ثقافة السرد

حكاية صديقين..

*أسامة طبش

هاتفه الخلوي يرن، تفاجأ برؤية رقم صديقه، لم يكن يتوقع اتصاله، فلم يمض على لقائهما إلا سويعات قليلة، بدأت دقّات قلبه تتسارع.

_ هل لك أن تأتي فورا، أنا بالمستشفى الكبير.

_ هل من أمر ما ..؟

انقطع الخط، ركب سيارته على الفور، ثم توجه إلى  المستشفى، قد علم أن  خطبا ما  حل بصديقه، كان في طريقه إلى مسقط رأسه بمدينتة المجاورة، شكى له من بعض الإرهاق الذي عاناه، وهو يقضى جلّ الليل يضبط حسابات الشركة التي يعمل بها، لكنّ نداء الواجب كان يلحّ عليه، لعيادة أحد أقربائه الذي كان في حالة حرجة، يصارع مرضه العضال.

عندما وصل، وجده في حال يرثى له، بدأ مباشرة في بثّ شكواه وهمومه، كان الحادث أليما جدا، قصّ عليه كيف فلت منه مقود السيارة، وهو في أحد المنعرجات الخطيرة في الطريق في أعلى الجبل، قد شهد الموت  بعينيه، لولا لطف الله، لكان الآن في عداد الموتى.

أراد أن ينفس عن نفسه، المصاب الذي حلّ به كان كبيرا، نجى من عائلته الصغيرة ابنه وابنته، أما زوجته فلقد فارقت الحياة، كان المشهد مهيبا في المستشفى، يسأل عنها دقيقة بدقيقة، الأطباء هذا داخل وهذا خارج، يبذلون قصار جهدهم لإنقاذ حياتها، ثم دقّت ساعة الحسم، الطبيب المشرف يخرج:

_ كيف حالها يا دكتور؟

_ عظّم الله أجركم، لم نستطع فعل شيء.

بقدر ما كان وقع الكلمات  قاسيا على قلبه،  بقدر ما تمالك نفسه  وسلّم أمره لخالقه، حمد الله تعالى بعدما استرجع، قد أحاطته العناية الإلهية بسكينتها، فبدأت الدموع الساخنة تنهمر على وجنتيه، لتغسل روحه.

تعلم درسا قاسيا، الموت يأتي بغتة، غفل عن تلك الحقيقة، لطالما كان يخطط لمشاريعه: اقتناء بيت كبير، تحسين ظروفه المعيشية، ضمان مستقبل أبنائه..، في لحظة واحدة انقشعت وتبدّدت كل تلك الأحلام، أصبح همه الوحيد كيف ينقذ حياة زوجته، كيف يحافظ على عشّه الصغير، لكن سبقت المنيّة إلى روحها، وصعدت الروح إلى بارئها، هو الآن يواجه الموقف.

في تلك الأثناء، أدرك قيمة علاقته الإنسانية: ” الصداقة”، نعم، كان رفيق عمره بجانبه يواسيه، يعينه على الصبر والتجلّد، لم يتصل به إلا لأنه في أمس الحاجة إليه، قد هوّن من مصابه وهو يطبطب عليه، وسط كل تلك الآلام والأحزان، أول من خطر بباله صديقه، قبل حتى أقرب أقربائه، كان بمثابة الأخ الذي لم تلده أمه، فأخواته البنات كنّ كل ما يملكه في هذه الدنيا.

قصّته المختصرة، بّينت له كم هي غريبة هذه الحياة، بأفراحها وبأتراحها، أدرك الحقائق على مرارتها، يحاول لملمة شمله، يحاول استعاد دماء الصّبر في عروقه، قد غيرت الحادثة من نظرته، أدرك معانٍ كانت خافية عليه،  كم كانت سطحيته مُطبقة على عقله وقلبه، قد أُجبر على معايشة اختبار صعب.

مشاعر نبيلة اكتنفت أعزّ صديقين، اجتمعا على خير وعزما على أن تستمر علاقتهما دوما في ظلّه، إنّ الوفاء والإخلاص لن يتأتّى إلا بالصّدق، والصّدق شعاع نور، يخترق لجّة الألم.

كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق