قراءات ودراسات

شعرية الهوامش قراءة في ديوان ما تنتظره لن يمر من هنا

بقلم: أحمد سراج

المحتويات

جدلية الهامش والمتن. 2

مراوغة العتبات.. 5

اللفظ والمعنى وتكوين العالم 6

العالم بوصفه أنا 6

النص بوصفه العالم

7

 

مفتتح: أين الشعرية في نص يبتعد عن المجاز؟

القراءة: يبدو ديوان عاطف عبد العزيز نموذجًا مثاليا لقصيدة النثر العربية؛ عبر قدرته على تحقيق قسم كبير من جماليتها؛ وسأركز على بعض النقاط:

جدلية الهامش والمتن تبدو شدس المنطقة السكندرية التي يتحدث النص عن كونها المقر الآمن والمعهود لممارسة اللذات، نموذجنا فالمنطقة هامش بالنسبة لنا جميعًا لكنها في النص تتحول شيئًا فشيئا إلى متن لجزء من حياة الشاعر.

قبلما تسوقني الظُّروفُ،

لم أكن قد سمعتُ بهذا الاسم .. ( شُدْسْ )،

إنها الضَّاحيةُ السَّكندريَّةُ الغامضةْ،

التي وقفَتْ على الحدودِ من كلِّ شيء؛

الفقر واليسار،

المنع والإباحة.

ثمة متناقضات بينها أعراف؛ فزمان متحرك بين ما قبل المعرفة وبين زمن المعرفة، وانتقال من الغياب إلى الحضور، من الجهل إلى المعرفة، وكأن هذه المنطقة أيضًا تقف على الحد الفاصل بين نقيضين الفقر/ اليسار. المنع/ الإباحة، ومن ثم العدم/ الوجود، وكأن هذه المنطقة هي الشاعر الذي يقف بين النقيضين دائمًا، ويتحرك بينهما بما يطرح سؤالاً إنسانيًّا بالغ المرارة: هل سيكون مصيري كمصير شدس.

الثَّمانينياتُ كانت تتعثَّرُ بعدُ في بدايتها؛

بينما الإسكندريَّةُ تلقي نظرةً أخيرةً

على الزَّمنِ الجميل،

بقايا حلاوتها كانت ما تزال حاضرةً

في البيوتِ والشَّوارعِ،

الزمان والمكان متعينان فهما حاضران بالتحديد، فائتان فهما غائبان بالانقضاء، وما يبقى هو الأعراف (بقايا)

كانت الشقَّةُ ضيِّقةً ومفتوحةً

على السَّطح،

أثاثها رثٌّ، وسباكتُها تالفة.

تنقطعُ عنها المياهُ بالنَّهار،

ثمة رمزية إلى أن المكان ماضٍ إلى زوال وهو يقاوم، إنه فعل الزمن والإهمال، والاحتياج الوقتي، فمن يهتم بشقة لذة عابرة مع امرأة عابرة في مدينة عابرة.

الغريبُ ..

أن وصايا الأصدقاءِ ذهبتْ حيثما ذهبتْ

وصايا الأم؛

إذ لم يُقدَّرْ لي – في أيِّ وقتٍ – أن أُنهيَ علاقةً

واحدةً من جانبي.

والأغربُ ..

أنني أحببتُ تقريبًا – كلَّ النِّساءِ

الغرابة هنا، ليس مردها الدهشة من التحول من إلى، ولا عن إلى، وإنما في كيفية إفلات الشاعر من أسر العوالم المتناقضة: الأم/ الفضيلة، والأصدقاء/ الرذيلة المقننة، إلى عالم خاص، إن استسلام الشاعر على تقدم قدرته “عن الصباح البعيد” لأن تفلته المرأة، وحبه لكل النساء، لا العواهر، وقد قصد الشاعر هذا اللفظ الذي يوحي بالوقار، فهو لفظ قرآني، وهو أرقى ألفاظ وصف المرأةـ ولو رأينا كيف تحرك الناص عبر عدة مفردات تبدأ بالعاهرة وقمة سلمها النساء، ولو أخذنا في الاعتبار ما يقوله اللغويون عن هذا اللفظ “النساء” ولنقرأ لسان العرب: النِّسْوةُ والنُّسْوة، بالكسر والضم ، والنِّساء والنِّسْوانُ والنُّسْوان: جمع المرأَة من غير لفظه ، كما يقال خلِفةٌ ومَخاضٌ وذلك وأُولئك والنِّسُونَ، والنساء جمع نسوة إذا كثرن ، ولذلك قال سيبويه في الإضافة إلى نساء نِسْوِيّ ، فردَّه إلى واحده ، وتصغير نِسْوةٍ نُسَيَّةٌ ، ويقال نُسَيَّات، وهو تصغير الجمع.

هذا اللفظ الذي يقترن بتوهم الحمل، وباكتمال المرأة خلقًا، فيما يدل معناه التداولي الآن على غاية الاحترام، ألم يقصد الشاعر به احترام من لا يكن له المجتمع احترامًا، أليس في هذا تهميش للمتن؛ المجتمع الفاضل والرذيل، فيما يتحول الهامش/ معطيات المتعة إلى متن.

هذا الصَّيف،

بعدما عاد الجسدُ تمامًا من تغريبتهِ،

وتغيَّرَ كلُّ شيء،

حاولتُ الوصولَ إلى شُدْسٍ

دون جدوى؛

إن فجيعة الشاعر على بؤرة الفساد/ جنة اللذة، مبررة تمامًا ليس فحسب لفقدانه ذلك المكان بنكهته وبرائحته، وإنما لأن ما حل مكانها من كتل خرسانية وطوابق عالية قد أسقط ما كان من إنسانية فيها.

ويأتي الشاعر نفسه الذي يصم نفسه بكل أريحية بكونه “السلبي” بما يستتبع ذلك من هامشية؛ ليصبح وفق ترتيبه لعالمه متنا مؤثرا وقادرًا على أن يحتل صدارة المشهد وعلى أن يمتلك الحلول لمن يعرفهن، مع قدرته – وهي لا تتأتى لكثيرين – على أن يقدم الحلول، ومع إصراره على ألا يقدم هذه الحلول.

أدركتُ مبكِّرًا أن ملامحي

فيها شيءٌ حزين،

نعم ..

أنا السَّلبيَّ الذي لا يكفُّ عن إلقاءِ النكاتِ

حزينٌ .. حزين.

أدركتُ مشكلتي

حين وجدتُني هدفًا للنِّساءِ

الخائبات.

مراوغة العتبات

هذا كلام مرتبط بما سبقه وما سيتلو، فالمراوغة علامة من علامات هذا الديوان؛ وتنشأ هذه المراوغة من استخدام لفظ أو تركيب أو سرد لحدث، فيما يود الناص غير ذلك، أو ضد ذلك، ولتكن العتبة الأولى للنص هي محور الكلام.

عنوان الديوان: ما تنتظره… لن يمر من هنا.

يأتي هذا التركيب اللغوي الدال على الصمود والمقاومة والثورية، نقيضُا لما يريده الشاعر؛ فنحن حين نتحدث عن “ما” التي تدل على العاقل وغير العاقل، وحين نتطرق إلى “لن” النافية لحدوث الفعل في زمن المستقبل، وعن عود الضمير “الهاء” في تنتظره، على مبهم غير محدد ” كأننا أمام ثوري يقسم في وجه طاغيته، لكننا حين نلج النص، لا نجد صراخًا ولا طاغية، فقط نجد عالمًا جديدًا، تم التوافق على وضعه، أو قل تم إنشاؤه لإراحة الشاعر من الصدام.

اللفظ والمعنى وتكوين العالم

لا تدخل ألفاظ النصوص المركزية بوصفها ألفاظًا تم استدعاؤها لنجاحها في أداء وظائف سياقية سابقة، بل يتم إعادة إنتاج لمعنى جديد عبر دخولها في النص الشعري، فيعلو معناها النصي عن معناها الجمالي وعن معناها التداولي، بما يخدم رؤية الناص ويساهم نهاية في تكوين العالم الذي أراد النص أن تكون.

هنا في هذه النصوص تستطيع وبقليل تدبر أن تكتشف شعرية تميز صاحبها، ليس عبر وجود صوته الخاص المبني على كلامه الخاص، وهذا بحاجة إلى توضيح بسيط؛ فاللغة مصطلح دال على كلية مفردات وشمولية قواعد، أما الكلام فهو خاص بصاحبه دال عليه هو لا غيره، وقريب من هذا المعنى تفسير مصطلح الأسلوب.

مع ملاحظة أن هذه الألفاظ المركزية لا تتكرر كثيرًا، مثل لفظة النساء التي تكررت ست مرات فقط، بل ربما لا تتكرر أصلا مثل لفظة السلبي.

العالم بوصفه أنا

فيما ننهمك نحن في إحدى معركتين أو في كليهما؛ مع أو ضد، مع النموذج المهيمن السائد أو ضده، مع النموذج الشارخ أو ضده، ينصرف عاطف عبد العزيز إلى تكوين عالمه الخاص الذي لا هو مع بالكلية، ولا هو ضد بالكلية، بل هو غير مشغول بهذه المسألة برمتها.

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق