قراءات ودراسات

السارد في رواية “الحب في زمن العولمة” ل صبحي فحماوي

د. عبد الحق الصديق- المغرب- فاس.

تتملص الذات الكاتبة من فعل السرد من أول إضاءة في الرواية، “أشعر الآن، أن أحد أولاد سعدالدين قد ركب رأسي، وانسل إلى داخل مخيلتي… واستحكم هناك، وبدأ يسرد من فمي حكايات، ويختلق شخصيات كثيرة، لرواية لا أفهم عنها شيئا! قال لي: اكتب اسمها (الحب في زمن العولمة)”. وعلى طول الرواية تتشظى الذات بين الأنا الكاتبة، “وهكذا بدأ يأمرني، وأنا أطيع بالكتابة”، والآخر الفضولي “كنت أتمنى أن أدخل في دماغ المؤلف،… فأوجهه ليأخذ (كاميرا فيديو) ويصور لنا بقلمه بعض معالم مدينة العولمة”، والسارد المتسلط “أحتج على دكتاتورية وفوضوية سعدالدين، هذا الذي لا يحل عن دماغي، والذي يسيرني على هواه”، بين ضمير المتكلم المفرد “أنا العبد لله كاتب هذه الرواية”، والمتكلم المثنى “ونحن أنا والسارد سعد الدين”، وضمير الغائب المفرد المتنوع؛ “كان الشواوي يحاول أن يطرد تلك الشرور”، “كانت ثريا فتاة لطيفة”…
هل نحن إذن، أمام سيرة ذاتية؟، بحكم حضور ضمير المتكلم المرتبط أساسا بالمؤلف/ السارد، وحيث أن عملية الاسترجاع في السيرة الذاتية، تتم غالبا عن طريق ضمير الأنا المتكلم الذي يتطابق مع السارد، والذي يتطابق هو الآخر مع الشخصية الرئيسة. وحيث أن السيرة “حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص” أم نحن أمام سيرة غيرية؟، بحكم أن السيرة “ليست تاريخ حياة فحسب، لكنها ـ إلى جانب ذلك ـ تاريخ لمختلف العلوم والمعارف المتصلة بالأشخاص المترجم لهم”، واعتبارا للحضور المكثف لضمير الغائب؛ حيث يطلعنا الكاتب على ترجمة لسائد الشواوي، فالترجمة حسب البستاني هي “ذكر سيرة شخص وأخلاقه ونسبه…”.
وتضيع هذه الاحتمالات والتأويلات حول من يتحدث، حينما تتداخل ترجمة شخصيات بعيدة عن عالم الكاتب، كما عن عالم الشواوي “قال الطفل عبدالسميع لأبيه سرحان الذي كان يعمل زبالا”، كما أن الرواية لا تنتهي على حياة المؤلف أو الشخصية الرئيسة، وإنما على مأساة شخصيةظهرت فجأة وترقت سلم الحياة والمال بسرعة ” جلست رهام متقاعدة في البيت، وهي محسورة على الأيام الممتعة التي قضتها في ربوع إدارة أموال دار الأيتام… وقال لها رتشارد: يا رهام (تايم إز موني)… فخلال شهر من هذا العمل معنا، ستستطيعين شراء فيلا”، ولكنها ـ وبسرعة أيضا ـ آلت إلى الفشل والسقوط المروع، كنتيجة مباشرة للطمع وللرأسمالية المتوحشة التي تنفثها العولمة “يبدو أن إغراء المال، شجع رهام وديفد على المضي قدما بتلك المغامرة… قفزت رهام من حضن ديفد، وهي تشاهد النيران المجنونة تقترب منهما… لقد وجدت الجثتان هامدتين على أرض الشركة، وهما متفحمتين!”.
تنفتح الرواية، في التنويه الذي اعتمده المؤلف مطلعا لها، على ضمير المتكلم المفرد/ الذات الكاتبة/ السارد، مما يوهم المتلقي في هذا الاستهلال، بأنه أمام سيرة ذاتية يستعيد من خلالها الروائي ذكرى طفولته البعيدة، “عندما كنت صغيرا، لم يكن لدينا شيء اسمه التلفاز، وكانت أمي زينب تحكي لنا حكايات قبل النوم”. فهو يعلن صراحة، ويعترف بأنه سيبوح بمعلومات سرية احتفظ بها لعقود، وأصبح من اللازم الإفراج عنها بحكم التقادم “وهذه المعلومات السرية، أبوح بها لكم، بعد أن احتفظت بها مدة خمسين سنة، ثم أفرجت عنها … السر الذي أريد أن أبوح به لكم… هو أن سميرة، زوجة لؤي الداري رئيس البنك المركزي كانت على علاقة خاصة بحسان جعفر، رئيس البلدية…”.

فعل البوح إذن، حاضر ومصرح به ومباشر بضمير المتكلم، الذي يوصف في اللغة العربية ب “ضمير الحضور… ومما له دلالته في السيرة الذاتية أن الضمير المتكلم يدل بذاته على المفرد… ويفهم من استعمال الضمير المتكلم، أن المؤلف يستوحي تجربته جاعلا منها بؤرة القول”، والسيرة الذاتية ليست إلا “تحققات نصية لخطاب ذاتي معلن ومؤسس على البوح”. وهذا هو حال أغلب كتاب السيرة الذاتية:( ـ فدوى طوقان: “لن تبرح مخيلتي صورة ذلك اليوم الحزيرانيالمشؤوم..”الرحلة الأصعب”، ص:7، ـ ستانسلافسكي:”ولدت في موسكو، في سنة 1863..”حياتي في الفن”، ترجمة: دريني خشبة، ص: 19، ـ عبد القادر الشاوي: “شرعت في كتابة هذه الأوراق..” “باب تازة”، ص:7)
لكن، وعلى الرغم من هذه المشيرات المرتبطة بفعل السرد، فإن الكاتب سرعان ما ينسل ويعطي الكلمة لشخصية (أسطورية) محورية في الحكايات التي عشعشت في ذهنه، وجاءت اليوم، بحكم انتمائها إلى عالم الجن، وركبت رأس الكاتب، حتى أن أول ما حكته، له صلة بالغيبيات “أشباح وأرواح”. وهكذا تنفلت، وبسرعة، خاصية السيرة الذاتية، لنواجه شخصية غيرية في فضاء معتم، وهي تحاول طرد الشرور والأحاسيس السوداوية التي تعصف بكيانها؛ إنه سائد الشواوي أحد رموز مدينة العولمة، والذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وداع صيته “لدرجة ان البنات صرن يغنين في حفلات الأعراس الشعبية، أغان باسمه كتاجر أراضي كبير (وقبل ما تجي داري، بيع أرضك للشواوي، وادفع لابويا مهري)”.
يحكي السارد عن هذه الشخصية بضمير الغائب “كان الشواوي…”، أو يخولها الحديث عن نفسها بالهذيان “بقي سائد الشواوي وحده في غرفة نومه، ولكنه استمر يهذي ويكلم نفسه: أريد أن يكون فنيو الدهان…”، أو ينمي الصراع بينها وبين شخصيات أخرى، من خلال الحوار، فتكشف وتبوح بحقائقها؛ “ـ قال لي المساح أبو خنفر: احمل أجهزة المساحة يا سائد! قلت له: حاضر سيدي! … ـ رئيس البلدية: الآن تستطيع أن تقول إنك مساح مرخص… فقال له سائد: البركة فيك يا سيدي الرئيس… ونظرا للمشادة غير القابلة للحل…والتي دخل الشواوي بين ثناياها، يشعل النار هنا، ويطفئها هناك… وبعد حوار طويل مع الأخوين، اشترى سائد الشواوي الأرض”، أو يقدمها على لسان متحاورين آخرين: “أف! هذا الشواوي يفكر بالمؤامرات ويخاف منها، كأنه الزعيم الأوحد! فقال عضو آخر: ـ يا ليته يخاف! المصيبة انه لا يخاف!… حجم القرش عنده كبير جدا، بحجم الرحى! فلا يرى خلفه أحدا”.كما يمنح الفرصة لمحيطها كي يحكي عنها؛ مثلا:
ـ فريديريش (الدكتور الألماني): “هذا الجهاز سوف يسحب من دمك الصفائح المقوية لجهاز المناعة، ويرسلها لوالدك”.
ـ بركات (السائق): “كان السائق بركات يجلس داخل سيارته، يضرب أخماسا في أسداس قائلا: إذا ضاع أبو سفيان، فقد أضيع أنا”.
ـ المستشارون: “عين أبو سفيان مستشارا ماليا له اسمه سامارو، جلبه من الهند…
حاول سائد الشواوي استقطاب مستشار ماليزي، فالتقى محمد منارات …
التقى في نيويورك رالف وود، الذي كان يعمل مستشارا …
وعين له استشاريا فلبينيا اسمه سندجار”.
أو يقدم أفراد عائلتها، ليبوح كل واحد بطريقته، ووفقا لقرابته وطبيعة علاقته بها؛ وهكذا تبرز البنت “ثريا” المصدومة بمرض الأب سائد. قال لها الطبيب: “ـ هل ستصيرين مديرة بنك في المستقبل؟ ـ أي مستقبل هذا يا دكتور! مستقبلي هو صحة أبي”. ولكنها سرعان ما استفاقت وحاولت الثورة على واقع الأب “كان مهران (الأستاذ) يقول لها مستغربا: أنت تعيشين حياة غنى مفرط، وتنطقين باسم الجياع والمحرومين..! فتقول له مؤكدة: أنا لا أحب الظلم، ولا نهب حقوق الآخرين، سواء بالتحايل أو بالقوة”. أما إحساسها اتجاه أستاذها مهران، والذي تكبله التقاليد والفوارق الطبقية والثقافية، فقد اصطدم بواقع الحب في زمن العولمة؛ “كانت تريد رجلا يحترم عقلها أولا، ثم جسدها ثانيا… كانت ترفض هذا الحب في زمن العولمة”.
كما تحضرالحاجة صفية (الأم): “قالت الحاجة صفية، (المتأسفة على نتيجة مسار الشواوي في درب العولمة المتوحش) الجالسة إلى جوار ولدها سائد: ليتك يا ولدي لم تترك المدرسة، ولم تشتغل في البلدية!..”.
هذا إلى جانب الزوجة أسمهان “ـ هل تحبين المال إلى هذه الدرجة؟ ـ أنا لا أكره النقود، ولكنني أحب والدي، الذي أنشأ كل هذا”، وصديقتها “سميرة” التي لعبت دورا تأثيريا في قرارات زوجة الشواوي.

تضيع الذات الكاتبة إذن، بين هذه الضمائر، وتطل علينا بين الفينة والأخرى لتذكرنا بأنها مازالت تؤدي دورا، وتتحكم في سير الأحداث، بل وتدخل مع المتلقي في جدال يصل أحيانا حد الغضب “يا أخي أهلكتموني بالأسئلة! بصراحة العجوز قد بلغ السبعين من العمر، ولم يرغب بالاستسلام للتقاعد الجنسي”، بل يصل إلى درجة التهديد بتوقيف السرد وإنهاء الرواية: “قلت لكم لا تسألوني كثيرا، وإلا توقفت عن السرد! وأنهيت الرواية!”.
أي نوع من الرؤية السردية إذن، يعتمدها المؤلف؟
من خلال المشيرات السابقة، وبحكم حضور ضمير المتكلم، يمكن القول بأن “الرؤية المصاحبة” هي المعتمدة في الحكي، أو ما سماه توماتشفسكي ب “السرد الذاتي”.
لكن اعتراف المؤلف / السارد بأنه لا يملك معرفة عن الشخصيات، “لا تسألوني كثيرا عن أشياء لا أوضحها، ذلك إما لأنني لا أعرفها ـ وأنا لا أعرف كل شيء”، يضعنا أمام رؤية مغايرة، هي “الرؤية من خارج”؛ حيث “لا يعرف الراوي إلا القليل مما تعرفه إحدى الشخصيات الحكائية”، وإن كان “تودوروف” يرى أن “جهل الراوي التام، ليس إلا أمرا اتفاقيا، وإلا فإن حكيا من هذا النوع لا يمكن فهمه”، وهذا ما ينسجم مع طرح الرؤية السردية الثالثة؛ فعلى عكس الاعتراف السابق بقلة المعرفة، نجد السارد يغوص مع الشخصيات في جزئيات مرتبطة بالتفكير والأحاسيس، والعواطف والأحلام “فلقد كانت هناك علاقة سرية محرمة بين (أبو سعفان وأبو سائد)، لا يعلمها الرجل الطيب أبو إحسان، سأقولها لكم وأمري إلى الله!”. ولعل هذا ينسجم مع “الرؤية من خلف”؛ حيث “يكون الراوي عارفا أكثر مما تعرفه الشخصية الحكائية، إنه يستطيع أن يصل إلى كل المشاهد عبر جدران المنازل، كما أنه يستطيع أن يدرك ما يدور بخلد الابطال”.
هكذا تبدو الذات تائهة بين ثنايا الرواية؛ تفرج عن معلومات من أرشيف ذاكرتها، تسخر من واقع العولمة الذي اختفت فيه القيم النبيلة، وسادت الانتهازية، وتفشى الجشع والطمع، وفقد الحب عذريته وهويته، فأصبح مجرد هواية أو مهنة للاسترزاق والمتعة العابرة “ـ هواية أم مهنة! المهم أنها ممارسة حب (في زمن العولمة)، ويتم بالرضا! “.
هكذا تصاحب الذات / السارد، الشخصية الرئيسة والشخصيات المحيطة بها، أو التي تشاركها قيم السطو والاغتناء والفساد؛ تصاحبها في رحلتها نحو القمة، كما في رحلتها نحو الفشل والسقوط المأساوي، والذي تنتهي معه الرواية
” + سائد الشواوي: أنا لم أطمح أن أكون رئيس بلدية … قرر سائد أن يكون عمودا من أعمدة العولمة … كان ينام قليلا، ثم يصحو، ويهذي كثيرا …
+ رهام: يا حسرتي على هذه المدينة المعولمة … أنا نفسي أولا … النقود عندي هي كل شيء … لقد وجدت الجثتان هامدتين على أرض الشركة، وهما متفحمتين! “.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق