ثقافة السرد

السجين زد

صلاح معاطي

وعندما عدت بعد الظهر إلى منزلي أخذت أفكر من جديد، لكن هذه المرة كنت أحس بوخز في ضميري.. مرت الساعة وأنا مازلت ممسكا بقلمي والتقرير أمامي على المكتب تتصارع داخلي أفكار عديدة..
ماذا أسمي ما سأفعله؟ ضميري وأخلاقي ومبادئي وشرف المهنة والقسم الذي أقسمته يأبى علي أن أفعل.. لكن شيئا آخر يدفعني إلى ذلك.. إجراء تجربة فريدة من نوعها لم يجرؤ على القيام بها إنسان لإنقاذ البشرية من خطر محقق يكاد يفتك بها . التجربة محتملة الفشل والنجاح، ولن نخسر شيئا. سيموت صابر إن عاجلا أو آجلا. لقد أخبرني مأمور السجن أن تنفيذ حكم الإعدام سيقع في الثامنة من صباح بعد غد. وذلك بعد إجراء الفحوصات اللازمة على السجين والتوقيع على التقرير الطبي. يالها من فرصة سانحة. لكن لو اكتشف إنسان الحقيقة ستكون كارثة..
لا. لن يكتشف أحد شيئا. فأنت الطبيب الوحيد المعين للكشف على السجين، وسيكون تحت رعايتك في المستشفى.. لا تتردد يا دكتور هشام. لا تتردد..
هكذا قلت لنفسي وأنا أخرج من درج مكتبي مفكرتي الخاصة، ورحت أقرأ بعض السطور..
الخميس أول فبراير: تم ترشيح العينة بالمرشح الميكروسكوبي وتركيزها وفصلها كيميائيا، وأجريت عليها بعد ذلك عمليات سحق وعصر وضغط فنتجت بلورات من مسحوق أبيض ناعم حفظ في زجاجة بالمعمل.
السبت 10 فبراير: الحالة رقم 1.. مريض يحضر إلى المستشفى صباح اليوم يشكو من أعراض غريبة.. شعور بالكسل والإرهاق مع سعال خشن، ارتفاع في درجة الحرارة، غزارة العرق، فقدان الوزن بشكل ملحوظ ومستمر.. تم إجراء الفحوصات والتحاليل اللازمة له..
الاثنين 12 فبراير: أظهرت النتائج أن المريض يعاني من مرض غريب. فجهاز المناعة لديه لم يعد يعمل بصورة طبيعية.. تم تحويل المريض إلى قسم العناية المركزة..
الخميس 15 فبراير: تم تحليل عينات مأخوذة من دم وبول المريض، وبعد إجراء الترشيح الميكروسكوبي وعمليات الفصل الكيميائي نتج مسحوق أبيض فيروسي حفظ في زجاجة بالمعمل.
الجمعة 23 فبراير: فشلت كل محاولات الأطباء وعلى رأسهم أنا لإنقاذ حياة المريض.. لفظ أنفاسه الأخيرة في الثامنة من مساء اليوم..
أغلقت مفكرتي ودستها في جيب معطفي وأنا أفكر.. إن دمج فيروسين معا ينتج فيروسا ثالثا ذا خواص مختلفة، تماما مثل عمليات التهجين التي تجرى على الحيوانات.
بالفعل قمت من فوري إلى المعمل.. أخذت حفنة من مسحوق إحدى الزجاجتين.. دمجتها مع قليل من مسحوق الزجاجة الأخرى، تحت عدسة المجهر الإليكتروني رأيت كل شيء..
الفيروس يقترب من نظيره، يندمج معه، يدفع داخله مادته الحية، لا يلبثا أن يتفجرا معا لتنتج عشرات الفيروسات الجديدة.. في أقل من نصف ساعة أصبح لدي في المعمل نوع جديد من الفيروسات اتخذت جميعها شكل الحرف زد بالإنجليزية “Z ” وعلي الآن اختبار تأثير الفيروس الجديد معمليا.
حقنت أحد فئران التجارب بسائل ملوث بالفيروس الغامض المسبب للمرض ووضعته في قفص خاص.. بعد قليل بدأت تظهر عليه الأعراض.. الإعياء والهزال الشديدين.. ارتفاع مفاجئ في درجة حرارة الفأر.. وأخيرا انكمش في ركن من القفص دون حراك في انتظار مصيره المحتوم.. عاجلته بقليل من المسحوق “Z” وتركته.. في الصباح التالي كان الفأر يجري داخل القفص في حيوية ونشاط وقد زال عنه الإعياء تماما..
بقي أن أقوم بتجربة تلك المادة الفيروسية الجديدة “زد” على الإنسان. استدعيت صباح اليوم للكشف على المسجون صابر عبد العاطي المحكوم عليه بالإعدام قبل تنفيذ الحكم عليه. أليست هذه حقا فرصة ذهبية لإجراء تجربتي. كنت قد أعددت كل شئ، ورحت أدس في ذراعه حقنة من المسحوق الفيروسي المسبب للمرض، وتركته.. بالرغم من أنني قدرت أن تأثير المسحوق لن يظهر قبل أربع وعشرين ساعة فقد آثرت البقاء بالمستشفى حتى أتمكن من مراقبة الحالة جيدا..
لم يحدث شئ غير عادي خلال ساعات الليل، ولكنني استيقظت في الصباح التالي على قرع شديد بالباب ، عندما فتحت الباب فوجئت بصالح التومرجي يصيح :
– صابر عبد العاطي هرب يا دكتور ..
حملقت في وجه الرجل دون أن أرد، كأن صاعقة قد هوت فوق رأسي، وبدأت الأمور تتضح أمامي شيئا فشيئا.. تقرير كاذب يؤجل حكما بالإعدام.. سجين يهرب من المستشفى.. لم يهرب وحده، بل هرب معه فيروس خطير سريع الانتشار.. تراه الآن مندسا بين الناس سيتساقطون الواحد تلو الآخر..
تهالكت على حافة فراشي وأنا أدفن وجهي بين كفي. لا أنكر أني كنت أبكي.. بعد قليل سمعت صفارات عربات الشرطة، وتناهى إلى سمعي صوت يحذر المارة من هروب سجين خطير. ليت الأمر ينتهي عند هروب السجين . فالفيروس الذي هرب معه أخطر منه بكثير . حتى لو عاد السجين فلن يغير من الأمر شيئا. لقد انطلق الفيروس. تحرر من قيده داخل زجاجة التجارب. لقد قتل صابر نفسا واحدة أما أنا فسأقتل المئات.
فيروس دقيق دقيق. لا يرى إلا تحت عدسة مجهر قوي. وهو بذلك يعد أصغر كثيرا من الفيروسات المعروفة لنا حتى الآن. لكنني لاحظت تشابها كبيرا بين هذا الفيروس وبين ما ينتج من بعض المركبات الكيميائية المخلقة معمليا..
توقفت عن التدوين. فقد استرعى هذا التشابه انتباهي، وكان علي أن أقوم بمعالجة المسحوق الفيروسي ببعض المركبات الكيميائية كالأحماض والقلويات، والمركبات العضوية الأخرى مثل الأمينات والبروتينات.. وعدت أدون ملاحظاتي من جديد..
المسحوق الفيروسي يؤثر في المركبات العضوية وينتج من البروتينات مادة غريبة يختفي داخلها الفيروس.. وتركت مفكرتي جانبا لأقوم بتجربة المادة البروتينية الجديدة على فئران التجارب. حقنت أحدها بقليل من الفيروس “Z”، كان الفأر يتحرك داخل القفص بحيوية ونشاط.
بعد عدة تجارب قضيت فيها ساعات طويلة تهالكت على مقعدي وأنا أتنفس الصعداء.. لقد وضعت يدي على الحقيقة.. ورحت أكتب تقريري النهائي: “الفيروس زد ما هو إلا مادة كيميائية شبه حية مخلقة معمليا تكونت داخل جسم الإنسان، وبنفس الطريقة نستطيع القضاء على الفيروس”
وابتسمت في سعادة.. فجأة وقعت عيناي فوق قفص التجارب، وبدأت الابتسامة تخبو شيئا فشيئا، شعرت بعضلات وجهي تتقلص وجسدي يرتجف بشدة، والدموع تنهمر من عيني رغما عني.. لقد كان فأر التجارب ملقيا داخل القفص جثة هامدة ..
ومازال البحث جاريا عن السجين الهارب ” زد ” .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

3 آراء على “السجين زد”

  1. أشكركم كن قلبي على مجلتكم الجذابة واخلاصكم في العمل والتزامكم بكل ما هو نزيه ومحترم، ويشرفني إرسال قصص إليكم ومقالات، برجاء إعطائي الإيميل الخاص بكم ، ويسعدني أن أعرفكم بنفسي، حاتم السروي ، كاتب مصري ، أعمل بالجريدة الرسمية التابعة لوزارة الثقافة المصرية…

      1. الأحباب في موقع المجلة الثقافة الجزائرية، بعثت إليكم بإيميل فيه مقالة لي بعنوان صباح الخير يا جزائر.. صباح الخير أيها العالم.. أتمنى أن ينال المقال إعجابكم وهو عرض لبعض أفكار الكاتب الراحل محب الجزائر يوسف إدريس.. أتمنى أن ينال إعجابكم..
        وإيميلي الذي أرسلت إليكم فيه هذا الموضوع هو
        elserweyhatem@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق