قراءات ودراسات

شدو الذكريات والغيب والقلق على المستقبل

قراءة في مجموعة "خمس ملاعق صغيرة للغيب للكاتب محمد عبد الوارث

د. احمد الباسوسي

ما الذي يحدث عندما يطل الكاتب على ايامه الخوالي في ظل واقع مغاير يجثم بقوة على صدره ويقبضه؟. فانه قد يلجأ حتما الى الغيب، ربما يهتدي الى فرجة يدخل منها ضوء وهواء نقي يريح صدره.
وربما كانت فرجة الكاتب محمد عبد الوارث في كتابته تلك المجموعه القصصية الجديدة التي اصدرها حديثا “خمس ملاعق للغيب”، بعد طول غياب عن ساحة الكتابة الابداعية، مكتفيا بنشاطاته الثقافية والفكرية وتفاعله الحي المباشر في المنتديات الثقافية مع الكتاب والادباء خاصة الشباب منهم وامدادهم بالدعم والمساندة، متجردا (بدرجة نبيل) سوى في اعلاء القيم الثقافية الابداعية، والتنقيب عن كل ما هو مبدع وأصيل في كتابات هؤلاء الشباب الذين وجدوا في قصر ثقافة الشاطبي ومكتبة الاسكندرية الملاذ الوحيد لهم للظهور في عالم الابداع والافصاح عن مواهبهم وقدراتهم. وكان الكاتب المبدع محمد عبد الوارث يتنظرهم هناك يمد يده، ويمضي معهم في طريق الابداع.
اطلقوا عليه مهندس الثقافة في عاصمة أم الدنيا الثانية، والمركز التاريخي الأزلي للحضارة والثقافة والتنوير على الأرض.
لعل الكاتب خلال مجموعته القصصية تلك التي تعثر مخاضها رغب في ان ينفث بعض مما يحمل من أوجاع وهموم، وغموض ونكران وشوق الى ايام ما عادت ملامحها ولا انفاسها موجودة، والى جمال وأصالة ورهافة روح ومشاعر تبخرت مع بزوغ شمس المادة، والقوة والتسلط المادي والمعنوي، وهدوء وبساطة وبراح جميل كان قد تلون بالخضار والجمال اكله زخم العصرنة والمعلوماتيه وانقلاب الهرم القيمي التقليدي، وانفلات الاخلاق والسلوك والأحوال.
عتبة النص تتمثل في ذلك الاهداء الغريب ” الى التي لن التقي بها أبدا”. الكاتب يرسل كلماته المفعمة باليأس واستحالة المأمول والمراد، كأنه “الرغبة المستحيل بلوغها والحصول عليها”، وكأنه أيضا اعلان صريح عن توجه النص في المجمل الى خياله القديم وذكرياته القديمة وايامه التي طويت ولن يلتقيها ابدا مرة أخرى. هكذا أخبره الهامه الذي يعرف تفاصيل خباياه وأحلامه الموؤدة التي غابت عن وعيه الظاهري المنشغل بتفاصيل الواقع المتحدي، وهكذا انعكست نصوص الكاتب اللاحقة لهذا الاهداء ايضا.
في نص “مدارات الشجن” يصحبنا الكاتب في ترحاله مع ايامه وذكرياته التي دارت عبر النص في مدارات زجزاجية متلاحقة تلف عبر أزمنة تأسست قاعدتها في مصر الملكية ومذياع يديره عجوز وقت شهر رمضان الكريم، وحنين الى ماضي بعيد. يقول الكاتب ” أدار زر المذياع، راح الراديو يبث شفرته، لعله يجد من بين رموزها برنامجاً ، أويسمع موسيقى وغناء يبعث فى قلبه ذكرى لحظات ماضية. أو ينصت خاشعاً لتلاوة شيخ من شيوخ زمن وحيد قد لايأتى غيره”. يأتي البث من قصر رأس التين الملكي في الاسكندرية وصوت الشيخ مصطفى اسماعيل.
“الزمن” في هذا النص له خصوصية مدهشة وقد تأثر بشدة بقوة شغف الكاتب وحنينه لأيامه الغابرة، ويعكس أيضا حالة اجتماعية/سياسية مرتبكة مرت بها البلاد، كأن الكاتب يجلس متمددا داخل آلة زمن تتوغل به داخل الماضي والحاضر في آن بينما هو يأتنس بمذياع جلبه له ولده الشخص الوحيد الباقي في حوزته في هذا العالم عقب رحيل الجميع، الزوجة الى السماء والابنة والابن بالسفر، وكذلك ولده الصغير جالب المذياع وزوجته بالانشغال في واقع مرير آني. الأفكار والذكريات تتأرجح أمام عينيه بين الماضي بحنينه ودفئه، والحاضر بقسوته وتغيراته التي أخرجت من جعبتها أبشع ما في داخل الانسان السوي. تبدو الدنيا أمامه قبل حركة الجيش عام 1952 وبعدها متباينة تماما، يرى نفسه وقد أصبح غريبا في عالم يموج بالعجائب والصراعات المدمرة والألم. المذياع لم يكن مجرد وسيط يربطه بعالم الاحياء في وحدته الأزليه بعد انصراف الجميع عنه الى شئونهم، وبرودة الواقع الذي اصبح متخما بالظلم وروح الهزيمة، بقدر ما أصبح صدى لداخله المحبط والمفعم بالحزن وانتظار نداء السماء. يقول ” الرجل أغلق المذياع ، وراح يقلب فكره، فيما سمع وعاش. وهو ينيخ ظهره على السرير بعد يوم طويل ومشحون .وعيناه تلمحان فى السماء نجوماً تتأهب للرحيل ، بعضها مطفأ وبعضها وامض. أنامله تتعلق بزر المذياع .. تأهباً لسماع أذان الفجر. وفى الخلف كانت فيشة الراديو العتيق، معلقة تتأرجح بعيداً عن مقبس الكهرباء”. هكذا تكون مدارات الشجن الزجزاجية التي تدور داخلنا ولا تتوقف. وهكذا أيضا تستمر عجلة دوران الزمن في نص “صفير الزمن”، حيث عشق الانحدار الى الماضي أماكن وشخوص، قاهرة الستينات، وجمال عبد الناصر، والخال الثري وزوجته التركية الجميلة في القاهرة والرحلة المعتادة اليهما من الاسكندرية في اجازات الصيف والمدارس. دائما هناك لهفة أو رغبة نكوصية للبدايات ولأماكن البدايات، ودائما يرسم الكاتب المبدع لوحاته السردية من هذا المنطلق. ودائما يصبح الزمن الذي ولى لدى محمد عبد الوارث مفارقا للزمن الحاضر وربما على النقيض منه، وربما يتسلل ويختبئ داخل عقله الباطن وينتظر لحظة الظهور كما حدث في نص “الدائرة الضيقة”، المكان داخل المسجد وقت صلاة الجمعة، وتأتي الدهشة في مفارقة “انشطار” الراوي نفسه الى نسختين في نفس اللحظة، احداهما في منتصف العمر استسلمت لأيامها وظروفها الخاصة بمرض خشونة الركبة، ونسخة أخرى صورة شاب جهر بالبكاء وبالرعب من غضب الله على ما اقترفه من ذنوب، كان ذلك أثناء حديث الخطيب فوق المنبر. وكأن العقل الواعي قصد اعلان ما استخفى على الشعر الأشيب، فظهر من خلال تلك النسخة الشابة التي جأرت في المسجد خشية ما ارتكتبته في الماضي من ذنوب، كأنها شكوى ورعب بالنيابة.
وفي نص “ثقوب خفية” يبدو الكاتب ما يزال مستغرقا في الولوج داخل عالمه الباطن (اللاشعوري)، علاقة رجل بزوجته وامرأة اخرى يساعدها في الخفاء من دون علم زوجته، وكيف تكون الثقوب الخفية تسكن في داخلنا من دون ان ندري، تسكن داخل عقلنا الباطن وتؤرقنا بشدة.
ويأتي نص “خمسة ملاعق صغيرة للغيب” كاشفا لحركية عملية التفكير والابداع في العقل الواعي لدى الكاتب، القلق الظاهري على المستقبل وطرق جميع البواب لاستشرافه، حتى ابواب الاساطير والخرافات.
ربما تكون هذه القضية محور انشغال المبدعين بمختلف اشكالهم وطبقاتهم واصنافهم، لكن كاتبنا القاص المحترف انشغل بها من زاوية قلق فتاة بمستقبل علاقتها بخطيبها ورغبتها الجارفة في ان تكون علاقة ايجابية مستمرة. هكذا ينشغل عقل الكاتب ورغبته معا فيما يتعلق بمستقبل ايامه ومستقبل بلاده.
النص انعكاس مباشر لعشق الكاتب السكندري بالمكان وبراعة التصوير اللغوي للتفاصيل سواء مكانية أو زمانية أو مشاعرية، واستدعاء تيمة فلكلورية نوعية وقديمة غير مألوفة (تنقل فتاته القلقة الى المستقبل وتطلعها عليه لعلها تهدأ وتطمئن)، بديلا عن غجريات ضرب “الودع” الذين كانوا يطوفون على الناس لقراءة الغيب، أو حتى قراءة قعر وجوانب فنجان القهوة المقلوب على الطريقة الموروثة الشائعة .
ان النص حاول الربط بين رؤية الواقع في صورة الفتاة وخطيبها واسطورة قديمة نبتت في عقل الكاتب يقول “من الغيب انفتحت عليه تلك المرأة الغريبة التي دُق عُنقها في جسدها ، ولولا ذلك الإيشارب الستانى المملوء بالزهور البلدية حول رأسها لبدت كرافعي الأثقال ، أكتاف ثقيلة وحركة جسم ليست مرنة. أخذت تطرق عليه كل الأبواب ، فهي تقبع في الهاتف وفى اللقاءات العامة وفى المواصلات ؛ وإن صافحته ضغطت على أصابعه كمصارع .كأنما تود أن تلفته إليها”. هكذا نلحظ تداخل عقل الراوي اللاواعي في الحدوتة مع العقل الواعي لكي يتحقق التوازن النفسي المطلوب مع فتاة الواقع الجالسة مع خطيبها تداعب اناملها الملاعق المخنوقة بالاشرطة القماشية لعل احداها يتحقق له الانعتاق لكي تطمئن ويهدأ قلبها.
ان فكر الكاتب لا ينفصل عن شخصيته ولا عن سلوكه وممارساته في تفاصيل الحياة اليومية التي تعكس قلقة على المستقبل، حينما يصرف جزءا كبيرا من وقته وجهده مع المبدعين الشباب في منتديات الابداع في الاسكندرية وغيرها اشرافا ودعما، وافساح المجال لمواهبهم الشابة لكي تتفتق في عالم الادب والابداع.
ان نصوص المجموعة الخمسة عشر انعكاس كبير لحرفية كاتبها وقدرته المميزة على توظيف اللغة السردية في انفاذ افكاره الابداعية المتميزة، كذلك تعكس نصوص المجموعة مبلغ شغف صاحبها بالتلاعب بالزمن واحتشاد ما يملك من خيال في خلق لوحات قصصية ابداعية متفردة ومتميزة تكشف عن الثقافة الجادة لمبدعها وتحرره من قيود التقليد والانفلات السردي غير التقليدي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “شدو الذكريات والغيب والقلق على المستقبل”

  1. الشكر الوافر للأديب والناقد والمحاضر في علم النفس دكتور أحمد الباسوسي .للدراسة النقدية التى تفضل بها عن المجموعة القصصية ” خمس ملاعق صغيرة للغيب ” الصادرة عن دار ” الراية توب ” بالقاهرة. وخالص التقدير للمجلة الثقافية بالجزائر ..لقد كانت الدراسة رؤية عميقة للكاتب والمكتوب ، للنفس وللادب وهو مايستحق منى الثناء والتقدير … تحياتى
    محمدعبدالوارث رضوان
    الإسكندرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق