قراءات ودراسات

معزوفة الغربة والترحال النزوح وأمل العودة

(قراءة فى رواية الحب والخبز ) لآسيا عبد الهادى

د. شعبان عبد الحكيم محمد

-1-
آسيا (خولة) عبد الهادى كاتبة فلسطينية ملتزمة فى كتاباتها الروائية بقضية وطنها وقضايا الإنسان العربى فى تلك الفترة الزمنية ، وقد كتبت مجموعة روايات منها : الحب والخبز، سنوات الموت ،غرب المحيط ، سعدية ، بكاء المشانق ، دولة الكلاب العظمى ، وحكايات المطر ، والشتاء المرير..إلخ .
رواية الحب والخبز ( ط .1. المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت عام 2006م ) تشكل أحداثها جزءًا كبيرًا من الواقع الفلسطينى الأليم ، الذى عاشته معظم الأسر الفلسطينية ما بين عامى 1948 : 1967 (ص3) هذا هو الزمن الخارجى لأسرة تضطر اضطرارًا إلى النزوح وتركت قريتهم الجميلة ” سلمة ” ولعل فى اسم هذه القرية إشارة إلى نوايا أهلها نبذ الحرب وحب السلام ، على النقيض من العدو الذى يجرى فى دمه الحرب والدمار والخراب واستعمار أرض غيره ، ترحل الأسرة المكونة ذاك الوقت (عام 1950م ) من خمسة أفراد : الأب ( سعيد ) والأم ( رسمية ) والأبناء فرح ونعمة ونادية وأسماء ومنذر ، مع توالى الأيام ترزق هذه الأسرة بثلاثة بنين (ماهر وسامى ومهند ) رحلة شاقة مؤلمة ومدمرة لأسرة كانت تعيش فى رغد فى بيت جميل يشعرك بالأمان ، فى ربوع وطن رتعوا فى ظلاله الحب والأمن والاستقرار ، وما بين عشية وضحاها أصبحوا لاجئين ( وما أقسى هذا اللقب ! ) وجاء العنوان (كعتبة أولى ) معبرًا عن المأساة التى عاشتها أسرة سعيد ، نسجتها الكاتبة فى ثلاثمائة صفحة ، لرحلة عمرها سبع عشرة عامًا من الشقاء والحاجة والعوز ، فالعنوان يظهر لنا مفارقة مدهشة ، الحب ( حب الوطن الذى انغرس فى نفوس الأسرة بصورة هستيرية ) والخبز الذى أصبح حلمًا فى رحلة العوز والانسحاق ، ليكون ثمن حب الوطن والحنين إليه الفقر والعدم ، حب الوطن استحوذ على قلب سعيد فنذر حياته للنضال عنه ، أصاب العدو إصابات موجعة ، ولكن وجود الخونة ( نموذج لهم فى الرواية أبو العرنك أدخله السجن غير مرة انتهت بطرده من بلده قرة عين ) وظلت رسمية ( زوجته ) تردد اسم الوطن ،ليل نهار ، وصارت لازمة “عائدون ” على لسانها متيقنة بها فى قلبها كتسبيحة مؤمن وقت السحر والاستغفار ، ورغم ما عانته الأسرة من مشاق مدمرة ظلَّ أمل العودة منغرسًا فى النفوس ، حتى أصغر الأبناء وقرر الأب فى النهاية العودة للنضال …مرددًا ” عائدون …عائدون ” ،وجاءت صورة الغلاف الأمامى العتبة الثانية للنص معبرة عن دلالة النص فى ترسيمة لجرَّة وطنجرة وقطعة عجين تعبيرًا عن الفقر المدقع والعوز المدمر كثمن لحب هذا الوطن ، هذا ما دفعته الأسرة ثمنًا لهذا الحب ، وجاء الغلاف الخلفى العتبة الثالثة للرواية امتدادًا للدلالة السابقة حيث جاء على الغلاف مقتبس محزن مؤلم يصور مدى قسوة الحياة التى لاقتها الأسرة فى النزوج ، فبعدما ضاقت أمامهم الدنيا بما رحبت ، فلم يجدوا حتى لقمة فى البيت اضطرت أن تذهب الراوية (أسماء ) وأختها (نعمة ) إلى أم صالح تطلب منها بعض الدقيق ، فلم تتأخر عنهما المرأة وأعطتهما الدقيق ، وحين العودة حدث ما كُتب على الغلاف ” عدت (أنا ) ونعمة أدراجنا بصعوبة ، ويبدو أننا ونحن نسير بين أزقة المخيم كنا فى حماية سقائفه من ملاطمة الريح ،ولكن وما إن وصلنا إلى الشارع العام حتى دخلنا فى ورطة ما بعدها ورطة…طارت البطانية وتمرَّغت بالوحل ، ومن حسن حظنا وقعت على الأرض قريبا منا ،لأن المطر أثقل وزنها ، فأمسكنا بها وعصرناها قليلا ، ولم يعد بإمكاننا أن نحتمى بها ، فحملتها أنا ، بينما حملت أختى نعمة طنجرة الطحين وعدنا للسير ، واشتدت الريح أكثر ، فقذفت بغطاء الطنجرة بعيدًا ، فجريت خلف الغطاء أحاول الإمساك بهن ، ولكن الريح كانت شديدة وسريعة ، مما دفع بالغطاء بعيدًا جدا ، فعدت إلى نعمة وأنا أحمل البطانية المبتلة الملوثة ، وأخذنا نركض حتى نصل بسرعة قبل فوات الأوان ،انهمر المطر داخل الطنجرة ، وتحالف المطر والريح والبرد فأخذت ذرات الطحين تتطاير على ملابسنا ورؤوسنا العارية… وصلنا المغارة مغمسات بالماء والطحين والطين ،لنجد أمنا تنتظر بلهفة ،أمسكت بالطنجرة ونظرت داخلها فشاهدت ” شوربة طحين ” فتوقفت قليلا، ثم قالت :لا بأس سنتدبر الأمر ” الرواية (ص 158) مشهد سينمائى جاهز لتمثيله ، الإنسان والقدر والبيئة والمناخ وجهًا لوجه ، أسرة افتقدت كل شىء حتى الأب الذى تكرر غيابه يزاول طقوس نضاله من أجل العودة لبلاده ، ترك أسرته ضائعة متعبة محتاجة ، حتى إلى الرجل الذى يشعرهم بالدفء والأمان ، امرأة وأربع بنات أطفال يقاومن الجوع والحياة ، والخامس طفل يحتاج إلى رعاية واعتناء ، أسرة تريد أن يكون لها وجود بالعلم والشرف والكرامة والصبر والنضال ، يحتاجون إلى الخبزة ، مع عدم وجود الدقيق ، يحتاجون إلى بيت ، يحتاجون إلى من يرد صولة أبى عرنك المتسلط عليهم فى تردده المستمر ،مستغلًا عدم وجود رجل ، فضرب الأم أكثر من مرة وترك إثر ضربته إصابات وردود ، فانتفخ وجهها ، وترك أثر ضربته فى أسماء الطفلة الضعيفة ، وتبجح فضرب حتى الطفل (منذر ) أسرة تحتاج شيئًا من الطمأنينة والاستقرار ليكون لأبنائها شأن علمى راق ٍ ، مأساة ورحلة مؤلمة لدرجة لا تطاق ، هكذا كانت إرادة أسرة رغم كل العوائق ظلت صامدة رافعة الرأس .والرواية فى مجملها تعالج لنزوح الفلسطينيين مرغمين عن وطنهم ، وما عانوه فى الغربة على أمل العودة ، هذا الأمل الذى لم يفتر ولم يخبُ من النفوس ، فقد “ظلت أمها طول حياتها تتوقع رجوعهما وكانت توقن بتحقق هذا الحلم ” (ص 268) هكذا جاءت الرواية معزوفة مؤلمة لا يجد القارىء سوى الدموع اللإرادية تنساب من عينيه لمأساة يندى لها الجبين ، ويتمزق صوت الراوى فى الإعلاء فى الحديث عن قيمة الوطن ، وضياعه ، فـ ” الإنسان بدون وطن متهم فى كل شىء ، مطعون فى كرامته ، الإنسان بلا وطن تتهك حرمته ،ويضيع شرفه ، وتضيع قوته …لماذا تركنا بلادنا ؟ لنصبح مثل النَوَر كل يوم فى بلد ، وكل يوم فى منزل “( ص 29 ) وما أقسى سماعهم كلمة لاجئين ، وتصور بعضهم لما تعنى هذه الكلمة ، فأسماء تثور حزنًا عندما وصفتها إحدى زميلاتها بهذا اللقب ، وعندما حكت لوالدها كان ردُّ ه مرًّا ومؤلمًا ، ففى طريقها للعودة من المدرسة قالت لها بنت من المدينة ” اللاجئون فى المخيم يعيشون مثل الكلاب ” شكت لأبيها فغضب ، وقال : طبعا نحن كلاب ، نحن اللاجئين كلاب …إننا أتعس من الكلاب ، وإن هناك تشابهًا بيننا وبينهما ، فكلانا شريد بلا وطن ، وكلانا يعيش على فتات الموائد ، وكلانا هدف لرصاص الآخرين ، هو لرصاص رجال البلدية ، ونحن لرصاص أبى عرنك وسادته ،إن الإنسان بلا وطن أتعس من الكلب ،إننا سنحسد الكلاب على حياتها بعد سنوات ، ومن يدرى برصاص من سيقتل الواحد منا تلو الآخر ، سوف يكثر الرصاص ، وسوف نصبح هدفًا لكل المتهودين والعملاء ” (ص 209 ) ومن المؤسف أن تتعدد مشاكلهم المؤلمة فلم تكن معاناة اللاجئين قاصرة على ما يجدونه من أبى عرنك وأزلامه ،أو من ظروف الحياة القاسية ، أو من بيوتهم وخيامهم الرديئة ،أو من الذل بالوقوف طوابير لاستلام المؤن ،أو من الطرق الموحلة غير المعبدة ،أو قلة المياه صيفًا أو من تعسر الأعمال دائما ، بل واجهوا صعوبات كثيرة من أهل المدن التى عسكروا حولها، فكلمات ” بعتم أوطانكم وأرضكم ” شىء طبيعى يسمعها اللاجئون أينما حلوا أو ذهبوا (ص 269) إن كلمة ( بعتم ) مُدية حادة تقطع فى النفوس تقطيعًا وحتى الآن نسمع صداها من الجهلة والخونة الذين لا يعرفون قيمة الوطن ، ولايعرفون قيمة الفلسطينى الأصيل .
-2-
تُروى الأحداث بعين الطفلة الصغيرة (أسماء) التى تصغر فرح ونعمة ، ( وأصبحت شابة فى نهاية الرواية ) والروى على لسان الطفلة له قيمته الفنية ، فيجعل الروى بنفس شفافة بريئة صادقة ، فالطفل أكثر تأثرًا بالوقائع وصدقًا قى رويها والانفعال بها ومعايشتها ، ويتناسب هذا الروى مع التلقائية التى بُنى عليها النص فى الروى كما سنوضح فى الدراسة ، وشفافية الراوى تؤلم القارىء فى التجاوب مع النص والاندماج به لدرجة البكاء ، وبصورة مستمرة لسماعه هذه السيمفونية الحزينة ، تروى الطفلة لسفر وتنقل الأسرة من مكان لآخر ، لا استقرار ، ولا دخل ميسر للأسرة تعيش به ، كما قالت الأم ردًّا على أخيها موسى ” يا موسى كنا فى الماضى فى وطننا وفى أرضنا وفى رزقنا وخيرنا ، أما الآن فنحن لاجئون فقراء ضعفاء لانجد قوت يومنا كما ترى لاجئين امسخمطين ” (ص 39) آه ! وما أقسى كلمة لاجىء على الفلسطينى ! لما يلحق بها من فقد وطن وقبيلة وعائلة ، وعوز مدمر كفيل بنسف حياة صاحبه ، كما قالت الأم ( رسمية ): لاجئون لاجئون وقدرنا الرحيل من الرحيل إلى الرحيل (ص 56 ) لاجئون لا وطن لنا ولا أرض (ص137)
تنقلت الأسرة فى الرواية إلى سبعة أماكن ، وصل بها الأمر السكن فى مغارة ، لتجابه الأسرة الفقر مع غياب الأب للنضال ، فمجيئه كان لفترات محدودة جعلت تواجده هامشيا ، كان أول بيت تركته الأسرة فى ” سلمة ” بيت جميل فى موقعه والأشجار التى تحيط به ، بيت (الوطن ) أغلى بيت فى الوجود ، بعدها تنقلت الأسرة لعدة بيوت ( دون ملكية خاصة لهذه البيوت وكثير منها من كان بالإيجار ) بيت أبى عبد الله ، ثم إلى بيت آخر بلا نوافذ ، ينيرون المصباح الزيتى ليل نهار ، ثم إلى بيت أخيها ابراهيم (أخى رسمية وكانت تقيم معه أختهما زهر ) ، ثم إلى بيت فى المدينة اكتراه لهم سعيد بعد رجوعه من السجن لفترة قصيرة ، سرعان ما غاب ورجعوا إلى السكن فى مغارة ، وبعدها نقلتهم الست لمياء مديرة المدرسة إلى غرفتين بدون حمام قرب المدرسة ، وقرب الطريق العام ، غرفتان بدون حمام ولا مطبخ (ص 236 )
وتنتهى الرواية وهم فى هذا البيت بعد رحيل الأب مرغمًا إلى الكويت ، ولحقت به ابنتاه فرح ونعمة ثم أسماء للعمل هناك ، هذا البيت بنوا له سورًا ، وأدخلوا عليه إصلاحات بعد تحسن أمورهم المادية لعمل فرح فى وزارة الصحية (كممرضة ) وسيظل فى وجدان الأسرة البيت الأول فى فلسطين ( حنينهم لأول منزل ) هذا البيت ستظل ذكراه عطرة ندية ، بيت الدفء والحب والأمان .
تروى الراوية – كما ذكرنا – لأسرة (سعيد )بداية من نزوحها عام 1948 حتى حرب 1967 ، حيث كان أبوها مبعدًا فى الكويت ، ولحقت به فرح ونعمة لتعملا هناك وتزوجتا ،ثم نعمة ، وأصرَّ الأب على الرجوع …لقد لاقت هذه الأسرة الأمريّن فى سكنها غير المناسب ، وأكلها ومعيشتها ، والتعامل مع أُناس لم تعرفهم من قبل ، ورغم توالى الأحداث زمنيًا ( بناء الأحداث بناء هرميًّا) ولكن لا نجد فى النص السيمترية الدقيقة فى البناء (أقصد البناء بصورة دقيقة جافة ) مما يعمل على قتل جماليات الإبداع ، وهذا الروى جاء نتيجة أمرين : الأمر الأول التلقائية الفنية فى السرد ، والأمر الثانى : معايشة الراوية للموقف ، ورصد صداه الداخلى فى نفسها ، وفى نفوس من معها ، وبالتالى كان تأثر المتلقى بهذا الروى ، وبالنسبة للأمر الأول نلاحظ تأثر الكاتبة بشهر زاد فى رويها ، فرغم تمسكها بإطار الأحداث عامة ، ولكن فى الوقت لا يمكن توقع ما يُروى لعدم التشبث بمنطق التسلسل بالصورة السيمترية الرياضية، نقف على نموذج واحد لتوكيد رؤيتنا ، تروى عن معيشتهم فى المغارة ، وبعدها تروى عن اكتشاف أسرة تعيش فى مغارة أخرى ، على بعد حوالى مائة متر منهم ، وذهبن لزيارتهم ، فوجدوهم يتقنون صناعة الحصر ويبيعونه فى المدينة ، وأعجبوا بالسور العالى الذى يحيط المغارة (ص137)
بعدها تروى لوجود ضريح لامرأة صالحة بين عين الماء ومخزن عم إسماعيل ، يقال إن لها أخًا مصريًّا ، جاء وقتل هنا ، وجاء أخوه يبحث عنه فقُتِلَ – أيضا – ولما سمعت الأخت بذلك طلبت أن تدفن بجوارهما ، طار كفنها وجسدها وجاء ليدفن هنا بجوار أخوتها ، فبنى الناس ثلاثة أضرحة لهم ، وسورا …وغزت الحشائش هذا المكان ….بعدها تروى لاشتهائها لنوع من الحلوى ووجدت امرأة تشترى كيلومن هذه الحلوى ، وعندما تذوقت واحدة لم يعجبها فبصقتها … وتسترسل فى تعرية شعورها فى رغبتها لو تأكل ما قذفته المرأة من فمها …بعدها تروى لرفض العم مجاهد لإعطائهم الدقيق ، وهنا تساعدهم خالتهم أم حسين بإحضار باقى الخبزة التى كان يرميها الموسرون ، بحجة أنها تعطيها لأختها لتطعم به الدجاج (ص 140) بعدها تروى لتدهور صحة نادية بسبب سوء التغذية وتوقفها عن المشى أو الوقوف ” تكرسحت ” كما قالت أمها، هذه الطفلة الشقراء التى وجدت كل هذه المآسى ولم تتمتع بطفولتها ، فلا ألعاب ولا عرائس ولا سرير ولا أكل جيد ( ص 142) بعدها تروى لدعوى امرأة لهم لحضور حفل زفاف أخيها وحضرت أمها فى لبسها الجميل ،ووقارها ولبست فوقها الكاب كما لبست الحذاء العالى ، ومنديلا أسود على وجهها ..ولجمالها وأناقتها أعجبت بها كبيرة المغنيات ، وأجلستها بجانبها ، وأخذت تغنى :
الله الله يا جميل ، عينك على الصبايا تميل (ص 144)


وعندما رجعن سألت أمها : كيف تكون الأفراح فى فلسطين ؟
فحكت لهم حكاية زواجها من أبيها … ذهب إلى الشام وأحضر فستان الفرح وكمية كبيرة من الأقمشة الثمينة النادرة ، ثم أحضر لها تاجًا من الماس ، وكمية كبيرة من المصوغات …وذهب إلى مصر وأحضر فرقة فنية ، واستمرت الأفراح ثلاثة أسابيع … بعدها تحكى لهم حكايات جميلة بالليل للمتعة وتزجية الوقت ، منها قصة البقرة الصفراء ، التى تركتها أم لأبنائها قبل موتها ، فأخذت تأتى لهم بالأرز واللحوم والأكل والفاكهة، فلاحظت المرأة أن أجسامهم أقوى من أجسام أولادها من هذا الرجل ، وأرسلت ابنها يتابع الأمر ، فأبلغها بماتفعله البقرة ، تضرب الأرض بقدمها فتخرج الأطباق اللذيذة ، فأصرت على ذبحها، وتكلمت البقرة فقالت لهم : احتفظوا بالجلد والعظم والدماء وادفنوهم ، وبالفعل وعندما فترة ذهب الأطفال وفتحوا الحفرة فوجدوه كنزًا ، وبعدها بنوا بيتا وأصبحوا أغنياء (ص 148) فلا نجد فى هذا الروى الخضوع لمبدأ السببية ، وإن يروى لحياة أسرة ، هذه هى الرابطة بين الأحداث ، ولكن ليست بصورة منطقية جافة ،أقصد تسلسلًا منطقيا للأحداث ، وإن كان هذا لاينفى إحكام بنية النص .
الأمرالثانى لجمال الروى الذى يدهش المتلقى ويشارك الراوى فى النص ، المنولوج الداخلى الذى من خلاله يعكس أثر الحدث على الراوية (أسماء) لتعيشنا هذه المواقف بداية من حزنها على عدم اصطحابهما للكلب والقط معهم فى بداية رحلة النزوح ، ومدى ارتباط الطفلة بهذه الحيوانات الأليفة ، ومنه رويها عن خالها الذى يتاجر فى الملابس القديمة ، وفى يوم من الأيام وزع عليهم ملابس يقيسونها ،أعجبت بحذاء أحمر جاء على مقاسها ، ولكن خالها كان يريد بيعه ليكفلهم ، وهنا تألمت تألما شديدًا ، خالتها زهر تعلمت شغل الإبرة والتطريز والخياطة (ص65) ” استمرت فكرة امتلاك الحذاء تسيطر على تفكيرى ، جلست إلى جواره أحاول إبعاده وإزاحته عن كومة الملابس ، وكم تمنيت لو أقوى على خطفه والهرب به ، ولكن هذه سرقة ، والسرقة عيب ، ثم هذا خالى الذى نسكن فى داره وينفق علينا ، ويبذل الكثير من أجلنا …ترى ماذا لو طلبته …إن أمى ستصفعنى على وجهى ..لأ… لأ بلاش بلاش يا سلام لو أنه يقدمه لى ” (ص66 ) وتتوالى فى السرد عن نفسها معبرة عن ألمها وأملها “أتخيل أبى يدخل الباب ويشاهد الحذاء ، ويعطينى إياه ، وينقط خالى ثمنه ، فأستريح من عنائى ،جاء الليل وصورة الحذاء تسيطر على تماما ، فحلمت أننى ألبسه ثانية … هذا فقط …بل إننى أذهب به إلى المدرسة ، وأن صديقاتى يتحلقن حولى ويسألن عنه ، ومتى اشتريته وكم ثمنه …ورأيت نفسى أحمل حذائى القديم المهترىء ، وألقى به باشمئزاز فى سلة المهملات بينما سعادة غامرة ملأت قلبى وأنا أعدو بالحذاء الأحمر ، وأتمخطر به طيلة حلمى الجميل ،لكن هذا الحلم الوردى لم يكتمل ، فقد جاء صوت أمى يوقظنا – يالله يا بنات حان موعد المدرسة ، فنهضت من نومى أبحث عن الحذاء الأحمر ،لم أجده ، وسألت أمى عنه فردت : هذا ليس لك …لقد ألبسك خالك ليعرف مقاسه فقط ” (ص 67 )
وعندما مرضت أمها مرضًا شديدًا كاد أن ينهى حياتها ، لولا مجىء أختها أم حسين التى أدخلتها المستشفى لقضى نحبها ، تقول ” ” جلسنا نبكى حول أمنا …نشعر بالضياع ورهبة الموت تخيم علينا …بينما أنا قليلة الكلام ،فأهرب من الواقع مرة أخرى إلى خيال أسود حالك ، فأتخيل أمى وقد ماتت ولفوها بالكفن ونقلوها إلى المقبرة ، وأصبحنا أيتامًا …وأتخيل الصغير وقد حرم من أمه …فأحقد عليه تارة ، وأشفق عليه تارة أخرى …ثم أتخيل والدى وقد عاد ووجدنا من غير أم ….يا إلهى ماذا سيفعل وماذا سيقول (ص 69)
وكتعليقها على زيارة سيدات لأمها بعد ولادتها وعمل ” مباركة” أتين متحففات متعطرات ، ولكن يضمرن أشياء فى نفوسهن مبعثه الحقد على المرأة المريضة ، تقول ” فى كل مرة وكلما حضرت واحدة لزيارة أمى أبدأ بالمقارنة بينها وبينهن تلك الجميلة النائمة التائهة فى بحر من الحرمان … تلك الرائعة فى مرضها المنهك ..لماذا لا تكون سعيدة مثلهن ..آه نحن لاجئون …مهاجرون وهن بنات المدينة مش لاجئات مثل أمى (ص 75)
حتى أن إحداهن استخدمت التورية والتعريض بالسؤال عن عدد الأولاد والدخل المحدود الذى يتقاضاه خالهم … وعرَّضت بالسؤال عن عمل زهر ( شو بتشتغلى يا زهر هذه الأيام ؟ وين ؟ (ص 76) وردت عليها زهر لن أخدم أبدا …ولن أخدم أمثالك ..نسيت أننى بنت من وأنت ماذا تكونين ؟! اتضح بعد ذلك أن زوجها تقدم لخطبة زهر ذاتها وتمَّ رفضه … وحتى نهاية الرواية نجد هذا الإيقاع فى الروى ، تتألم على ” فرح ” لتركها المدرسة والالتحاق بوزارة الصحة وتعمل فى مجال التمريض من أجل حاجة الأسرة تضحى بمستقبل علمى ، ربما يحمل فى طياته وثبة علمية راقية ، ولكن من أجل أسرتها تترك كل هذا ، ويؤثر هذا القرار فى حياتها العلمية ، فيتراجع مستواها من المركز الأول إلى المركز الثالث ،وهنا تتأسى الراوية (أسماء ) على ما آل إليه مستوى وحياة فرح ، وتتأملها فى هذا اليوم ” وجه فرح الجميل الحزين الأسمر ، المستدير البرىء النظرات ، والجدولتان اللتان تتدليان على ظهرها ، وهى فى ملابس المدرسة ، تنورة كحلى بشباحات وبلوزة بيضاء ، وأفكر بشعورها وهى هنا لآخر مرة ، وماذا عساها تفعل فى المستشفى بين المرضى ورائحة الأدوية والممرضات (ص 263) وعندما أرسلت إليها المستشفى فى الموعد المحدد ، كان الفراق والوداع ، وما أصعب لحظات توديعها ” وفى تلك الليلة تذكرت كيف كانت فرح ستموت من الجوع ، وعاد إلى منظرها وهى ترقد هامدة بلا حراك فى المغارة ، تكاد أنفاسها تصمت من شدة الجوع …لكم تحسرت على فراق أختها التى كانت بمثابة الأم الصغرى فى العناية بهم ، وفى إدارة البيت مع أمهم ، تغسل الملابس والأوانى ، وتنظف البيت ، تشعل النار لنستحم ، وتخيط الملاحف البيضاء اللامعة بعد غسلها ( ص 265) هكذا كان الروى حتى نهاية الرواية ، تشويقًا ومعايشةً من الراوية ( أسماء ) مما يجعل القارىء يندمج مع الكاتبة فى النص ، ويرتبط به انفعالًا ومشاركة وانتظارًا لمجىء لحظات الفرج والفرحة لهذه الأسرة .
وتنهى الرواية بمعزوفة حزينة مبكية عند سفر فرح وتأملها لحياتها من بعد ، وذكرياتها معها ، ولمّ شمل الأسرة ،التى تبعثرت هذه اللمة بعد ذلك بسفر نعمة ومن قبل الوالد ، ثم جاء موعد سفرها بعد حصولها على شهادة الثانوية ، تقول
– هانحن نعيش ونأكل ونتزوج ، ونتعلم ، ونسافر ونروح ونجىء ، لكن الأمل المحفور داخلنا لم يخب ولم ينطفىء نوره ، كل شىء من أجل العودة (ص 292)
– كل الناس يسافرون ويعودون، ولكن سفرنا طال ولم تعد لنا قدرة على الاحتمال ، هل يعيش الطير بلا عش ، وهل تعيش الأفعى بغير جحر ، هل يعيش النمل بلا سكن ؟ …. لماذا نحن لا أرض لنا ولاعش ولا جحر أيضا (ص 292)
– لماذا هذا الحرمان إلى مالا نهاية ؟ قلوبنا تهفو إليك يا بلادى ، عشنا لاجئين أذلاء حقراء ، لحقنا عار الملاجىء والمخيمات ، هى لعنة ما بعدها لعنة (ص 292)
هكذا تعيشنا الراوية المأساة فى أسى ومرارة ونغم شجى مدمى ، لا وطن يعيشون فى ظلاله ، ولا غربة تريحهم ، مصداقًا لقول الشاعر المهجرى :
لا الرزق فى تربة الأوطان يغنينا ولا توطن أرض الغير يرضينا
-3-
ومن جماليات السرد فى النص والتى جعلت القارىء يندمج ويعايش الكاتبة فى روايتها أن الراوية ترى بعين وتروى بالعين الأخرى ، لتجسد لنا المواقف شاخصة ماثلة أمامنا ، فتعيشنا فى سردها لمرارة حياة اللاجئين ، وتعبر كثيرًا بكلمات ( الذل ، الاحتقار ،أذلاء ،حقراء ) وإن كنت أتحفظ على مثل هذه الكلمات ، فاللاجئون ليسوا كذلك ، وإن عاملهم غيرهم بصورة غير لائقة ،فالعيب ليس فيهم ، ولكن فى المرء الذى لا يقدر قيمة الإنسان ، وفى الرواية عانت أسرة سعيد الكثير والكثير ، ولكنها ظلت مرفوعة الرأس ، عزيزة النفس ، ترفض المذلة والهوان ، وإذا كان فى كل مجتمع من يشذُّ عن المجموع ، فالشاذ لا يُقاس عليه كما يرى النحويون وكما رأينا فى الرواية أبا عرنك ، إننا أمام نص أدبى مدهش ومؤثر بجودة التعبير والصدق الفنى فى الروى ، فالرواية تصور لهذا الواقع الفلسطينى المرير ، فى صورة للمجتمع عامة ، مع تكثيف تواجد الكاميرا فى التقاط المشاهد على أسرة سعيد كنموذج للاجئين ، لنرى الفقر المدقع رؤى العيان ، والمعاناة الإنسانية فى أصعب مواقفها وصورها ، وتكشف الرواية للمفارقة بين حياة هؤلاء فى بيوتهم وأرضهم قبل النزوح ،وحياتهم بعد النزوح ، فكان الجد يمتلك أرضًا واسعة من بيارات البرتقال والحمضيات وحقولًا واسعة من الخضروات فى بلدته ، بعدها أخذوا ينتقلون من بيت لآخر ، منها بيت عبارة عن غرفة واحدة بدون نوافذ …يفتقد التهوية وبه مخزن لأصحاب الدار ،ومنها المغارة التى كانت بدون باب ، حتى أتت لهم مارتا بصاج استخدموه بابًا لها ، معيشة قاسية لأسرة كانت تعيش فى رغد ، فأصبحت لا تمتلك حتى الرغيف (أدنى مستويات إقامة الأود ) فاضطروا إلى الاعتماد على بقايا الوجبات التى تقدمها مدارس الإرساليات للبنات ( فرح ونعمة وأسماء ) ومن هذا الطعام بقايا الخبزة المتبقية عند الأثرياء والتى كانوا يجعلونها للفراخ ، فكانت أختها بهية (أم حسين ) تجمعها وتدعى أنها تعطيها لأختها التى تطعم بها الدجاج ، واضطروا إلى الذهاب إلى الجبل ليأتوا بخضرة الخبيزة ، والهندباء والزعموط ، وكانت أمهم تطبخ لهم هذه الخضروات لعدم مقدرتهم شراء خضروات ودقيق (ص 118)
لقد عانت الأسرة خاصة الأم وفرح ونعمة من ضراوة سوء التغذية فأصيبوا بفقر الدم ، حتى أنه بعد ولادة الابن الأخير لم يجدوا للأم مرقًا ، فأخذت جارتهم ( أم حسن ) تذهب كل يوم إلى المدينة وتجمع أرجل الدجاج من النتافات … وتقوم بتنظيفها وسلقها ، ثم تعمل شوربة لأمهم ، وعلمتهم نظافة الأرجل بصورة جيدة وإعداد شوربة منها ، وكانت تمشى حوالى نصف ساعة وتدور على أصحاب النتافات كل يوم لتعود لهم بكيس من الأرجل (ص 242)
لقد كان طعام أبناء المخيم المعوزين – مثلهم – فى الإفطار الشاى مع الخبز وزيت الزعتر وفى الظهر طبق من سلطة البندورة والفجل والبصل الأخضر ،أما العشاء فهومثل الفطور ، وقد واجهت هذه الأسرة مواقف كثيرة فقد مرت بهم لحظات لم يجدوا شيئًا يأكلونه فى بيتهم ، وصدهم مجاهد عند طلبوا منهم بعض الدقيق ، ولعل مجىء أبو عرنك غير مرة وتهجمه عليهم كان أصعب المواقف التى مرت بها الأسرة ، لقد ضرب الأم غير مرة ، وضرب الأبناء والصغار ( فرحًا ونعمة وأسماء ومهندًا ) ضربات موجعة ، ولم يكتفِ بل وضرب منذرًا ، وأراد أن يسجنه لولا تصدى الأم له ، فخرجت عليه كلبوءة تدافع عن ابنها ، وضربته بحذائها ، وأخذت ابنها من يد الشرطة ، وأمرته بالفرار ، فهرب ، وأخذ هو ورفاقه يضربون رجال الشرطة ومعهم أبوعرنك بالحجارة …إلخ .
مشاهد متوالية وسيناريوهات محزنة تصورها الرواية لمعاناة قاسية لا تُطاق ، فتشعر الأسرة فيها بالدونية والضعف وافتقاد الحميمية والألفة ، من هذه المواقف تهجم أخو سلوى ( غير السوى ) على نعمة ومسكها من شعرها ، وتمزيقه لكتبهم ،ومنها طرد أبى سمير ( الذى يعمل فى المخفر) لأسماء من بيتها لرسوب ابنته بحجة أنها وراء فشلها ورسوبها (ص52)
ومنها – أيضا – بُعْد زميلة فرح عنها مخافة من الجرب ، ومعايرة النساء لها بالجرب ، لولا تدخل خالها إبراهيم بإزعاج النساء فى الحوش وكثرة ذهابه لبيت أخته حتى كففن عن هذا السلوك ، ومنها – أيضا – طرد ثريا ابنة صاحبة كرم التين لهن ، هن وصديقتهن (خديجة ) من تحت شجر التين( حيث كانت الأم مضمنة لهذه الأشجار ) فكن يجلسن على حصير يأكلن الخبزة والجبنة والبندورة مع صديقتهن خديجة، فجاءت إليهن وطردتهن وقالت لهن باحتقار : قوموا ….روحوا على مخيمكم ، ثم أخذت ترفع طرف الحصير وتنفضه فيثير الغبار ، ولم تكتف بذلك بل انهالت على كتبى وكتب صديقاتى تمزيقًا … ثم قامت برفص إبريق الشاى فانسكب ماتبقى ” (ص 288 : 289) بعدها شعرتُ بمذلة رهيبة تزلزل كيانهن …ومشين بانكسار وأخذت تتصور كلمات أمها غدا نروح …. وصراخ عميق ينادينى متى متى إلى متى نعود ؟ (ص 289)
وما صورته الرواية هَنَات قليلة ، ولكن صورة هذا المجتمع فى الرواية تقوم على الحب والاحترام والتعاون ، وأول مبادىء هذا المجتمع ” أن الرجال فى فلسطين كانوا شرفاء جدا ، لا يستفردون بالمرأة الوحيدة ، ولا يحاولون استغلال وحدتها وحاجاتها ، ولا تأخذهم مصالح شخصية فيها ، بل على العكس تمامًا ، يتعاطفون معها ويأخذون مكان الأخ أو الأب ويبذلون قصارى جهدهم لمساعدتها ويتعاملون معها …وينادونها “بأختى ” (ص 285)
وجدنا روح التعاون غالبة عليهم ، حتى مع النَوَر ( الذين تهين أنفسهم فيشحذون ) ولما عرفوا بمرض الأم ( رسمية ) بالسخونة طببتها إحداهن (أم زكريا ) ببعض النباتات سحقتها بقوة وطلبت من أمها تمضغها، وعادت فى الصباح ومعها شراب أسقته لأمى جميعا وهكذا يومين والنورية الطيبة تقوم على تطبيبها وبدأت أمها تشفى قالت لها : شدى حيلق لأولادق ، ستصبحين عال العال وعلى القيف ( ينطقن الكاف قافًا) ص 176
وعندما نهشت أفعى (أسماء) أتوا بأم زكريا النَوَرية ، وربطت ساقها عند ركبتها وشقت ساقها وأخذت تشطف الدم وتبصق عليه عدة مرات (ص 183) ووجدنا أم بديعة تحضر لها كازًا عندما وجدت بيتهم مظلمًا ، وعندما جاء أبو عرنك ليعتدى على أسرة سعيد كعادته تصدى له أهل المخيم ، وردوه عن غيه ، ووبخوه بالعار الذى يلحق بالمرء عندما يعتدى على الحرمات ،ووجدنا أم حسن تقف بجوار جارتها وصديقتها رسمية ، ولا تتركها حتى بعد الولادة ، وتذهب – مشيًّا على الأقدام – إلى المدينة وتأتى بأرجل الدجاج … حتى مارتا المجنونة وجدناها تحضر لهم الخبزة والبندورة والخضروات ، والحليب كل يوم وتضعه أمام المغارة ، وتطلب القرب منهم وتنام معهم ليلة ، فيشعرون بالأمان والألفة ، والمديرة الست لمياء عندما تزورهم فى الخيمة، وتجد المسكن غير ملائم ، تتوسط لنقلهم إلى غرفتين بالطوب من بناء وكالة الغوث فى مكان بعيد عن الخيمة قريب من المدرسة من الشارع الرئيسى ،غرفتان بدون حمام ولا مطبخ ، وتتوسطان قطعة من الأرض من الأمام ، ومن الخلف بحيث يمكن إضافة غيرهما إذا تحسنت الأحوال ، كما استخرجت كرت مؤن ..وأخذت ترسل فراش المدرسة لاستلام المؤن الخاصة بنا ، قفقد كانت أمى تخجل من ذلك ، والمؤن ثلاثة أرطال من الطحين لكل نفر ، وبعض الأرز والسمن والصابون والسكر بمكاييل محددة كل شهر (ص236)

وفى كل مكان تحل به الأسرة كانت تعمل صداقة مع الجيران ،لأنهم أصحاب قضية واحدة وهمٍّ واحد ، مصداقًا لقول مرىء القيس قديما (كل الغريب للغريب نسيب) ففى آخر سكن – مثلا – تم صداقة العائلة بأم على من عنابة ،وأم حسن وأم إسماعيل وأم وليد وأم حسن وأم كامل وأم مصطفى …إلخ .
-4-
الزمن والمكان فى الرواية تقنيتان فنيتان تقومان بدور فاعل فى بنية النص ، فعن الزمن نجد هناك إشارات زمنية عن أهم الأحداث لهذه الأسرة من عام 1950 إلى1967 ،وهذه الأسرة نموذج لأسر فلسطينية كثيرة عانت من ويلات النزوح وترك الوطن ، فنجد النزوح تحت مضايقات العدو بعد تواطؤ إنجلترا معهم ، مما هيأ لهذه العصابات أن تتوغل ، وتستوطن وتجبر أهل البلاد على ترك بلادهم ، وهذا ما بدأت به الرواية عام 1950 ، وتتحدث الكاتبة فى تقريرية تكاد تنفلت عن جسد النص الروائى فى الحديث عن ثورة 23 يوليو ومنجزاتها وطموحاتها العربية ، وتوجهها القومى ، ووضوح موقفها القومى اتجاه القضية الفلسطينية ، أضفت ثورة 23 يوليو الأمل الكبير فى النفوس بالتحرر من الاستعمار فطرد الملك حسين غلوب باشا قائد الجيش الانجليزى ، وسلم القياد للضباط الأردنيين ، وفى العراق قامت ثورة على نورى السعيد ، وكذلك فى الجزائر واليمن ، وجاءت كثير من المنجزات لثورة يوليو مبشرة بقرب تحقق أمل الرجوع منها تأميم قناة السويس ، ودعم الثورات العربية ، ثم توجت بالوحدة مع سوريا ، والتى جاء بعدها العدوان الثلاثى على مصر ، وكان والدها قد اكتشف ذلك من خلال كلام الأسير الذى أسره [ طيار فرنسى الموطن ، يقيم فى الجزائر ] إضافة إلى النشاط الثورى ازدهر النشاط الفنى فى ظل الثورة ، فعلت الأناشيد الوطنية التى تمجد الثورة والعودة ولغة الانتصارات ، وظهر مطربون كبار ومطربات كبيرات …ونشطت الحركة الثقافية والفنية ، وأصبح أمل العودة يترسخ فى النفوس …ولكن جاءت الصدمة بانفصال الوحدة التى كانت بين مصر وسوريا عام 1961 ، فانتكست آمال الرجوع التى سيطرت على النفوس ( راجع من ص 192: 194) وتسير الأحداث فى نمطية واحدة ( الترنح فى خيانة ) والمعاناة القاسية ، حتى عام 1967 ،حين جلس سعيد يستمع إلى نشرات الأخبار الكاذبةعن انتصارت وهمية ساذجة ، وصدق حدسه وعندما نطق المذيع خط الدفاع الثانى …قفز أبوها من ركنه وصرخ : ضاعت فلسطين ..ضاعت يا أولاد ….سقطت فلسطين كلها ، انتصر العدو ..لقد خسرنا الحرب (ص 297) فالزمن هنا إطار خارجى ، أما الزمن الداخلى فزمن وقوع الأحداث المروية فى الرواية ، فنجده زمنًا بطيئًا ، لأنه زمن معاناة وألم …زمن ثقيل بطىء ممل ثقيل ، تمر فيه الثوانى والدقائق كساعات طويلة … هذا هو الزمن النفسى ، لذا وجدنا الكاتبة تطيل فى سردها للحدث تعبيرًا عن طوله ووقعه الثقيل على نفوس الشخصيات ، وحسبنا ان نرجع إلى صفحات كثيرة فى الرواية تروى عن معاناة أسرة سعيد ،منها مواقف مرض أمهم وهذيانها ، والصدمة التى انتابتها عندما أبلغتهم حليمة بموت سعيد ، هذه الصدمة العنيفة التى أذهبت بعقل الأم ، فأخذت تهذى ، وأنها رأت الملائكة تحمل نعشه ، وأنها رأته فى الجنة ، ولم تصدق بعد ذلك كلام العم إسماعيل بتأكيده رؤية ( سعيد ) حى ، وزاره فى سجن المدينة ، وعن رويها عن الحياة فى المغارة نشعر بمرارة الزمن ، السكن فى مكان غير مهيأ لسكن البشر ، وافتقاد مرحاض ومياه ، وافتقادها فى الوقت نفسه الطعام ، وأدناه ( الخبزة) تلك لحظات معاناة قاسية تشعرك بثقل الوقت وطوله …إلخ .
المكان فى الرواية ينقسم إلى مكانين : مكان أليف ( فى فلسطين ) وهو مكان فى الذاكرة اكثر منه فى عالم الواقع ، والمكان الثانى ( مكان غير أليف ) المكان بعيدًا عن الوطن ، لذا جاءت ذكرياتهم مع هذا المكان مصورة له فى أجمل صورة تقبلها النفس وتستريح له ، وهذا المكان ( الأليف ) لا يقتصر على المبانى المحدودة ( التى لا تحفل بها الرواية ) المكان – هنا – يشمل كل ماتقع عليه العين من زروع وأشجار وجبال وحيوانات تعيش فى جنباته ، فبيتهم كان محاطا بشجر الزيتون والعنب والخوخ والمشمش والكستناء والأسكادنيا (ص 18) وتجرى فى ربوعه المياه العذبة ، وينتشر فى هذه البلاد ” أشجار كبيرة وصغيرة ، منها أشجار الزنابق الحمراء والبيضاء ، وشقائق النعمان بألوانها الرائعة ، وقرن الغزال ، النرجس البرى برائحته ولونه الأبيض والأصفر ،إضافة إلى الأزهار والورود هناك أنواع كثيرة من الخضروات والتوابل كالزعتر والمرمية ، والقرينية والشومر والنعناع البرى ، وهناك ما يطبخ منها الحميض والبقلة والهندباء والخبيزة والثوم البلجى، وهناك السيسعة وتنمو بين سنابل القنح ….وهو نوع من البقول ذو الطعم المميز … أما عن الطيور فحدث ولا حرج البلابل من كل صنف القبرة والبط البرى ، والحبارى ، والدجاج البرى ، والأرانب أيضا ، والمياه والينابيع والسواقى كثيرة لا حصر لها ، ماؤها رقراق وعذب والشجر كثيف وكثير وكروم الزيتون والتين والعنب “( ص 115:116)
وجاء تذكرهم للمكان بأمل العودة تحقيقًا لأمنية فى النفوس ، فالأب يحدثهم عن بلده سلمة ، التى تتصفب خصوبة أرضها ، وجمال بياراتها ،وكان دائما يكرر بأن فلسطين ستعود وما هذه الأيام إلا حقبة من تاريخ بلدنا المفدى العظيم ، وأن الأمور ستتحسن ويرجع الحق إلى أهله (ص 209)
أما المكان بعد النزوح ، فلا نجد فيه جمالًا وقبولًا ، بل وجدناه مكانًا ضيقًا محدودًا ، غيرمريح ، ولم نجد فيه جمال الطبيعة التى عهدناها فى فلسطين ، فبيت أم عبد الله وإن كان جميلًا ، لكنهم لم يقيموا فيه طويلًا لعدم تسديدهم الإيجار ، وكأنه قد كُتِبَ على هذه الأسرة ألا تقيم فى بيت جميل ، فنقلوا إلى بيت عبارة عن غرفة واحدة بدون نوافذ … يفتقد التهوية ، وبه مخزن لأصحاب الدار … ويستخدمون المصباح الزيتى فى الليل والنهار …بيت غير صالح للإقامة به كما شهدت فيروز المعلمة … والمعيشة فى المغارة صعبة وقاسية ، فكانت المغارة مكونة من حجرتين : الحجرة الصغيرة جعلتها للنوم ، والحجرة الكبيرة للغسيل والطبخ والاستحمام .. ثم جمعت مجموعة من الحجارة وعملت سنسلة حول المغارة …..ونكشت ، الساحة أمام المغارة …ووضعت بعض الحجارة بصورة تهيىء عملية الصعود والنزول، وأسعد لحظاتهاعندما كانت تتذكر بلدتها وحديثها عن بيارات البرتقال ، وماتورات الماء، وحقول الخضروات ، وبيارات والدها التى أحضر لها من الثمار ماندر من مصر والشام والعراق المانجا والتفاح والنخيل ووصفت الحديقة المجاورة للبيارة بالجنة وكان يحضر لها النباتات من كل البلاد (ص 144)
ولم تر الأسرة بيوتًا فى الغربة جميلة اللهم إلا الريف عند خالهم يوسف ،لأن به من جمال قريتهم وبلدهم فلسطين حيث ” الأشجار المثمرة ، الكروم الواسعة ، الحقول المزروعة، المياه العذبة ، الطيور التى تحلق فى السماء مختالة بجمالها وبهائها ” (ص 221) فهذا المكان به من جمال طبيعة بلادهم فأعجبهم وبُهروا به .
ومن أدوات الكاتبة فى بناء المكان إظهار المفارقة – دائما – بين بيوت المستقرين فى حياتهم ، وبين حياة النازحين غير المستقرة ، والتى تعتمد على التنقل والترحال وعدم الاستقرار ، نرى مسكن المقيمين فى بيوتهم ، مبانى بيوتهم مبهرة وجميلة ، تحيطها أسوار ، تحافظ على حرمة المكان ، ويحيط بالمبنى الأشجار الذى يضفى جمالًا وروعة على هذا المكان ، فأسماء الراوية أثناء عودتها من المدرسة إلى سكنهم فى المغارة ” وجدت حديقة جميلة فيها طفل وطفلة يلعبون بمرح وسعادة بين الأغصان المثمرة …..سألت نفسى ترى لو لم نكن لاجئين مهاجرين ،ألم يكن من المفروض أن أكون أنا وأخوتى مثل حال هؤلاء الأطفال السعداء ” ( ص127) وهالة صديقة فرح فتاة رقيقة سمراء من عائلة بالغة الثراء ،أبوها وأمها يعملان فى وكالة الغوث، تسكن في قصر وسط بستان كبير ، يحيط به سور عال ٍ (ص 40)
وكثيرًا ما يتكرر مثل هذا الموقف فى البلاد التى ينتقلون إليها ، حتى المدرسة التى ذهب إليها الأطفال كانت مبانيها ضيقةً ، لا يقوم بكل ما ينبغى أن تؤديها المدرسة فكانت ” عبارة عن غرفتين : الصف الثانى والثالث والرابع فى غرفة ، وفى الغرفة الثانية الصف البستان والروضة والصف الأول ” ولكن رغم ذلك فى نهاية الرواية عندما اضطررن ( فرح ونعمة وأسماء للسفر) كانت الحافلة تتقدم بها فى أرض فلسطين فى طريقها إلى خارج البلاد وهى مكرهة على السفر ، تريد البقاء ” بينما تتساقط أحلامى بالرجوع على الأشجار والناس والمدن والقرى ، مستقبل غامض وأيام لايعلم أحد ماتخبئه إلا الأعز وجل “( ص 294 )
-5-
شخصيات الرواية تتجاوز الخمسين شخصية ، ولا تترك الكاتبة شخصية تروى لها إلا ووصفت ملامحها وصفاتها الخارجية ، والملفت للنظر وصف الراوية لأمها وإعجابها بجمالها فى كل صفحات الرواية ، فرسمية أمها ” كإشراقة الفجر الندى ، دقيقة القسمات ، يفتر فمها عن سن مذهبة بين أسنانها الأنيقة ، وتشع من عينيها نظرات الذكاء وتلاوين الأمل ، وتستظلان بسرب من الرموش الليلية الهادئة ، يعلوها حاجبان دقيقان ، وينسدل شعرها الكستنائى الكثيف على كتفها كشلال من الحرير ، متناسقة القوام ، دائمة الابتسامة ، هادئة الطبع ، لطيفة المعشر …. (ص 24) وعندما تروى عن تعاملهم من نساء أُخريات سواء فى زيارتهن لهن ،أو فى دعوتهن لمناسبة ، رغم إشادتها بجمال هؤلاء النساء ، إلا أنها ترجع وتقرر بأن أمها أجمل من هؤلاء ، وهذه مشاعر البنت نحو أمها ، ولا يقتصر معرفة الشخصيات من وصفها ، ولكن نعرف ملامح الشخصية النفسية والذهنية من تعاملها مع غيرها من الشخصيات ، فأمها رغم حبها للوطن ،كانت تريد من زوجها البقاء بجوار أبنائها ، ويرفض الأب ذلك مصرًّا على طريق النضال ، وعندما راجعت رسمية زوجها بأن يترك النضال ، وينظر لأولاده ” هل أولادك أعز من يافا وسلمة واللد والرملة ويازور والقدس وغيرها ..ماذا دهاك ؟ هل أصبحت جبانة ؟ أنت بنت سلمة ،أنت فلسطينية…نسيت بياراتنا وحقولنا … نسيت أرضك ( ص 38 )
ولا تحفل الراوية بذكر ملامح أبيها ، ولكن نعرف سمات هذه الشخصية من خلال أفعالها ومواقفها ، دخل أرقى المدارس الأجنبية ( الروم الأرثوذكس ) وفيها تعلم إلى الصف السادس وبات يجيد العربية والإنجليزية بطلاقة (ص )25 برع فى أعمال الميكانيك فأصبح يصلح وابورات الماء فى بيارات والده …كثير الأسفار …حملهم الوطن فأصبح من المجاهدين الذين يقاتلون العدو ولا يمكن إثناء رأيه … تركهم وذهب إلى مقاتلة العدو فى قريته ووجدهم جبناء ولكن الخيانة هى التى أضاعت ثمرة جهادهم كان يؤمن ، بقوله :لا يعيدها إلا الكفاح ، ولن يرجعها إلا القتال ……لازم نروح يارسمية …ولو على جثتنا (ص 29) وكان دائما يحدث أولاده عن بلده سلمة ، التى تتصف بخصوبة أرضها ، وجمال بياراتها ،وكان دائما يكرر بأن فلسطين ستعود وما هذه الأيام إلا حقبة من تاريخ بلدنا المفدى العظيم ، وأن الأمور ستتحسن ويرجع الحق إلى أهله (ص 209)
وظل طيلة حياته مؤمنا بمبادئه لم ينثنِ عنها رغم المحن التى واجهتها الأسرة ، وفى النهاية رغم إبعاده عن البلاد عنوة يصرُّ على الرجوع للنضال ، ونجد فى شخصية الأم والأب والأولاد رمزًا للأسرة الفلسطينية ، الأب المناضل ، الأم السيدة التى تتحمل مع زوجها ويلات الحياة ، رغم نشأتها فى بيت عزٍّ ، ولكن الأيام تغيرت بها مائة فى المائة( لا بيت ، لا دخل ،حتى الأهل كانت حالتهم المادية محدودة ) لقد ربت أولادها على العزة والكرامة والصبر ، تؤمن بأن العلم هو طريق الرقى والاستقرار والنجاح ، كانت مدرسة لأولادها ، علمتهم كل شىء جميل ، الأخلاق ، المبادىء ، القيم ، تقول الراوية وتعلمت من أمها أن ” الشدة مش مدة ” وأن الله يقسم الأرزاق ، وأن يومًا لك ويومًا عليك ، وأننا بالعلم سنصل إلى ما نصبو إليه ، وأن القناعة كنز لا يفنى ، وأن لا يصيبك إلا نصيبك ، وأن الأخلاق والشرف والعلم ترفع الإنسان ، وأن الواحدة منا بقدر اجتهادها ستحسن وضعها (ص 272)
وتقول فى موضع آخر ” أرضعتنا أمى كل يوم أن الستر هو أهم مطلب للإنسان ،أن يعيش شريفًا محافظًا على شرف الناس ، مستور الحال والعرض ، وأن الحسد من الصفات السيئة ولا يجوز للإنسان أن يكون حسودًا ” (ص 152 : 153) وفى أشد اللحظات كانت تتذكر ما علمته أمها لها أن ” الشدة مش مدة ” وأن الله يقسم الأرزاق ، وأن يومًا لك ويومًا عليك ، وأننا بالعلم سنصل إلى ما نصبو إليه ، وأن القناعة كنز لايفنى ، وأن لا يصيبك إلا نصيبك ، وأن الأخلاق والشرف والعلم ترفع الإنسان ، وأن الواحدة منا بقدر اجتهادها ستحسن وضعها (ص 272)
فرح البنت الكبرى( أم صغرى لهم ) تشارك أمها فى إعداد الطعام ، وتغسل عنها ، وتشطف البيت ، تضحى بحياتها ومستقبلها العلمى من أجل أسرته ، فتعمل ممرضة ، لتدر دخلًا للأسرة ، وتغير حياتهم ماديًّا ، وتسافر من أجلهم ، ومنذر الولد الأكبر ، يعول همَّ الأسرة ، وهو طفل فى التاسعة من عمره فى الصف الثالث الابتدائى يساعد أمه فى مصاريف البيت وذلك ببيع الحاملة ” نباتات الحمص الأخضر التى تحمل البذور الطرية الخضراء ، و كانت أمهم تجهز له كمية الحاملة ، ويدور بها ولا يعود إلا بعد الانتهاء من بيعها ، وفى أيام الشتاء كانت لا تتوفر الحاملة كان يخرج كيسًا صغيرًا ويلتقط قطع الزجاج ويبيعها مع زملاء له ، وفى أيام الحر يبيع ” الأسكيمو” وهو نوع من أنواع البوظة الملونة على شكل قوالب صغيرة توضع فى صناديق خشبية مانعة للحرارة عليها غطاء محكم ، وبها قشاط طويل لتعليق الصندوق على كتفه ، يجوب شوارع المدينة ينادى أسكيمو أسكيمو” (ص 247 )
أسرة مترابطة متحابة لا اختلاف بينهم ، ولا غضب من موقف – رغم قساوة الحياة – يمكن أن يؤدى إلى تمزق هذه الرابطة ، وأب حنون على أولاده ولكن الهمَّ الوطنى دفعه أن يضحى بحياته فى سبيل إرجاعهم إلى وطنه ، لأن عزهم بمعيشته فى ربوعه ، فظل طيلة حياته مناضلًا من أجل وطنه ، حتى نهاية الرواية ، نراه فى نهاية الرواية يندفع جريًا إلى الوطن غير مبالٍ لما يحدث له ” ويندفع إلى الطريق …أنا ذاهب ، يركض على القدمين المتعبين والجسد النحيل المتعب يترنح …أبى ..أبى إلى أين أنت ذاهب …إلى أين ؟ سوف يسجنونك …سوف يعتقلونك ….إنه لا يسمع ، فقد ذهب بعيدًا …هو عائد إليها ، هو عائد إلى هناك ..هو يطير بلا أجنحة “(298)
الشخصية المناقضة لشخصية سعيد شخصية أبى العرنك الصورة المقابلة لهذه الشخصية ، وهو من قرية عرف أهلها السفر باكرًا ، ويقال إنه سافر هو الآخر فى سن الرابعة عشرة إلى أمريكا، ثم رجع جاسوسًا متمرنًا ، واستمر جاسوسًا حتى اغتالته رصاصات الفدائيين الفلسطينيين فى قريته بعد ذلك (ص 198) شخصية انتهازية خائنة ، تتظاهر بوطنيتها ، وهى خائنة تبيع وطنها بدراهم معدودة ، ويوصل للعدو أخبار الفدائيين ، وفى الوقت نفسه يوشى عليهم ، ويتهمهم بالخيانة لسلطات الوطن ، وكان سعيد قد اكتشفه مع العدو فى إحدى عملياته الفدائية ولاحظ الود الذى يجمع بينه وبين العدو، فلم يسكت له على ذلك ، وواجه بذلك ، بل وتصدى له بالقوة وضربه ، وهنا أخذ أبو العرنك على عاتقه الانتقام من سعيد مخافة من اكتشاف أمره ، وظلَّ حتى نهاية الرواية يجابهه العداء ، فاستطاع الوشاية عليه فسجن خمس سنوات بتهمة خيانة الوطن وشتم القيادة ، أكثر من ذلك أراد أن ينتقم من ابنه (منذر )كما ذكرنا والقبض عليه وسجنه لولا تدخل أمه بجسارة…
ومما يُحمد للكاتبة فى رسم الشخصيات قدرتها على رسم شخصية رسمية ، فمعاناتها الطويلة ،وإصابتها بالسخونة ، جعلها تهذى ، وزاد الطينة بلة سماعها بموت زوجها ، وهنا أخذت تهذى …. ثم صمتت ، و لم تتكلم وبعد أسبوع تكلمت وقالت : كنت مع الملائكة وطلبوا منى عدم الكلام حتى لا أزعجهم ، انظروا إلى أنهار الذهب والفضة والماس تتدفق من حائط المغارة ، لاتدوسوا هنا قبر أبيكم لقد زينته الملائكة بالسجاد الأخضر ، لقد رفعت الملائكة قبر سعيد إلى السماء (ص 178) وأنها رأت الملائكة يحفرون له القبر فكيف تكذبهم ، ثم أن لهم أعداء كثيرين قام أحدهم بتزوير شخصية أبينا وسيأتى ليعذبهم (179) أكثر من ذلك أنكرت على أختها بهية تدخلها لمحاولة إرجاعها لحالتها الطبيعية .
ومن خلال هذه الأسرة وترحالها وعلاقاتها صوَّرت لنا الرواية صورة المجتمع ، فنجد اللاجئين تعساء ، فقراء ، يعانون من أجل لقمة الخبز ، يسكنون فى بيوت متواضعة ، فقد بنوا لأنفسهم فى أحد الكروم السقائف البسيطة من الحجارة المرصوفة بعضها فوق بعض ومسقوفة بالصفائح والكرتون (ص 31 ) ويأكلون النذر من الطعام ومن وقت لآخر بعض الفاكهة ، ولكن رغم ذلك يحافظون على كرامتهم …مع الاهتمام بالمستوى العلمى ، فوجدنا مدارس الإرساليات تعمل جاهدة وبإخلاص المعلمين القائمين بالتدريس بتقديم مادة علمية جيدة ، تصنع مثقفًا ،وتؤهل الإنسان المناسب للعمل الذى يتكفل به ، بخلاف المقيمين فى أرضهم يعيشون حياة رغدة طيبة ، فى بيوت فخمة تتصف بجمال التصميم يحيطه سور عال ٍ …يحيط بالمبنى أشجار الفاكهة والزينة ، يلبسون أفخم اللبس ، ويعيشون حياة رغدة ، مجتمع له عادات وتقاليد وسلوكيات مميزة فى أفراحه وأتراحه ، مجتمع يحافظ على كرامة المرأة ، وعدم المساس بكرامتها ، يعيش متمتعًا بخيرات بلاده الجميلة فى طبيعتها وأشجارها الجميلة، المعطاءة فى ثمارها ، وقد ورد فى الرواية ما يصور هذا المجتمع فى سلوكياته وذوقياته وعاداته ، ونذكر منه :
– زوجة عبد الله حاسرة الرأس بملامح طيبة لغاية ترتدى ملابس عصرية بدون أكمام ساعدان مكشوفان .
– عمل ” مباركة ” للمرأة التى تضع ، وتعنى مجىء الصديقات والأقرباء لزيارة المرأة التى وضعت ، ويحملن معهن كيسًا به الهدايا للمولود ،أو السكر …مع استعداد أهل البيت بنظافة البيت ، وتقديم الشاى والقهوة وأشياء أخرى ممكنة كالكاتوه ….
-النساء يرتريدن الكابات السوداء التى تنسدل إلى ما تحت الركبة بحوالى العشر سنتيمترات …وعلى الرأس غطاء أسود تتدلى منه قطعة من القماش الأسود الخفيف ..ويلبسن جميعا أحذية سوداء وجوارب نايلون …ويضعن أحمر الشفاه (ص 74)
– فى المدينة يوجد الحمام التركى حمامات عامة للجميع ، أيام للرجال ، وأيام للنساء ، وأيام للأطفال …وكانوا يذهبون إليه كل أسبوع ….مبنى كبير له مدخل واسع ….يؤدى إلى ساحة فسيحة مكشوفة تتوسطها نافورة مياه …وفى الحمام موضع للملابس ومصاطب للجلوس عليها لاستحمام …ومكان للجلوس بعد ذلك لتناول الطعام وشرب الشاى أو القهوة ، هذه الأشياء التى تحافظ النساء على أخذها معهن ، فبعد الاستحمام يأكلن ويشربن ثم يغسلن ملابسهن كانوا يستمتعون بحمام دافىء كل أسبوع وينتظرونه بفارغ الصبر ( ص 86 )
– الإيمان بأفكار مشعوذة ، تخص معرفة المجهول ، وعمل حجاب حصانة لصاحبه ، ففى الرواية خلبت خالتها بهية لب ” المدنيات ” فأصبحت كاتمة الأسرار والمستشارة وعارفة الحظ التى لا يرد لها طلب ….كبرياء وذكاء وابتسامة رائعة وعفة نفس (ص 92)
ولا يوجد مجتمع مثالى فنجد هناك شخصيات لها تصرفات غير سوية ، ذكرنا منها سوء معاملة بعض الشخصيات لأسرة سعيد ، وما ذكرناه عن أبى عرنك ، وهناك شخصيات غير سوية فى تصرفاتها – وإن كانت قليلة – منهم أبو سعيد الذى يعمل فى مصنع صابون ..رجل سكير يعود متأخرًا يهذى لشربه ، يرجع مخمورًا يصرخ يغنى ، ضاقت منه زوجته حتى أنها دعت الشرطة أن تحبسه …وفى ليلة جاء خالها متأخرا وقد نسى شراء سجائر ….فطلب من فرح إحضار علبة سجائر …فخرجت ثم سمعوا صراخا هموا لها …كان أبو سعيد يمسك بها ،لأنه وقع على حجر فشجَّ رأسه ، وسال الدم على ملابسه ، حاول أن يقوم فلم يستطع ، فما إن وجد فرح حتى مسك بها ليقوم ….وهنا صرخت الصبية من أعماقها …وفى الصباح أمر صاحب الحوش طرده على أن يتكفل هو تكاليف هذه الأسرة ومن يومها لا يعلمون عنه شيئًا (ص 84 ) ومن هذه الشخصيات مجموعة من اللصوص قتلوا رجلًا تزوج منذ عدة شهور ، تتبعوه حتى أخذوا مصوغات زوجته ، ثم قتلوه ، ففى منتصف الليل هزت أركان المنطقة طلقات نارية أصوات مروعة … قتلوه مجرمين …الحقوهم (ص150: 151 ) ومن هذه المواقف المؤسفة حمل ” مريم ” بنت أبى دياب سفاحًا ، وتعقب أخوتها لها فقتلوها .
وصورت الرواية – أيضا – للواقع الاجتماعى والاقتصادى والسياسى الفلسطينى ، ففى البداية كان الأمل متوهجًا في النفوس ، ولكن بعد ذلك أخذت الأمور تتراجع ، والحماس يقل ، فى البداية كان الجيش هو الذى يتولى تنفيذ العمليات الفدائية ، بعد ذلك استقلت كتائب الفداء عن الجيش وأصبحت دائرة منفصلة ، وأحيانا برعاية دولة عربية تمول العملية ، وكذلك على المستوى الاجتماعى ، فبدأ كثير منهم يتكيف مع واقعه ، فأخذوا يغيرون فى شكل المخيمات ، ويصلحون مبناه ، وكأنهم وجدوا أن طريق العودة بات طويلًا ، ففى المخيم حدثت تغيرات كثيرة نشأت عدة منازل بنيت من الطوب والإسمنت على مساحة ما يقرب من النصف ، وصفت كل عائلة مجموعةمن الغرف ، بعضها إلى جانب بعض فى نهاية الأرض ، ومد أمامها مساحة ما يقرب المترين على طول الغرف على شكل بلكونة ، وتركت المساحة الباقية ممتدة أمام تلك الغرف للمستقبل ، ثم أحيطت بسور قليل الارتفاع بحيث تستطيع العائلات زيارة بعضها دون عناء ..ودهنت بألوان زاهية ووزعت حولها مزروعات وزهور جميلة ..وقد بدا أن سكانها من اللاجئين الميسورى الحال ، وقد تم ذلك أثناء العطلة الصيفية ، وقد تعرفت ساكنات هذه المنازل بأمى وأخذن يترددن على زيارتها (ص 230)
لغة الكاتبة لغة تصويرية جميلة تصف المشاعر تارة ، وتصف المواقف الحياتية تارة أخرى ، وتصف المكان تارة ثالثة ، لذا جاءت الرواية فى شكل مشاهد نابضة حيّة ، وقد استثمرت طاقات اللغة فى رسم المشاهد ، ووصف المشاعر ، لغة مرنة تضمن المقولات الشعبية والشعر فى الأسلوب ، مثل قولها :
شمس الربيع تضرُّبالرضيع ص 16
لا يرغمك على المر إلا الأمرمنه ص157
لا فرحت الرعناء ولا زغرتولها ص 202
المال فى عب الرجال ص 257
وتضمن الشعر الوطنى الذى جاء مناسبًا فى موضعه ، وهذا الشعر جاء عذبا رقيقا مؤثرًا فى النفوس ، منه استخدامها قول الشاعر :
قول الشاعر :
فلسطين الحبيبة كيف أغفو بعيدًا عن سهولك والهضاب ؟! ص202
وتمثل سعيد بقول الشاعر :
عيشة بالذل ما نرضى بها وجهنم بالعز أفخر منزل ص 202
وسماعه ( سعيد ) لقصيدة الفدائى وسعادته بها :
سأحمل روحى على راحتى وألقى بها فى مهاوى الردى
فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا …إلخ ص 210
وأخذ يردد أغنية محمد عبد الوهاب :
أخى جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا ص 210
وحفظ منذ لقصيدة وطنية ، وأخذ يرددها بصوته العذب :
بلاد العرب أوطانى من الشام لبغدان …إلخ ص 199

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق