حوارات هامة

الناقد وباحث أدب الأطفال د. كمال اللهيب:

((هناك آفاق جمالية جديدة في أدب الأطفال))

 حاوره: محمد المطارقى

هو أشبه بشريط من النور يسرى فى بقعة معتمة تمنحنا فيوضات من الإشراقات المحملة بالأمل.. هانحن الذين نتعاطى الكتابة عموما، والكتابة للطفل على وجه الخصوص، نطلق عقيرتنا فى الفضاء هل من ناقد حصيف، يعشق الطفولة ويبحث عنها فى مدن الإبداع الحقيقى ، فكما نحن بحاجة الى أقلام واعية تمتلك القدرة العجيبة على صناعة عالم من الأحلام الملونة، والبساتين المبهجة، نحن كذلك فى أمس الحاجة الى أقلام مضيئة، وأعين واعية يمكنها أن تفرز الثمار الناضجة من تلك الثمار الرديئة والمعطوبة .. والواهمة.. مدن الكتابة للطفل تفتح أبوابها لمن يود الولوج ويلتحم يكتائب المبدعين.. لكن الأقلام الحقيقية فقط هى من تبحث عنه.. يطلقون نظرات الترقب والانتظار.. هل من ناقد محب يأتى بأدواته الكاشفة ليعلن عن تلك الإصدارات النابضة بالحياة.. الخافقة بأجنحتها الزاهية لتؤكد أن ثمة مواكبة نقدية حقيقية تواكب هذا الزخم المتراكم عبر شوارع الزمن.. هانحن إلتقيناه.. ذلك الفارس النبيل، الذى قطع على نفسه عهدا أن يكون أحد هؤلاء المخلصين لهذا الفن المدهش..المهمش . فشارك فى العديد من الندوات والمؤتمرات.. والفاعليات المتعلقة بأدب وثقافة الطفل..
انه الدكتور كمال اللهيب الباحث عن الأدب والإبداع الحقيقى المهموم بقضاياه جنبا الى جنب العديد من الأعمال السردية فى الأدب عموما .. والطفل على وجه الخصوص
وهاكم الحوار:


• مالذى يمكن أن يحكيه لنا الناقد الكبير كمال اللهيب عن الطفل الصغير”كمال اللهيب” من حيث الأسرة، النشأة، المكان..؟

في البدء كانت أمي, وما تختزنه ذاكرتها من حكايا, وطريقتها التعبيرية في حكايات ما قبل النوم التي تجعلني أسمع كل حكاية وكأنني اسمعها للمرة الأولى, فأنفعل كلما اختطف “الديب” المعزة حاز والمعزة ماز والمعزة التي تضرب بالعكاز, ويعاودني السرور عندما تخلصهم المعزة الأم مكيدته, وأضحك من مواقف عم عمارة وزوجته كلما أوقعه سوء تصرفه في مآزق جديدة..فصوت أمي أدخلني تلك العوالم الأثيرة بكل بهجتها وسحرها,وكانت تكافأني بمجموعات من القصص, فقرأت داخل بيتنا البسيط بمدينة دمنهور “كامل كيلاني ومحمد عطية الإبراشي ومحمد سعيد العريان ويعقوب الشاروني وعبد التواب يوسف وعادل الغضبان ” وغيرهم, ولم أكن أعلم بالطبع حينها أنني أقرأ لرواد أدب الأطفال في أدبنا العربي,ومن هنا بدأ يتكون عندي مكان أثيريخصني وحدي أحتفظ فيه بتلك الأعمال, كان ذلك المكان هوالنواة الأولى لمكتبتي.

مكان آخر كان له تأثير كبير في سنواتي الباكرة, وهو درج يحتفظ أبي فيه بأوراقه, وكان مغلقا دائما, وأتذكر ذلك اليوم الذي أدار أبي المفتاح وفتح ذلك الدرج أمامي للمرة الأولى, ووقعت عيناي على هذين الدفترين بداخله, كان الدفتر الأول يدون أبي فيه مذكراته, وأعجبتني الفكرة واقتبستها منه وأحضرت كشكولا وبدأت أدون يومياتي وأنا في حوالي العاشرة,والدفتر الثاني كان يدون فيه بعض الأقوال المأثورة التي اقتطفها من قراءاته, وكان يذيل كل مقولة باسم صاحبها, وسمح لي بالاطلاع على ذلك الدفتر فصافحت عيناي للمرة الأولى أسماء مثل نجيب محفوظ وطاغور وتنسون وفرويد وشكسبير وتشيكوف وجان جاك روسو وإحسان عبد القدوس, ..وغيرهم. وبالطبع لم أكن أدرك حينها مكانتهم في عالم الفكر والأدب, ولكن تلك العبارات المقتبسة كانت بطاقات تعارفي الأول معهم.

أيضا كانت المكتبات من أماكني الأثيرة, فكنت دائم التردد على مكتبة الطفل بدمنهور ثم مكتبة توفيق الحكيم التي تقع مكانها الآن دار أوبرا دمنهور, ومكتبات المدارس والجامعة خلال سنواتي الدراسية وحتى تخرجي من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

• ماهى أهم الشخصيات التى استطاعت أن تترك أثرا عميقا وواضحا على شخصية الناقد والأديب كمال اللهيب؟

أدين بالفضل للكثير من الشخصيات التي ساهمت في تشكيل وعيي وتكويني الثقافي, ومن أقربهم إلى روحي اثنان,نجيب محفوظ الذي كان يجعل الفلسفة والفكر روحا تسري في جسد النص الفني, وزكي نجيب محمود الذي كان يجعل الفن روحا تسري في جسد النص الفكري والفلسفي, وكلاهما كان يمتلك وعيا عميقا بطبيعة مجتمعه وقضاياه المصيرية والمرحلة الحضارية التي تجمد عندها, ويمتلك رؤية كاشفة نحو المستقبل.

• من واقع مشاركتكم الفاعلة فى العديد من المؤتمرات، والندوات المتعلقة بأدب وثقافة الطفل.. برأيك هل يوجد لدينا بالفعل أدب أطفال حقيقى.. ؟

بدأ التأليف خصيصا للأطفال في أدبنا العربي الحديث مع أحمد شوقي عام 1898, بينما كانت بدايته في الغرب عام 1697 مع الفرنسي تشارلز بيرو الذي كان من أوائل من كتبوا خصيصا للأطفال, فبين البدايتين حوالي قرنين, تأخر فيهما أدبنا العربي عن مواكبة ذلك النوع الأدبي الناهض, ولهذا الفارق الزمني دلالته في التراكم الجمالي ودرجة رسوخ النوع الأدبي داخل الثقافة, ولذلك فالمقارنة قد تكون ظالمة.

ولكن على الرغم من المعوقات التي اعترضت بدايات أدب الأطفال العربي قيض الله عددا من الرواد استطاعوا في عقود قليلة نسبيا اختصار مراحل كثيرة للتطور, من أطوار الترجمة والتعريب والاقتباس إلى الإبداع الفني الأصيل,ولدينا مبدعين يقدمون نصوصا على أعلى مستوى من الجودة الفنية,ولكن التطور الأدبي لا يقف عند حد, ومازال في الانتظار العديد من الآفاق الجمالية التي تليق بأدبنا العربي.

• طفل الأمس..طفل اليوم. هل ثمة اختلاف فى بنية التلقى، والاستمتاع بالإبداع الموجه له؟

بكل تأكيد, فالذائقة الجمالية محصلة عوامل عدة أهمها التنشئة الاجتماعية والثقافية,كما أن للتطورات التكنولوجية الحديثة وتسارع وتيرة التغير في السياقين الاجتماعي والثقافي آثارها على الذائقة الجمالية,والمبدع الحقيقي يستطيع اقتراح آفاق جمالية جديدة وإبداع لغة أدبية تناسب ذائقة طفل اليوم, وتحافظ على ارتباطه بالكتاب, في ظل المنافسة الشديدة مع الوسائط الأخرى التي تتخطف وعي الطفل.

• متى يتم هدم الجدار العازل بين الجامعة بماتحتويه من أساتذة أكاديميين وباحثين ونقاد، وبين أدباء ومبدعى أدب الأطفال؟

بكل صراحة هذا الجدار العازل سواء في الجامعة أو في عموم الواقع الثقافي -في رأيي- ماهو إلا عَرَض لداء عضال مترسخ في ثقافتنا العربية, التي حملت ميراثا تاريخيا من النظرة الدونية لأدب الأطفال والمتعاملين معه مقارنة مع أدب الكبار,فقد ظل المناخ الثقافي العام ولفترات طويلة يغمط حق من يعرض لأدب الأطفال سواء بالتأليف أو التناول النقدي ولا يضعه على قدم المساواة في التقدير أوالمجد الأدبي مع مبدعي ونقاد أدب الكبار.

وهناك جهود بحثية مخلصة وقيمة لأساتذة أكاديمين ومبدعين على مستوى العالم العربي تثري المجال, ولكنها تقف عند حد الجهود الفردية, وهي أشبه بذخات المطر التي تتساقط كل حين وحين,بينما نحن بحاجة إلى تيار فكري دائم متواصل السريان ومناخ ثقافي عام يعطي أدب الأطفال والعاملين عليه التقدير المستحق.

فهذا الجدار العازل – كما وصفتموه حضرتكم – جدار فكري وثقافي في المقام الأول,وعندما يتغير الفكر سيتغير الواقع,وقد ظهرت في الآونة الآخيرة بشائر تفتح باب الأمل في تغيير قادم, قد يكون بطيئا ولكنه قادم وللأفضل إن شاء الله, سواء في أروقة الجامعة أو في بوتقة الحراك الثقافي العام.

• فى رأيك ، الدور الذى يتحتم على الجامعات العربية أن تنتهجه من أجل الوصول إلى عقل ووجدان الطفل العربى؟

إذا أرادت الجامعات العربية أن يكون لها دور في الارتقاء بأدب الأطفال, فعليها أن تتعامل معه بكل جدية كمكون أصيل من الأدب العربي,فتتم دراسته بعمق وعلى قدم المساواة مع دراسة التراث والاتجاهات الأدبية الحديثة والمعاصرة, وعدم حصره في الجانب التربوي والتعليمي, أو المناهج الفنية التقليدية, فهناك آفاق جمالية جديدة في أدب الأطفال ينبغي الالتفات إليها وفق أحدث المستجدات النقدية, عندها سيحقق أدب الأطفال العربي نقلة فارقة في مسيرة تطوره.

• هل كتاب الأطفال يعيشون فى جزر منعزلة.. والقارىء المستهدف يعيش عالمه ويستمتع به بعيدا عن أحلام وأوهام الكتاب ؟!

طفل اليوم أذكي مما نتخيل, ولن يقبل الوعظ المباشر أو الالتفاف عليه لتلقينه بعض المعلومات بطريقة غير مبدعة, وهو يستخدم الوسائط التكنولوجية ببراعة ويتعامل مع النصوص التفاعلية, وينفر من دور المتلقي السلبي, فهو طفل متساءل وترتقى تساؤلاته فوق “من” و”ما” لتصل إلى “كيف” و”لماذا”, ولا يقبل الاستهانة بوعيه, وكل كتابة لا تأخذ في اعتبارها هذه الشروط ستحكم على نفسها بالعزلة والخروج من دائرة اهتمام الطفل القارئ.


• ماتقييمك.. أو بالأحرى..شهادتك( كباحث وناقد) عن واقع أدب وثقافة الطفل فى مصر وعالمنا العربى؟

على المستوى الفردي هناك مشاريع إبداعية ناجزة وفارقة لمبدعين حقيقيين يعملون في صمت ويضخون دماء جديدة في أدب الأطفال,وهناك أيضا جهود ثقافية وبحثية قيمة يقوم بها أفراد أومؤسسات تسعى إلى إحداث حراك ثقافي وإبداعي فاعل وحقيقي داخل الوطن العربي, ولكن إذا نظرنا إلى كل هذا مقارنة مع الإمكانات الإبداعية والمادية والمؤسساتية المتاحة في الوطن العربي وما نأمل أن يكون عليه أدبنا للأطفال, نجدها قليلة جدا بالنسبة لما ينبغي أن يكون عليه الواقع الثقافي في عالمنا العربي.

وبكل صراحة يوجد الكثير ممن يكتبون للطفل ولكن القليل هم من يبدعون له,والكثير من النصوص التي تغرق أسواق الكتابة للطفل تستنسخ أو تقتبس تيمات ونصوصا بعينها أوتعيد إنتاج ما تم استهلاكه دون تقديم إضافة, وربما تكون لبعض دور النشر التجارية التي تتعامل مع الأدب كسلعة وترتبط بدورة رأس المال التي يريد الناشر تحقيقها يد في هذا الأمر.

قليلة هي النصوص المتفردة التي تتعرف على شخصية كاتبها بمجرد أن تقرأ أسطر منها, ولكن مع هذا فتلك النصوص الأصيلة -على الرغم من قلتها نسبيا- في عالمنا العربي تستشرف أفقا جماليا جديدا, ينتظر نظرية نقدية ينتقل معها أدب الأطفال العربي إلى مرحلة جديدة من مراحل تطوره, ونسأل الله أن يوفقنا في المساهمة في هذا الأمر.

• ثمة حالة من الزخم فى الكتابة للطفل.. هل تعتقد أن هناك مواكبة نقدية تفرز الثمار الناضجة من بين الثمار الواهمة والمعطوبة ، والرديئة؟

هناك تقصير شديد في الحركة النقدية الموازية للحركة الإبداعية سواء في أدب الأطفال أو الكبار, وغياب الناقد دفع الكتاب للكتابة عن بعضهم البعض,أما الممارسة النقدية بمفهومها الأصيل الذي يشكل تيارا موازيا للإبداع, يرصد الظواهر الأدبية ويفرزها وفق معايير مدروسة, ويعكف على تناول المشاريع الأدبية الكبرى بالتحليل وفق منهجيات وأجهزة اصطلاحية منضبطة,فيرصد مساراتها, ويكتشف ويتنبأ بالفتوح الجمالية الجديدة, ويستمد فوق كل هذا مقولاته من جوهر وطبيعة الظاهرة الجمالية محل الدراسة دون أن يفرض عليها قسرا مقولات محفوظة, هذا النقد الذي يسير جنبا إلى جنب مع الإبداع نحو آفاق جديدة للتطور هو غائب تقريبا عن مشهدنا الثقافي.

وكانت النتيجة بالأخير انحسار الضوء عن أعمال مبدعة والترويج لأعمال دونها,وغالبا ما يكون الترويج تجاريا دون القيمة الفنية, وعبر الوسائل المختلفة للدعاية والتسويق التجاري وليس وفقا لرأي نقدي يعتمد على القيمة الفنية للعمل, وربما أصبح للعلاقات الشخصية أو للشللية دور في هذا الأمر.

• مالذى ينبغى أن يفعله الأدباء الجدد فى مجال الكتابة للطفل للوصول الى مستوى يليق بهم كمبدعين، وبأطفالنا كمتلقين..؟

أن يؤمن الأديب إيمانا صادقا بدور وأهمية الكتابة للطفل فيفتخر بكونه كاتبا للأطفال بغض النظر عن العائد, ويخلص لفنه ويستنفر كافة قدراته الإبداعية في اشتقاق طرق جمالية جديدة تناسب الطفل المعاصر, ويطلع على ذخيرة الأدب العربي والعالمي للأطفال ويعمل على الإضافة إليها,مع التزود بمعرفة الخصائص اللغوية والنفسية والذهنية للطفل المستهدف داخل كل مرحلة من مراحل الطفولة.

• وأخيرا رسالة تود تقديمها فى نهاية هذا الحوار.. ؟

أوجه رسالة إلى الجامعات المصرية والعربية وعلى رأسها كليات الآداب أن تعتبر أدب الأطفال مكونا أصيلا من الأدب العربي, وتدرجه داخل مقرراتها الأكاديمية على قدم المساواة مع أدب الكبار, وألا تحصره في الجانب التربوي أوالتعليمي داخل كليات التربية والطفولة المبكرة دون الالتفات إلى جانبه الجمالي.

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق