ثقافة السرد

أمل

 جلسَتْ على كرسيِّ أمامي تقُص عليَّ ما رأتْه في منامها. كانتْ تُؤرجح رجليْها الى الأمام تارة، والى الخلف تارة أخرى، وقد اتجهتْ بنظرها نحو نافذة الغرفة ذات الستائر التي تسمح لجزء لا بأس به من أشعة شمس نيسان الدافئة، بأن تتسلل الى داخل الغرفة فتزيدها ضوءا وحرارة. لم تكن الغرفة بحاجة للضوء أصلا؛ فالضوء المنبعث من مصابيحها، من نوع الفلوريسنت كان كافيا؛ ولم تكن كذلك بحاجة الى الحرارة؛ إذ كان يكفي الاستماع لبوحِ أمل، حتى يشعر مَن يسمعه بنار تستعر في داخله فتأتي على عظمه قبل لحمه، وتحرق أعصابه، فروحه. يا إلهي! كيف لطفلة بهيئة الملاك أن تعيش مناماتٍ كهذه؟ كيف للبراءة أن تغشاها كوابيس مزعجة فتسلبها لونها الوردي؟

أمل؛ التي أرسلت بها معلمتها منى إليَّ لتقص عليَّ كابوسا كانت قد رأته في منامها وقد أخبرته لمعلمتها منى، هي طفلة في الصف الثاني، تجاوزت ربيعها السابع ببضع شهور. أمل؛ طفلة تفيض البراءة من روحها وتتمتع بجمالٍ خلاّب؛ يسحرك عسل عينيها، ويبعث في نفسك الراحة والهدوء ياسمين خديها. لقد لفت انتباهي وأنا استمع لحديثها، شريطٌ أزرق اللون يلم خصلات شعرها الذهبية ويكوّن منها ضفيرة جميلة تنسدل على ظهرها بحنو افتقدته في حياتها التي ما زالت تدرج سلالمها الأولى.

عندما كانت أمل في الصف الأول، لم يكن بالإمكان أن تمر جلسة الهيئة التدريسية الدورية دون أن يكون اسمها حاضرا على طاولة النقاش؛ فقد كانت تأتي به مربية صفها ويعينها على ذلك بعض المعلمات اللاتي يعلِّمن أمل. كان التذمر من سلوكيات أمل مسيطرا على حديث مربيتها؛ وكانت شكواها والتصريح بعجزها وعدم جدوى الطرق التي اتبعتها في التعامل مع أمل، كفيلٌ لأن يتضامن معظم الموجودين معها ومع معاناتها في غياب تجاوب الأهل معها.

يا الهي! كم ظُلمتْ أمل! كيف لطفلة بعمر الورد تجلس الآن أمامي، وتقص عليَّ منامها بعباراتٍ مفهومةٍ لنا، نحن الكبار، وغير مفهومةٍ لملاكٍ مثلها؛ كيف لها أن تحتمل كل هذه المعاناة دون أن يكون لجانبها معين او نصير؟

عندما أصبحت أمل في الصف الثاني، اهتمت مربية صفها، منى، أن تصحبها معها الى غرفة المكتبة في حصة المكوث*خاصتها، بحيث كانت تعطيها في كل مرة حرية اختيار قصة من رفوف المكتبة لتقرأها لها، ثم تدير معها نقاشا حولها. ولم تمر بضعة أشهر، حتى شعرت المربية منى أنها أصبحت أكثر قربا من تلميذتها، وأنها قد استطاعت أن تبني معها علاقة ثقة؛ فأدى ذلك الى أن تشعر أمل بارتياح لمربيتها والى الحديث معها.

وفي يومٍ من أيام نيسان المشمسة، دخلت المربية منى غرفتي وكان دوام اليوم قد قارب على الانتهاء، وقد بدت مضطربة، مخطوف لون وجهها، وفي صوتها مرارة، ولربما غضب كذلك، يشعر بهما المستمع لحديثها وهي تتكلم يجملٍ غير مترابطة.

سمعت من منى، وفهمت بعد أن جمّعتُ جملها المبعثرة، أنها ومنذ مدة تزيد عن الشهر، تشك بأن تلميذتها “أمل” تتعرض لسوءٍ؛ وقد تكشَّف لها ذلك من خلال الأحاديث التي كانت تدور بينها وبين أمل، وبالذات عند مناقشة القصص معها أو ترك الحرية لها لتعبِّر عما قرأته بالرسم والألوان. كذلك؛ من مراقبتها لسلوكيات أمل في الكثير من المواقف والأحداث. لكن منى، كما قالت، لم ترغب بالتحدث عن شكوكها هذه الا بعد أن تتيقن مَن هو الشيطان. وها هي اليوم، قد ثبتت شكوكها باليقين، بعد ان زارت بيت أمل وبعد الذي أخبرتها إياه أمل.

لقد طلبت مني المعلمة منى أن أتدخل لأتخذ الإجراءات اللازمة، وأن أشاركها المسؤولية؛ فهي غير مستعدة لأن تتحمل المسؤولية وحدها، كما قالت لي، ولا ان تتحالف مع الشيطان ضد أمل .لكنها طلبت أيضا أن ترسل لي أمل لأسمعها تتحدث عن كابوسها الليلة الفائتة.

لقد وصفت أمل، وهي تحكي لي ما رأته في وسنها، ماردا استباح جسمها واغتصب براءتها وقتل طفولتها، في الوقت الذي كان يُفترض من ابن عمها الذي يكبرها بخمسة عشرة سنة أن يحميها، ويدفع عنها كل خطر قد يحيق بها، لا أن يزورها في نومها، كلما سنحت له الفرصة ليغتال براءتها، ويقتل طفولتها.

 

*من المجموعة القصصية، لا تحالف مع الشيطان، للكاتبة جميلة شحادة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق