ثقافة المقال

الكتابة هدم… كيف يموت المؤلف.؟ مع رولان بارت (1)

 تأملات يكتبها: حبيب مونسي*
 
(الكتابة هدم لكل صوت، ولكل أصل. فالكتابة هي هذا الحياد، وهذا المركب، وهذا الانحراف الذي تهرب فيه ذواتنا. الكتابة هي السواد والبياض، الذي تتيه فيه كل هوية، بدءا بهوية الجسد الذي يكتب. لقد كان ذلك كذلك دائما من غير ريب.) حينما يقرأ العربي مثل هذا القول الذي وضعه صاحبه تحت عنوان كتاب له (نقد وحقيقة) يقف في حيرة وريبة. فهو أمام علم من أعلام النقد الحديث، وناطق باسم الحداثة يدرك جيدا ما يقول وما يكتب. وهو في المقابل أمام فعل الكتابة الذي يعلم أنه لا يتأتى لأحد من الناس إلا عن طريق التراكم المعرفي الذي حصّل عليه من خلال معاشرته للنصوص وحفظها وتدارسها.. فكيف تكون الكتابة هدما؟ هل عليه إذا أراد أن يكون مبدعا أن يهدم ما أنجزه السابقون ليفسح لنفسه مجالا يصب فيه كتابته؟ وهل ينتظر من آت بعده أن يكنس الأرض من تحت قدميه لينشئ كتابته هو الآخر؟.وهل عليه أن يُسكتَ كل الأصوات التي سبقته ويمحو أثرها من نفسه -على الأقل- ليسمع صوت نفسه في خلوته؟ ثم لماذا هذه الكلمة القوية كلمة “الهدم”؟ هل ما أسسه غيره لا يستحق من تقدير سوى هذا الصنيع العنيف الذي يدك ما شُيّد وما بُني من قبل حتى وإن اعترف له الذوق في زمن معين بالجودة والإفادة؟. قد نتجاوز هذا الأمر قليلا ونَقبل بأمر الإبداع أنه مزاحمة للكائن الموجود، ولكن كيف نقبل أن الهدم سيطال الأصول كذلك؟ ونحن ندرك أن الفنون لن تقوم لها قائمة تجنيسية إلا من خلال هذه الأصول حتى وإن ابتعدت عنها أو استدبرتها في أعمالها التجريبة؟ ف (كل) تعني الاستغراق والشمول.. فليس في أذهان هؤلاء ما يتركونه قائما شاهدا، بل في أذهانهم ما يشبه الخراب والأرض المحروقة.. ثم لا نعرف كيف سيكون هذا الفعل حياديا؟ وتجاه من سيكون كذلك؟ وقد أُعلن الهدم في جميع الآتجاهات وفي جميع الأصول؟

*(رولان بارت- نقد وحقيقة- موت المؤلف- ت. منذر عياشي- ص: 15-16- مركز الإنماء الحضاري 1994.)

بأي منطق يفكر رولان بارت؟
 
يتحدث بارت عن المؤلف فيقول: إنه (يقف مع كتابه موقف الأب من طفله، فهو سابق عليه وجودا) وكأنه بذلك يسجل ما يعرفه الناس من علاقة الكاتب بما كتب، غير أنه يريدنا أن نهدم هذا الاعتقاد هدما كليا، لأننا كنا واهمين طيلة عصور مضت في تصديق هذه العلاقة، وأنها مجرد خرافة. فيقول: (عير أن الأمر على عكس من هذا بالنسبة إلى الناسخ الحديث) وهنا يعمد الساحر إلى شيء من سحره، فيدفع بين أيدينا بلفظة “ناسخ” ليضعها بدل كلمة كاتب فيبدأ الارتياب يحدث فينا أثره. وكأن الكاتب الذي كنا نعرف صفاته، وآثاره، قد انتهى واندثر من الوجود. فالذي بين أيدينا اليوم “ناسخ حديث” ويتخطى بارت عمدا سبب تسميته بالناسخ وأن هذا الجديد كائن (يلد في الوقت الذي يلد فيه نصه ) (كذا في النص ولعلها يولد) علة هذا الميلاد المتزامن بين النص وناسخه، عند بارت: (أن النص لا ينطوي، ولا بأي شكل كان، على كائن سابق أو لاحق على كتابته. .. ولا وجود لزمن آخر غير زمن التعبير.) هكذا يصير القبل والبعد في عملية الكتابة معدوما أو عدما، فلا وجود لفعل مادي أو معنوي يقع فيه. بل يخبرنا الساحر أن: (كل نص هو نص مكتوب بشكل أبدي “هنا” و”الآن” ) وكأن فعل الكتابة طفرة تخترق الزمن لنسجل أثرا في لحظة معينة، ثم يعود العدم بعدها لسيدل ستاره على المجال كله. ولا ينسى بارت أن يُكذِّب من سبقه، ويسفه اعتقاده، ويشكك في سلامة فهمه، في مسألة الكتابة فيضيف قائلا: ( لم يعد في مقدور الكتابة أن تدل على عملية تسجيل، وإثبات، وتمثيل، ورسم ” كما كان يقول الكلاسكيون.”) وهذا لعمري منتهى التهريج النقدي الحداثي ومنتهى السخرية بعقول الناس والأجيال.

*(رولان بارت- نقد وحقيقة- موت المؤلف- ت. منذر عياشي- ص: 20- مركز الإنماء الحضاري 1994.)
يتبع..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق