضاعة رخيصة؛ بمنطق العصر؛ يجب أن تذهب إلى المتاحف. و لذلك لا يتوانى مثقف التزييف الحداثوي عن الرمي بأحكام القيمة البسيطة و المتهافتة حول قضايا في غاية التركيب؛ قد ترتبط بالمسالة الدينية أو بقضايا اجتماعية و سياسية في غاية التعقيد .

في هذا السياق؛ يدور الحديث؛ اليوم؛ في العالم العربي عن الصراع بين الحداثيين/الليبراليين/العلمانيين و بين المحافظين/السلفيين/ الإسلاميين؛ و قد يذهب البعض بعيدا حينما يعتبر أن الصراع الجاري بين هذه التيارات الإيديولوجية المنغلقة؛ هو صراع بين قيم الحداثة و التقدم من جهة و بين قيم السلفية والرجعية من جهة أخرى ! لكن؛ أخطر ما يخفيه هذا التحليل المتواضع هو كون هذه التيارات لا تجسد هذه القيم بل تكتفي بتوظيف شعارات فضفاضة في إطار سباق انتخابي لكسب الأصوات الشاردة. إن ما يمكن أن يوصف بأنه صراع إيديولوجي في الساحة العربية (..) إنما يعبر عن اختلاف السلطات المرجعية المعرفية التي تمارس هيمنتها على هذه الفئة آو تلك من فئات المثقفين العرب؛ أكثر ما يعبر عن شيء آخر له صلة حقيقية بالواقع العربي أو بالتطلعات الحقيقية للجماهير العربية. وفي هذا الصدد يؤكد الأستاذ الجابري: وإذن فإن مقولة الصراع الإيديولوجي هي ذاتها من المقولات التي يجب إعادة النظر فيها داخل الساحة الفكرية العربية الراهنة. (1)

محمد عابد الجابري- الخطاب العربي المعاصر.. دراسة تحليلية نقدية-مركز دراسات الوحدة العربية – ط: 5- 1994 – ص: 201

إن الصراع الجاري؛ اليوم؛ في العالم العربي؛ في جوهره؛ صراع إيديولوجي فج  فاقد لروح الفكر و القيم إنه؛ بتعبير أوضح؛ صراع بين مثقفي التزييف بمختلف انتماءاتهم الإيديولوجية. فهم يمارسون تزييفا مضاعفا حينما يقدمون أنفسهم ناطقين رسميين باسم منظومات فكرية و قيمية تتجاوز بكثير إطاراتهم الإيديولوجية المنغلقة. فأية ليبرالية و ديمقراطية وفلسفة حقوقية يمكن أن يدعيها مثقف غارق في السلفية العرقية ؟ ألا يوظف هذه المنظومة الفكرية-القيمية فقط لتصفية حساباته الإيديولوجية الخاصة ضد رموز الحضارة العربية الإسلامية ؟ وأي توجه إسلامي محافظ يمكن أن يدعيه رجل دين بسيط لا يمتلك من بضاعة العلم سوى النزر القليل الذي لا يسمن و لا يغني من جوع ؟

وإذا كان التزييف مرتبطا؛ في الغالب؛ بتراجع التكوين الفكري وتضخم الغموض المنهجي و انحطاط الحس الأخلاقي؛ فإن المنتظر من مثقفي التزييف؛ بمختلف اتجاهاتهم الإيديولوجية؛ هو الإساءة إلى الفكر و القيم فتتعرض المنظومات الفكرية على أيديهم إلى مجازر رهيبة يقشعر لها الحس الفكري الرصين؛ حيث يتحول الدين بقوته الروحية الخارقة إلى مسألة إيديولوجية فجة يحسم فيها بجرة كلمة؛ حيث يركب مثقف التزييف رأسه ويطلق العنان للغوه دون حسيب و لا رقيب. و بالمثل تتحول المنظومة الفكرية الحديثة؛ بديمقراطيتها وعلمانيتها وفلسفتها الحقوقية؛ إلى أبجديات بسيطة؛ يحسم فيها مثقف التزييف بفتوى متهافتة يلبسها لباس الدين وهي من الدين براء.

وفي علاقة بمشهدنا الثقافي المغربي؛ وهو حالة خاصة يمكن تعميمها على العالم العربي؛ فإن مثقفي التزييف يمارسون سطوة مطلقة على النقاش العمومي؛ في ظل تراجع الحركة الفكرية الرصينة واتساع رقعة وسائل التواصل الشعبي. وهذا ما أصبح يسيء إلى التراث الفكري المغربي بطابعه العقلاني الأصيل؛ ويمارس تأثيرا سلبيا على المتلقي؛ الذي يجد نفسه في مواجهة قصف إيديولوجي عنيف من جميع الاتجاهات. فبعد أن يخفت القصف الإيديولوجي السلفوي يبدأ القصف الإيديولوجي العلمانوي؛ ويتواصل القصف حتى ينطبق المثل القائل: (جعجعة ولا طحين) .

يطلق مثقف التزييف السلفوي( السلفوي هو الذي يحرف الفكرة التراثية ويخرج بها عن سياقها لخدمة أغراضه الخاصة) العنان لمخيلته المريضة؛ فينبعث القصف على شكل فتاوى رخيصة تسيء للدين بشريعته السمحاء؛ أكثر مما تجيب على إشكاليات اجتماعية وسياسية واقتصادية. و هكذا؛ يزوج الفتاة القاصر عن سن التاسعة عبر تأويل نصي متهافت لحديث نبوي  شريف؛ و ينصح الفتاة قبل الزواج بممارسة الاستمناء بالجزر؛ ويحرم أكل الحلزون بدعوى أن الرسول عليه السلام كان يأكل الجراد ويمتنع عن أكل الحلزون؛ و يبيح معاشرة الزوج لزوجته الميتة؛ و يفتي بقتل المرتد عن الإسلام ضد منطق حرية الاعتقاد التي يحث عليها الدين الإسلامي و تكفلها المواثيق الدولية … ! وعندما نبحث في مصدر هذه الفتاوى المتهافتة؛ نجدها صادرة عن مثقف التزييف الديني الذي لا يهتم بمنهجية العلوم الشرعية؛ كما جسدها الاجتهاد الفقهي في بعده الأصولي العقلاني؛ ولكنه يهتم أكثر بنجوميته كفاعل اجتماعي وسياسي ليس له من العلم سوى جبة المشيخة. ولذلك؛ نجد أكثر مثقفي التزييف الديني يستثمرون بضاعتهم الرخيصة في الحصول على موطئ قدم حزبي يؤمن لهم مصدر رزق؛ ولا يهمهم أن يكون مصدرا ريعيا لا يبذلون فيه أي مجهود يذكر .

أما مثقف التزييف العلمانوي ( من العلمانوية laïcisme باعتبارها تحريفا إيديولوجيا للعلمانيةlaïcité ) فهو يوظف المرجعية الفكرية الحديثة توظيفا إيديولوجيا فجا لا يستقيم مع مبادئها الخالدة التي أسسها رواد الفكر الحديث. إنه يمارس هوايته الدونكشوطية وهو يلوح بسيفه الخشبي محاربا الطواحين الهوائية؛ يرمي بفتاواه المتهافتة يمنة و يسرة على شاكلة مثقف التزييف الديني تماما؛ و ذلك لأن المجال المفضل لمثقفي التزييف العلمانوي دائما هو الحقل الديني؛ حيث يصولون ويجولون بلا رقيب متجاوزين كل حدود المنطق السليم؛ فهم لا يتحملون عبء البحث المضني في المتون الفكرية لعلم الاجتماع الديني وعلم الأديان المقارن و علم النفس التحليلي؛ هذه العلوم الحديثة التي انشغلت بالمسألة الدينية وحللتها من زوايا متعددة؛ وساهمت بذلك في إنهاء مرحلة النقاش الإيديولوجي الذي هيمن خلال مرحلة سيادة الفلسفة الوضعانية positivisme و ما زكاه من هيمنة الفكر الشيوعي في صيغته المذهبية.

إن ما لا يعيه مثقف التزييف العلمانوي؛ هو أن المسألة الدينية التي يصدر حولها الفتاوى المتهافتة؛ هي في غاية التعقيد والتركيب و لا يمكن مقاربتها من منطلق صحفي تحقيقي أو من منطلق إيديولوجي مذهبي؛ ويرتبط هذا التعقيد و التركيب بتعقيد البنية النفسية للفرد والبنية الاجتماعية للجماعة. ولهذا؛ نجد (كارل يونغ) يوظف آليات علم النفس التحليلي حينما يعتبر أن الدين محدد أساسي لبنية اللاشعور الجمعي l’inconscient collectif هذه البنية التي تتجاوز المستوى الفردي (كما حضر مع فرويد مثلا) إلى مستوى أعمق بكثير يرتبط بالتاريخ الجمعي للنفس الإنسانية.  و من نفس المنظور العلمي؛ فقد وظف (ماكس فيبر) السوسيولوجيا لدراسة و تحليل المسالة الدينية؛ وهو الذي صاغ مفهوم العقلنة الدينية (la rationalisation religieuse ) دلالة على أن الدين كان قوة دافعة للخروج بالإنسان من مرحلة السحر؛ إلى مرحلة أصبح خلالها الإنسان راشدا؛ يوظف قواه العقلية لإدراك العالم من حوله؛ بينما كانت قوى سحرية تقوم بهذه الوظيفة من قبل؛ و للدلالة على هذه الحالة الجديدة يستعمل (فيبر) مصطلح le désenchantement du monde الذي يحيل على معنى  انتزاع السحر عن العالم .

لا يتحمل مثقف التزييف عناء العودة إلى هذه المرجعيات العلمية؛ لأنه يستسهل الخوض في جميع المواضيع بدافع وهم الإلمام الشامل بجميع المعارف؛ وهذه مأساة الإيديولوجية التي تجعل فاعل التزييف الثقافي يمارس (التفكير) كاستجابة لحالة نفسية؛ تدفعه إلى تصفية الحسابات الشخصية مع المجموعات الاجتماعية المخالفة لرأيه. إن مهمته إيديولوجية تكتفي بتوظيف الأفكار كشعارات؛ وليست مهمة فكرية تستند إلى معايير البحث العلمي؛ وهذا ما يهدد النقاش العمومي بالانحراف إلى صراعات إيديولوجية جوفاء؛ توظف فيها جميع الأسلحة الرمزية الفتاكة؛ التي تبدأ بالتكفير و التخوين و لا تنتهي بإلصاق تهم الإرهاب والانغلاق و التشدد؛ وهي أسلحة تقوم بوظيفة القتل الرمزي؛ وقد يتطور الصراع أحيانا ويتم اللجوء إلى الأسلحة المادية عبر ممارسة القتل المادي؛ الذي يقوم بوظيفة إخراس الصوت المعارض للأبد !

وهذا؛ ليس البتة مشهدا تخييليا بل هو المنطق الذي يوجه النقاش العمومي؛ في العلم العربي؛ منذ مرحلة الصراع الشيوعي-الإسلامي و إلى حدود اليوم في سياق ما يسمى بالصراع الإسلامي-العلماني؛ وخلال المرحلتين معا كان يفشل الفكر؛ عادة؛ عن فهم الواقع لأنه غير مسلح بالمعرفة الفكرية والتأطير المنهجي و الالتزام الأخلاقي؛ بينما ينتصر الجسد في حسم الاختلاف بطرق بدائية جدا تعتمد العنف المادي لحسم النقاش العمومي لصالح من يصرخ ويضرب ويقتل … أكثر ! وفي أكثر الحالات شيوعا؛ نجد مثقف التزييف هو الذي يقود هذه الحروب الدونكشوطية؛ حيث يوظف الشعارات الإيديولوجية لتجييش الرأي العام ضد الرأي المخالف؛ مستندا في ذلك إلى مسلمات عامة قد ترتبط بالدين أو بالمصالح العليا للوطن أو بدعوى التقدم والانفتاح في مقابل التخلف و الانغلاق …  وهي مسلمات عاطفية ترتبط ب سيكولوجيا الجماعة أكثر مما هي حقائق علمية أو فكرية ترتبط بالبحث العلمي.

إننا ونحن نتناول مسألة التزييف الثقافي في العالم العربي؛ لا تهمنا نوعية الخطاب؛ في صيغته الإيديولوجية؛ بل إن ما يتخذ  أهمية أكبر هي آليات التفكير؛ من منظور ابستملوجي؛ وهي آليات موحدة بين مثقفي التزييف بجميع اتجاهاتهم الإيديولوجية. إن ما يوحدهم هو الاستناد إلى البريكولاج الثقافي عبر ممارسة ترقيع الأفكار بعد انتزاعها من سياقها الثقافي و فصلها عن إطارها المرجعي؛ بحيث تصبح طيعة و قابلة للتوظيف الإيديولوجي. ولذلك؛ يمكن لمثقفي التزييف أن يزوروا الحقائق التاريخية؛ كما يمكنهم أن يؤولوا الأفكار على هواهم؛ و هم في الغالب لا يولون أي اهتمام للآلة المنهجية؛ لان (الأفكار) تتداعى عليهم بالسجية؛ بحيث يمكن لأي اكتشاف فكري (خطير)  أن يداهم مثقف التزييف وهو يلقي (خطبة عصماء) أو يساهم في نقاش إيديولوجي … هكذا؛ من دون بحث أو تفكير أو تأطير منهجي !!!

* كاتب و باحث أكاديمي مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق