قراءات ودراسات

واقع ضمير الأنا الذاتية في نص الشاعرة جميلة عبد الرضا (الكمنجات)

أيمن دراوشة*


النص:

وأنا مثل البنفسجة
أحنُّ إلى الكمنجات،

أدلفُ من ماء الشمس
كطائر الخُرافة

للكمنجاتِ روحٌ
وإسراء العائدين

أنا ابنةُ الجرّح المُغنّى
افردْ لي قميصَ الشوق
أغني على نبضك

الوترُ مشغولٌ بقوسٍ
السحاب
والمدى متوغلٌ في دنيتي

أنا الآتيةُ من
دوالي الحنين
أتكسّرُ على الكمنجة
اتهجّى لغتي

إن المتأمل في أشعار الكاتبة جميلة عبد الرضا ما فتئت تتأسس على انقاض نصوص أخرى تستدعيها وتتأثر فيها ، وتنهل من صورها التخيلية والرمزية الشيء الكثير ، فبراعة الصورة واستخدام الرمز هو ما يميز كتابات الشاعرة حتى كأنك لا تستطيع الإمساك بالمعنى لتعقيد الصورة وغرابة الرمز :

أدلفُ من ماء الشمس
كطائر الخُرافة

للكمنجاتِ روحٌ
وإسراء العائدين

في هذا النص الغرائبي لشاعرة واضحة نجد صوت الأنا ، هذا الصوت الذي طغى على القصيدة فأكسبها قوة بتزكيتها مرة وتوكيدها مرة أخرى.

وأنا مثل البنفسجة
أنا ابنةُ الجرّح المُغنّى

أنا ابنةُ الجرّح المُغنّى

أنا الآتيةُ ….

وصوت الأنا يصدح أيضاً من خلال الفعل المضارع أدلف/ أتكسر / أتهجى / أغني…

ومن خلال هذه البنية بنية الضمائر تصف الشاعرة ذاتها فهي البنفسجة تحنُّ إلى الكمنجات ، وهي ابنة الجرح المغنَّى ، وهي الآتية من دوالي الحنين ، هذه الكنايات الغريبة هي تعبير عن ذات الشاعرة وصفاتها.

يقول رولان بارت : ( أن الكتابة وتر مشدود بين الحرية والتذكر وبين الاتباع والإبداع ، بين الاسترجاع والاستباق )

وهذه القصيدة ما هي إلا نوع من هذا النوع تتذكر فيما تستشرف وتسترجع فيما تستبق وتستعيد فيما تتقدم.
وبعيدا عن الارتجالية والمزاجية فالبنيوية هنا تفرض نفسها فالنشاط البنيوي يعني التفكيك وإعادة التركيب ومعرفة المجهول بالنص.

(الكمنجات) مصطلح جمع اتخذته الشاعره عنواناً لها ، هذه الكلمة تثير فينا إيحاءات عدة حتى بمعزل عن النص .. الكمنجات هي الماضي والذكريات.. هي الحنين والغربة.. هي الألم والفرح .. هي الشوق والعتاب.. فلا غرابة أن نتكسر على أوتارها…

لقد استحضرت لنا الشاعرة مفردات عدة في مصطلح واحد هو (الكمنجات) مما جعل منها الذات المحاورة والمشخِّصة للواقع.

كما لجأت الشاعرة إلى استخدام الألفاظ الموحية أي الدالة على النغم بدلالة بعيدة ترمز للمجهول ، فعزفت لنا على الوتر الحساس وهو وتر مكسور..

(المغنى / أغني / الوتر / الكمنجة  ..)

هذه المفردات هي صورة الإنسان فتتحول أنا الذاتية إلى نحن الجماعية وهو واقع أنا المقهورة (المكسورة).

* قاص وناقد الأدبي أردني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق