قراءات ودراسات

حدود الشخصية وتحولاتها في المجموعة القصصية(حلبة الرهان الأصعب) لنور الدين الفيلالي

د. محمد دخيسي

تقديم: يغري قراءةَ النص السردي كثيرٌ من الفضول للبحث عن مكوناته الدلالية أو التركيبية أو غيرها. وتتعمق القراءة أكثر حين نكون أمام عينة سردية جد قصيرة، أو ما يطلق عليه القصة القصيرة جدا. هذا الجنس السردي الذي أبان عن قدرة في اكتشاف المجهول، وطرق باب المدلول بشتى نواحي التعبير، وبتشكيل أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه التشكيل الدلالي بأوجز التفاصيل، لكن بأدق الدالات وأقصرها. المجموعة القصصية (حلبة الرهان الصعب) لنو الدين الفيلالي[1]، تتضمن بين طياتها قصصا قصيرة جدا. وهي تشير بصورة أو بأخرى إلى أهم مكونات القصة القصيرة جدا كما حددها بعض النقاد المغاربة كجميل حمداوي في (القصة القصيرة جدا، أركانها وشروطها) و(من أجل تقنية جديدة لنقد القصة جدا، المقاربة الميكروسردية)، وحميد لحميداني في (نحو نظرية منفتحة للقصة القصيرة جدا) والقاص نورالدين الفيلالي في (القصة القصيرة جدا بالمغرب)، ومحمد يوب في (مضمرات القصة القصيرة جدا) وغيرهم.. إلى جانب نقاد مشارقة أحمد جاسم الحسين في (القصة القصيرة جدا) والسوري نبيل المجلي وسليم عباسي وغيرهم…

وقد أشار جل الدرسين إلى أهم مكونات القصة القصيرة جدا، فكان الاتفاق في الغالب على الوحدة والتكثيف واختزال الأحداث والحجم والمفارقة والسخرية والعجائبية والرمز والإيماء والقفلة وغيرها من الخصائص السردية والتركيبية. لذلك ارتأيت استقصاء جانب لم يشتغل عليه إلا قليلٌ من النقاد، فسِرت وفقَ تحديد أهم البنيات الدالة للشخصيات في نصوصه القصصية والبحث عن تحولاتها العلائقية.

الشخصية: البطل وتحولاته داخل المتن القصصي:

تعتبر الشخصية، أو البطل بصفة خاصة، أهم مكون في بنية النص السردية، وقد اخترت التعامل معه بوصفه دالا ثابتا في القصص المدرجة في المجموعة القصصية (حلبة الرهان الأصعب) لنور الدين الفيلالي لسببين:

أولا: كون الشخصية/ البطل تأخذ في غالب الأحيان صفة الروائي ذاته باعتماده ضمير المتكلم، لذلك اعتبرته جزءا من البينة الدلالية النصية.

ثانيا: اختراق المجهول، ذلك أن النصوص تحمل فراغات دلالية ورموزا تقف إلى جانب تحميل الشخصية أبعاد التأثير والتأثر. ومن ثمة قيامها بدور فتح مجال التعبير عن مكنوناتها، وتشخيص مواقفها والتدليل على رؤاها بسلطة الكلمة والدلالة.

وحتى نقف عند تحولات دلالة الشخصيات في النصوص نقسمها إلى:

1 الشخصية المحورية:

وهي الشخصية التي تختزل الأحداث حول ذاتها، مشكِّلة المحورَ القائم على تنشيط الشخصيات الأخرى. ونذكر من ذلك مثلا شخصيات القسم الأول من المجموعة القصصية (الجولة الأولى: عزف على وتر حساس)[2]، فالملاحظ أن القاص يعتمد تقريب المتلقي من اختصار الذات عبر تشظياتها في أفق الشخصيات الأخرى. إذ يتَعمَّد مثلا تثبيتَها بأرقامٍ متعددة دون ذكر الأسماء، لأنها أيضا اختزالٌ لأحداثٍ ووقائعَ متعددةٍ، أو أفرادٍ بصيغة الجمع. وهذا ما تشكله اللوحة الأولى في قصته التي تبدو أنه اختارها غير قصيدة جدا، لأنها تحمل من معاني ودلالات الواقع ما لا يسمح في تكثيفها، لكننا يمكن أن نعتبرها تجَمُّعاً لنصوص قصيرة جدا، تقتسمها الشخصيةُ المحورية، فتباعد بينها الأحداث المرتبطة بكل شخصية جديدة: شخصية رقم 2 أو 3 أو 4..[3] (رقم 1 السارد ذاته)

أما المثال الثاني فأشار فيه القاص إلى شخصياته من خلال صفاتها ومميزاتها الشخصية (“العلامة” و”مجنون الحكم”)[4] أو اعتماد القرابة العائلية “الجد”[5] أو استخلاص العبر من عجائبية الشخصية الحيوانية وأنسنتها حتى تصير معادلا موضوعيا لمقاربات إيديولوجية أو اجتماعية ذات طابع تحليل الواقع[6]. وغير ذلك من النماذج التي يستعير فيها الكاتب أسلوب الترميز والتعبير غير المباشر عن شخصياته.

2- الشخصية المتحولة:

ركز الكاتب نور الدين الفيلالي في تشكيله الثاني لشخصياته الذي تشكله الجولة الثانية (رقصة الشتاء والصيف)، على استنباتها داخل المجتمع، وذلك بتمكنه من استعراض حالات اجتماعيةٍ في الغالب، والتركيزِ على تحول الشخصية؛ وهنا تبرز الشخصية السلبية التي تناوئ من أجل كسب رهانها الصعبِ أمام أفراد من المجتمع. ونموذجنا في هذا الصدد قصتُه القصيرة (حداثة معطوبة)[7]، ويمكن القول قبل بداية تحليل الشخصيات، إن الكاتب يعتمد -كلما شارفت قصته على التحول إلى قصة قصيرة- على تقنية تقسيم نصه إلى محاور، حتى تبدو قصيرة جدا في جوهر كتابتها.

بالنسبة للشخصية الرئيسية في هذه القصة؛ فهي تتحول من امرأة غير مستسيغة للباس الذي اشترته، إلى امرأة مقتنعة في نهاية النص أن الأمر يتعلق بالحداثة، لكن الكاتب يركز على قلب (كلمة الحداثة دليلا على فهمها المقلوب).

ثم تتوزع أحداث النص عبر ثلاث شخصيات أساسية، وهي كذلك تتحول من موقف غير قابل لشكل المرأة إلى مقتنع ولو ضمنيا بالأمر المفروض. فصاحب محل الأزياء، يتحول إلى شخص مشكك في إتقان عمل موزع الملابس قائلا: “يبدو أن اللباس يتكون من ثلاث قطع، وليس قطعتين، ربما نسوا أن يرسلوا لنا القطعة الثالثة الرابطة بين القميص والسروال، سنتدارك الأمر في الدفعة القادمة.”[8]

أما الشخصية الثانية فهو الطبيب الذي يتحول أيضا من معالج وفاحص للمرأة طبيا، إلى معالج بنظرات إلى مناطق حساسة من جسمها حينما أخبرته ما وقع لها مع صاحب المحل.

ثم الشخصية الثالثة شيخ الحي، الذي لم يخرج عن قاعدة التحول، من غاضب على وضع غير معتاد عند الأجداد بقوله: “هذا حال من يتخلى عن لباس الأجداد، اذهبي واستري نفسك..”[9] إلى معاكس بنظرات لم يتغير سهمها عن المرأة.

كما نشير أيضا إلى تحول الشخصية من الواقع إلى الحلم أو من النهار إلى الليل في قصته (رقصة النهار والليل)[10]، وهنا نقترب أكثر من الشخصية الرئيسية في النصوص الأولى، أو بعبارة أخرى شخصية المؤلف الذي يحاول أن يمتلك ناصية التعبير عن قضايا اجتماعية انطلاقا من وقائعَ حقيقيةٍ، إما وقعت له مباشرة، أو سيقت في إطار حكايات مجتمعية لأصدقاء زامنوا حياته، وعرفهم بهواجسهم ورؤاهُم ومنحاهُم المسايرِ لتحولات العصر وهمومِ الشاب المغربي خاصة في العالم القروي، الذي يرى في انتقاله إلى المجال الحضري تنفيسا عن هموم يومية وهواجسَ حياتيةٍ متنوعة.

3- بين الشخصية الحقيقية والافتراضية:

عنون الكاتب نور الدين الفيلالي جولته الثالثة (الذاتية) ب (أشجان وهواجس ذاتية)[11]، ونسجل هنا تحولا من الشخصيات الحقيقية التي بدأ بها تجربته في هذا المؤلَّف؛ إلى شخصيات افتراضية تنتمي في الغالب إلى عالم الشبكة العنكبوتية (الرقمية)، سواء أكان ذلك بتمثيل نفسه شخصا افتراضيا انطلاقا من مشاركاته في إحدى المنتديات ليلا، فتلقيه التهاني والاعترافات بموهبته وبراعته، أم بانتظاره رد فعل المجتمع الحقيقي صباحا وهو ما خيب ظن الكاتب.

أخيرا استجمع قواه وتأكد أن هناك فرقا بين الواقع الحقيقي والافتراضي، وأن ما يسجل على صفحات النيت ما هو إلا رمز لواقع مجهول مغمور. يقول بطل القصة في آخر نص (سيرة روائي افتراضي):

“- ما بك عمي إدريس، ألم تقرأ ما كتبْتُ بالأمس؟

– قرأتُ هذا (وهو يشير إلى سجل الكْريدي[12])، شهران وأنتَ تأخذ حاجياتك دون مقابل، شهران لم تدفع ولا سنتيماً..” [13]

وينتقل في باقي نصوص المحور الثالث، صوب ذاته المبدعة، وينتهج طريق النقد الذاتي لبعض ما يكتبُ أو يكتَبُ في واقعه، وبعده عن القضايا الراهنة وتحديات العصر بكل أبعاده الاجتماعية والحضارية والثقافية وغيرها. وخير دليل على ذلك مؤشران لشخصيتين في نصين مختلفين، وهما رمز لشخص واحد هو بطل النصوص، والذي يمكن اعتباره معادلا موضوعيا للكاتب ذاته في أغلب الأحيان.

المؤشر الأول: تتحكم فيه واقعية الكتابة القصصية، والنقد الذاتي يتحمله أحد الطلبة الذي يثور في وجه أستاذه كونه إلى جانب أمثاله بعيدين عن واقعهم الحقيقي لكنه في الأخير تختلط عليه الأوراق ولا يستطيع الاستمرار في تتبع التجربة الروائية الجديدة، يقول في آخر نص (مسار روائي): “انقَضَتْ سنوات وعملُه لم يكتمل بعدُ، فكلما تتَبَّعَ حياة شخصية من شخصيات روايته يجدها قد (حرَكَتْ).”[14]

المؤشر الثاني: يتضمنه أفق توقع غير مرتقب، يشكله أيضا شخص البطل الذي يكتب نصوصه الإبداعية ليعرضها على قارئ معين ومتخصص في جنس السرد. هنا يقف مندهشا أمام وضعيتين:

الأولى حين يقدم عمله لشخص قصد قراءته وتقديم ملاحظات، فيقوم الشخص ذاته بعرض العمل على ثان حتى يصل إلى خامس الذي يعرض العمل على صاحبه الأول بالعبارة نفسها. وهذا دليل على ابتعاد الشخصيات الحقيقية عن واقع الكتابة، وعن حقيقة المبدع الطامح إلى رؤية انعكاس عمله على المجتمع.[15]

الوضعية الثانية، تمررها شخصية الناقد الذي يطلب من المبدع مقابلا ماديا لتوقيع عمله بتقديم أو قراءة. وهنا يكمن سر ابتعاد الشخوص الحقيقية عن واقعها، ونهلها من واقع افتراضي ومسارات لم يستطع الوصول إليها باتباع نهج التقييم والتقويم الفعلي.[16]

4- الشخصية المزيفة:

بانعدام التواصل بين المبدع وعالمه، وبين البطل وباقي شخصيات العمل الإبداعي، ينفتح النص القصصي القصير على عوامل مفترضة (ليست افتراضية)، وعلى شخصيات مزيفة تنأى عن الواقع لترى الوجود بعين سحرية مفتعلة.

اختار المؤلف عنونة الجزء الرابع والأخير بـ (تغريد خارج السرب)[17]، وهو دليل على وصول شخصياته الباب المسدود لمنافسة الواقع، فتبدأ بالتحليق في واقع آخر مزيف، واقع لا يمكن تحقيق الأمل به إلا بالصراع المتجدد.

نقرأ في نص (وجود): “في سن الأربعين/ وقف وقفة تأمل وتصحيح، أخذ مسافة معينة من نفسه، فتبَدَّتْ له فداحة الأخطاء التي ارتكبها في حياته…

في سن الخمسين، عاود وقفته التأملية التصحيحية من جديد، فوجد الأخطاء ذاتها..

فيما بعد، واصل مسيرة حياته بكل هدووووء…[18]

فما نلاحظه، أن هناك شخصية حقيقية راهنت على الواقع، لكن تناقضاته وما يعتريه من أخطاء وهفوات، جعلت البطل يتحول إلى شخص مراهن على صفة المواصلة الهادئة، وهي مواصلة في حقيقة الأمر لا تصل إلى ما كان يصبو إليه في بداية أمره.

كما نلاحظ الأمر ذاته حين ينصرف البطل نحو تشكيلات شعبية متشبعٍ بها، ويرى انغماس محيطه فيها، لكنه في المقابل يتأكد من زيفها وعدم جدواها وسط ركام الواقع المتردي، واقع الاهتزازات الباطنية لا “البطْنية”. ويتضح ذلك جليا في نص (مجد زائف) الذي قارب الرقصة الشعبية المعروفة بالجهة الشرقية من المغرب، وينزف دم البطل هالكا حين ينغمس فيها بكل أحاسيسه وحركاته. يقول: “صرخ بأعلى صوته قبل أن يرتطم جسده بالأرض، استجمع ما تبقى من قواه، وجثا على ركبتيه، نظر إلى الأعلى في شموخ وهو يبتسم:

قلتها… قلتها… قلتها…

ثم سقط ولم يبد حراكا.”[19]

تركيب:

من ملامح تركيز النص القصصي القصير جدا على الشخصية/ البطل، وباقي شخصياته؛ التعبيرُ المباشر عنها دون تفاصيل إضافية، وذلك راجع طبعا إلى ضيق الفضاء الخاص بالكتابة، ثم إلى كون هذا الجنس الأدبي يركز على الومضة الدلالية التي تغري بالتتبع والتلقي. لذلك نجد القاص نور الدين الفيلالي مهتما بالشخصية باعتبارها أسا إضافيا في فن القصة القصيرة جدا، وهو يحتوي الشخصية وينبتها في نصوصه إلى درجة طغيانها على الحدث.

كما أن قراءتنا للمجموعة القصصية (حلبة الرهان الأصعب) وضعنا أمام قوة الشخصية ودفاعها عن رأيها عبر مجالات ثلاثة أو جولات ثلاث كما عبر عنها المؤلف. وقد استطعنا أن نفك لغزها عبر أربع محطات أيضا متوقعين تحقق الرؤية التي قصدها الكاتب، ومتحاملين على بعضها رغبة استكشاف الخيط الرابط بينها.



– نو رالدي الفيلالي: حلبة الرهان الأصعب، شركة مطابع الأنوار المغاربية، وجدة، ط. 2012. [1]

– نور الدين الفيلالي، المصدر السابق،ص. 3.[2]

– المصدر السابق، نص (حلبة الرهان الأصعب)، ص. 3 وما بعدها.[3]

– نور الدين الفيلالي: ص. 10- 11.[4]

– المصدر نفسه، ص. 12- 13[5]

– المصدر نفسه، ص. 14 وما بعدها.[6]

– نور الدين الفيلالي: المصدر السابق، ص. 31.[7]

– المصدر نفسه، ص. 32.[8]

– المصدر نفسه، ص. 33.[9]

– المصدر نفسه، ص. 35.[10]

– المصدر نفسه، ص. 49.[11]

– الكريدي: كلمة فرنسية وهي تعني المديونية التي سجلها صاحب الدكان في حساب البطل.[12]

– نور الدين الفيلالي: المصدر نفسه، ص. 58.[13]

– المصدر نفسه، ص. 53، حركت بمعنى هاجرت إلى أوروبا في إطار الهجرة السرية.[14]

– المصدر نفسه، نص (سيرة رواية)، ص. 59.[15]

– المصدر نفسه، نص (مأساة)، ص. 64.[16]

– نور الدين الفيلالي: المصدر السابق، ص. 67.[17]

– المصدر نفسه، ص. 71.[18]

– المصدر نفسه، ص. 73.[19]

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق