ثقافة السرد

فصام

قصة سيلفينا أوكمبو ترجمة عبداناجي آيت الحاج

 كانت مسنة ، كان من الواجب احترامها لسنها ؛ ذات ذوق رفيع ، بقسمات منتظمة ، كان لابد من امتداح الجمال الذي حافظت عليه ؛ أكلت كثيرًا ، كان عليها أن تحمد نضارة صحتها ؛ مهتمة بحياة الآخرين ، تعرف حياة و قدرات جميع الناس الذين بالكاد تعرفت عليهم ، كان من اللازم الإيمان بروحها السخية ؛ كانت غنية ، وكان لابد من خدمتها والاستفادة من مزايا وضعها الاقتصادي ؛ كانت عاملة ، وكان يتوجب الإعتراف بفضائل روحها ، فهي و إن لم تكن محتاجة إلا أنها كانت تشتغل. كانت تدعى فالنتينا شيلدر.
في هذه القصة ، لأنني صادقة ، ستظهر عيوبي وفضائل فالنتينا شيلدر. كل هذا هو جزء من خطة فالنتينا شيلدر العدوانية الشاسعة. أن أقضي ، أيضًا ، على الجزء اللطيف و السخي من شخصي، لتحويل نفسي إلى وحش ، و الخروج سالمة أمام الرأي العام و هو الوحيد الذي كان يهمها عموما ، يعود إلى قدراتها.
تأخرت حتى ألاحظ نواياها ، لقد كانت ماكرة و تخفي كل مشاعرها . كانت تبدو سعيدة ، خاصةً عندما تتحدث في مواضيع خليعة ، قذرة أو قاسية. كانت تعرف سيرة كل الناس الذين كانوا يترددون على المستوصف الذي كنا نعمل فيه ، والمنازل المجاورة و حراسها، الساحة التي كنا نتشمس فيها أحيانا ، المتاجر التي كنا نشتري منها ملابس العمل والشاي والقهوة.
عندما كانت تكمل فالنتينا رواية قصة زنا أو حب فاسق ، التي تكون خاتمتها سيئة فإن ضحكتها الصاخبة كانت تملأ الغرفة. كانت تكرهني و كرهها لي لم يكن يضاهيه سوى كرهي لها. كنت أكره تغذيتها
بالمشاجرات اليومية ، والكلمات الوقحة ، و نظراتها الشزرى كسكاكين تثخن الروح. في أيام الجو النظيف ، عندما كان يقترب هطول الأمطار الغزيرة ، بالمستشفى كان بالإمكان سماع أصوات الوحوش في حديقة الحيوانات. لا أعرف لماذا كنت أشعر بالسكينة لسماعها. ربما كنت أفكر فيما كنت سأفعله بفالنتينا شيلدر لو كنت وحشًا مفترسا أو لو وجدت بمعجزة فالنتينا شيلدر نفسها محتجزة في قفص معي. كانت تتمتع فالنتينا شيلدر بسعادة بدائية: تلهمني مشاعر إجرامية تتعارض مع أفكاري الدينية ؛ لهذا السبب ، يمكن تخمين الدافع المقلق لهدوئي ، كانت كذلك تبتسم عندما تحمر الحيوانات المفترسة .
كانت تعرف أن يوم الانتقام يقترب: كان الجزء الأساسي من حياتنا ، والباقي صبيانيات. إذا اضطررت الآن إلى سرد تفاصيل معاركنا ، ربما لن أستطع. الكثير كان حول العلاجات ، والكثير حول الطعام ، والكثير حول الحيوانات الأليفة والمبيدات الحشرية والملابس المناسبة للوقت و الأعمار ، والكثير حول طريقة تسمير إبرة الحقن (هل مباشرة بالإبرة أو بالمكبس و تعديلها على الإبرة) ؛ الكثير حول العلاج النفسي والأخلاقي. في بعض الأحيان كنت أجش دون أن أتحدث معها ، بفعل الصراخ الذهني ، في أحيان أخرى كنت أشعر بأذى بذراعي بفعل ضربات خيالية قد اعتدت عليها في منتصف نقاش ساخن. أنا تشوهت. و هي طبعا كانت تشيخ بتلك الخصال القبيحة التي تميزها .كل إهانة جديدة كنت أوجهها لها كانت تسلط ضوء يلمع على وجهها.
– لسان سليط. بغلة فرس وقحة منحطة بئيسة – لم تشمئز من أي كلمة مبتذلة رميتها في وجهها مثل حجر. كانت تتقبل الكل بابتسامات. ثم لتوبخني ، لتشهر بي ، سم القيل والقال كان يسقط كالندى من شفتيها. في بعض الأحيان ، أمام أي كان كانت تعشق إسماع تشدقها ضدي. كي تلهب رغبتي في الانتقام ، لم تحتقر أي خيانة . أمام من يريد سماعها ، كانت تتهمني بالفجور والفساد والاختلاس والكراهية والقسوة. إذا قمت ، بناءً على أمر طبي ، بإيواء شخص مريض ، كانت تسرحه حتى لو كان في ذلك موته. إذا أعطيته عصائر فواكه ، كانت تقول أنها سم. إذا حدثت رجلا يحتضر ، محاولاً تسليته بكلمات أمل ، كانت تدعي أن ذلك يرفع من الحمى لديه .و كان الأطباء يستمعون إليها فيأتون ، دون أن يخبروني صراحة ، و ينظرون إليّ بانعدام ثقة. كنت وحدي هدفا لعدوانيتها، كان يحدث هذا طوال الوقت تقريبا ؛ و في أماكن استراتيجية ، على سبيل المثال على حافة نافذة دون درابزين ، تطل على الفناء الداخلي للمؤسسة ، أو عند صعود سلم ، عالٍ لتغيير مصباح أو عندما يكون وراءها سخان بريموس ، على وشك أن ينفجر ، أو عند صعود طاولة هشة ، بالكاد تتحملها ، لضبط ستارة قماشية ، تزن قنطارا. بدفعة أصبع كان يمكن الانتهاء منها في لحظة أو تركها مشلولة لبقية حياتها. كانت تحب العروض المخيفة ، وكانت تحب وجهي المرعب.

في أحد الأيام خرجت و إياها لوحدنا من أجل شراء ملابس بيضاء لموظفي المستوصف. على بعد مسافة قصيرة من المتجر ، رأينا سيارة مهشمة أصابت جدارًا. أراد فالنتينا أن ننظر عن كثب. اضطررت لمرافقتها. فتحت باب السيارة ، بحثت عن بقع الدم. عندما وجدتها انشرحت. في يوم آخر ، أرادت أن ترى الشقة التي توفي فيها زوجان بسبب تسرب الغاز من سخان المياه. لرؤيتها، طلبنا الإذن من البواب ، الذي اعتقد أننا مجنونتان. كدليل ، أرانا المكان ، و هو يروي علينا القصة المروعة. كان الطبيب ، صموئيل سيكال ، رئيس قسمنا ، يقدرنا سواسية ، لكن فالنتينا شيلدر لم تكن تتقبل ذلك. كان صموئيل سيكال يعتني بمرضاه بتفان مثالي. كان يفحصهم بدقة متناهية. لقد أنقذ أرواحا ، لكن في إحدى المناسبات لم يحالفه الحظ. المريض ، الذي لم يكن لديه مرض من العالم الآخر ، كان يشتكي من الآخرين. صموئيل سيكال اعتقد انه كان جادا وذات يوم كان أكثر دقة من المعتاد. أعلن لزملائه ، الذين كانوا يحيطون بالسرير ، أن المريض قد تجاوز مرحلة الخطر. كان الرجل يبدو متعافيا لأنه لم يكن يشتكي ؛ إلا أنه كان قد مات. فقد صموئيل سيكال مصداقيته منذ ذلك اليوم ، فأصبح روحا في الحزن. بالنسبة له نحن نتعارك مع فالنتينا شيلدر. انتهينا من تناول وجبة الإفطار. كانت أدوات الجراحة قريبة. كان مشرط يلمع عندما قالت لي أنني أدافع عن صموئيل سيكال ، لأنه عشيقي. وأضافت: “كي يراك ، ترك المريض يموت”. أخذت المشرط ، و عند سماع ضحكتها المتلعلعة ، انقلبت نحوها ، غارسة في رقبتها. سقطت ثم أخذ الدم يجري ، يرش مئزرتي ، تواصل ضحكها. ميتة ، استمر صوتها البهيج في غضب ينتشر صداه عبر غرف وممرات المستوصف.

سيلفينا أوكمبو
ولدت ببوينيس سيريس سنة 1906 و توفيت بنفس المدينة سنة 1993. كاتبة أرجنتينية ، شقيقة الكاتبة ومؤسسة مجلة “الجنوب” ، فيكتوريا أوكامبو ، وزوجة الروائي الأرجنتيني الكبير أدولفو بيوي كاساريس. وهي كاتبة مبهرة للنوعية الأدبية لقصصها ، وقد دخلت تاريخ الأدب الأرجنتيني في القرن العشرين بسبب القسوة المحيرة التي عرفت بها طباع بعض أبطال قصصها.
ولدت في أسرة متجذرة بعمق في الأوساط الثقافية الأرجنتينية ، وقد توجهت أولا نحو الفنون التشكيلية. ولكن بعد تلقي دروس الرسم على يد جورجيو دي شيريكو ، تخلت عن الفرشاة ودخل عالم الأدب الذي خلدت فيه إسمها .
ظهورها في بانوراما الأدب الأرجنتيني كان بكتاب قصص: رحلة منسية (1937) ، الذي بعد مرور السنين سينتهي محتقرا من طرف الكاتبة نفسها. بعد ذاك العرض المتواضع في السرد ، عادت إلى المكتبات بكتابها الأول في الشعر بعنوان : قائمة الوطن ١٩٤٢ ،
، ظهر فيه الميل لاستعادة النماذج الكلاسيكية من الشعر القشتالي القديم. بذلت جهدا مماثلا في مجموعتها التالية من القصائد ، المساحات المتريّة (1945) ، والتي تبعتها ، في حقل الشعر الغنائي ، منشورات أخرى مثل قصائد الحب اليائسة (1949) ، الأسماء (1953) ومختارات صغيرة (1954 . بعد فترة طويلة من الصمت الشعري و التي خلالها اهتمت بالنثر الأدبي ، عادت في عام 1962 و قدمت مرة أخرى إلى المطبعة مجموعة أخرى تحت عنوان ” المر للحلو”التي سرعان ما اعتبرت واحدة من أفضل إنجازاتها في هذا النوع من الكتابة . وأخيراً ، نشرت في عام 1972 آخر ديوان شعري لها بعنوان “أصفر سماوي”.
لكن أعلى المستويات الأدبية وصلت إلبها سيلفينا أوكامبو بمجهوداتها و اجتهاداتها في السرد الخيالي، والتي ساهمت فيه بنماذج قيّمة في شكل مقالات و أنطولوجيات . في إطار واحدة من الاتجاهات التي تجمعت حول مجلة الجنوب ، والتي شكلها مؤلفون ذوو مكانة عالية أمثال: خورخي لويس بورجيس وأدولفو بيوي كاساريس ومانويل بييرو وإنريكي أندرسون إمبرت ، عملت سيلفينا أوكامبو على رفع مستوى الأدب الفانطاستيكي و البوليسي إلى فئة اجناس الترتيب الأول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق