قراءات ودراسات

قراءة في باكورة أعمال الشاعر الجزائري نور الدين جريدي : تفاحة المنتهى..تفاحة آدم اليوم

الطيب طهوري*

النص الشعري العميق نص متعدد المداخل ..كل مدخل يحيل إلى فضاء ما ..ينفتح على أفق واسع الرؤى.. النص الشعري بهذا المعنى يتيح للقارئ معانقته فرحا مستبشرا بالسير السعيد في اخضراره الفاتن وقزحه الجميل.. تفاحة المنتهى نص شعري أيضا.. ينفتح مدخله / عنوانه على التعدد القرائي ..يقول: هلموا..هاكم اقرؤوني..تذوقوا طعمي..وسيروا في دروبي..لن تجدوا سواي أرضا شاسعة وأشجارا يانعة الثمار..
يتقدم العنوان بصيغة اسم المفعول ( المنتهى) لا بصيغة اسم الفاعل ( المنتهي) وبين الصيغتين بون شاسع.. تحيل الصيغة إلى مالا يمتلك إرادته ..إلى الوجود عامة – ربما -..
أي وجود يا ترى؟..يتساءل المرء..
تجيب التفاحة: الجنة ، حيث كان آدم وحواء..الأرض حيث صارا..
هل يعني ذلك أن العنوان يحيل إلى لحظة البين بين ..تلك اللحظة التي أوصلت أبانا آدم وأمنا حواء إلى هنا..إلى الأرض حيث الخطأ والصواب..حيث الحياة كلها مبنية على التناقض ..وحيث وجودنا هو ذاك التناقض عينه: شقاء وسعادة.. حياة فموت..؟
يقول الشاعر:
تفاحة المنتهى حواء تقضمها***نهاية الخلد إن البدء يصليني
بنزوة تحمل النشوى وتدفعها***قابيل تقتلني في طور تكويني
رأي آخر يقول: لقد ذهبت بعيدا يا طيب..لم لا ترى بأن العنوان تعبير عن حالة مؤلمة عاشها الشاعر سنوات طويلة في كهف النسيان ،نسيان شعره ، وأن طبع المجموعة كان تلك التفاحة التي رأت النور أخيرا..تماما كما رأت أمنا حواء وأبونا آدم نور دنيا الحياة بأكلهما تلك التفاحة، ودخولهما من ثمة أرض الملذات التي لا يمكن إلا أن تنتهي بقدوم هادمها..
شخصيا ،لا أميل إلى هذا التفسير ..لا لسبب سوى كونه تفسيرا مقتحما على العنوان من خارجه..لا أرضية له فيه..ثم إن حصر العنوان في هذه الدلالة الذاتية يحد من شاعريته ، ويجعله من ثمة عنوانا ضحلا فقيرا..
العنوان بالدلالة التي قلنا ينفتح على الآدمي المتعدد..الآدمي المتشابك في وجوده ومسيره وصيرورته.. يتيح للقارئ المتأمل الولوج فيه عاشقا فرحا والتجوال في دهاليزه للاطلاع على ما أخفاه الشاعر عنه وأغراه به مندهشا..وفي الكشف/ الاكتشاف متعة ..وفي المتعة حياة ..بالتاكيد..
الكهف ( كهف صورة الغلاف ) ظلام..والتفاحة هي من جعل آدم وحواء يكتشفان الدنيا( الضوء الذي يبرز التفاحة في الصورة خارج الكهف وينبعث شعاء يتعالى)..يتذوقان ملذاتها ..يعرفان من ثمة معنى الفرح والحزن ،الألم والراحة..الإنجاب أيضا وأساسا..إلخ..
هل يعني ذلك أن ما كانا فيه كان كهفا ، ظلاما..يتساءل المرء..وحُق له أن يتساءل..والإنسان الموجود فعلا لا يمكن أن يكون إلا متسائلا ، وإلا انتهى معناه..الإنسان معنى أيضا..حق له ان يسأل: ماذا لو لم يأكل أبونا آدم وأمنا حواء من تلك التفاحة..هل كانت المعرفة ستكون؟..التفاحة معرفة أيضا..هل كان الإبداع سيغمرنا بلذته؟..انا مبدع إذن أنا موجود..هل كنا سنوجد ونلتقي هنا وهناك لو لم تكن تلك التفاحة؟..ما مبرر المساءلة والمحاسبة إذن؟..ما مبرر الدنيا والآخرة؟..ما معنى الجنة والنار لولا تلك التفاحة؟..
حياتنا بشكل أو بآخر – وربما في راهننا أكثر – هي ذلك الكهف ، حيث الظلام كثيف ، وحيث الخوف يشد خطانا إلى الخلف..يقلل من تحركنا لولوج مجاهيله ..بل يمنعنا في الكثير من الحالات..وهنا تحضرنا فكرة المغامرة ، حيث المغامر هو الأكثر تجربة وشجاعة وأملا أيضا..وهو الأكثر قدرة من ثمة على البناء..وعلى النقيض من ذلك تماما هي حال غير المغامر..والإبداع مغامرة..وفي المجهول أساسا..مجهول النفس ومجهول الوجود..والمغامر هنا – بمعنى ما – هو آدم اليوم وحواؤه..هوإنسان الحاضر الذي يبدع في شتى ميادين الحياة ..يخطئ ويصيب ..يبدع فكرا وفنا وعلما..يمارس التجربة ويستفيد منها..وفي كل الحالات يراكم تلك التجربة ويتطور بها ..يزداد انفتاحه على المجهول أكثر..يفتح الطرق تلو الطرق..يدمى كثيرا..ويواصل..هكذا هو الإنسان..
هنا يطرح السؤال المر: أين نحن العرب المسلمين وغير المسلمين من كل ذلك؟
يقود الشاعر جريدي سفنه حاملا عربَه ..يلوِّح بجريده تائها، ضائعا في بحر الشعر أو بحر الوجود..لا فرق..باحثا عن مرسى ما يستريح فيه من تعب الرحلة التي لا تنتهي..
يقول – منكسر الروح ربما -:
أين يا بحر مراسيك؟*** سفن الشعر تناجيك
ولأن البحر أمواج متلاطمة ..صراع لا يهدأ أبدا ..موج يناطح صخرا..حوت يأكل حوتا ..ولأن الحياة في الأساس بحر..ولأن البشر كانوا وما زالوا وسيبقونربما ،وهو الأرجح- حيتانا تأكل بعضها : أفرادا تارة وجماعات تارة أخرى ..ولأن هذا الإنسان آكلا ومأكولا قد تعب وسيتعب حتما وسوف يتعب َكثيرا،لأن حياته هكذا..ومعناه أيضا ..اندفاع يتلوه اندفاع وخلاف يتبعه خلاف ..وأمل أيضا يحدوه أمل ..كان الشعر..كان الإبداع الذي يغرس الخير في النفوس والحكمة في العقول..وفي الطريق/ الطرق يزرع عشب الجمال..
من بداية القصيدة التي حملت المجموعة اسمها ( تفاحة المنتهى) إلى منتهاها نجد تاريخ البشرية المليء بأشواك الألم المدماة مشارا إليها بأسماء الرسل والأنبياء الذين وجدوا أنفسهم في هذه الأرض بفعل تلك التفاحة ( هل للتفاحة فعل؟) اللعينة/ المباركة التي لولاها ما كنا في هذه الدنيا ، والتي لولاها أيضا ما كان هناك معنى للسعادة والشقاء ..للدنيا والآخرة..للجنة والنار..
يشعر قارئ القصيدة الأولى في المجموعة بالشاعر جريدي وقد ناب عن سيزيف ..حمل الصخرة عنه وواصل فعل صعوده وهبوطه والعرق يتصبب غزيرا من جسده النحيل الضعيف.. يقول:
أين؟ متى؟ أيان صحوتنا*** من ذا يعانقني ؟ من ذا يداريـــــــــني؟
أيان مرساك يا أحلام صبوتنا*** متى سألقاك ؟ قد تاهت عناويني
يختم الشاعر نصه الأول هكذا ..
ترى،هل نخرج نحن العربَ المسلمين وغيرَ المسلمين من دهاليز الكهوف التي طال أمد وجودنا فيها ؟..هل نبصر ضوء الحياة ونصير فاعلين فيها مجدِّين ومجيدين؟ ..
ذاك هو السؤال الذي يبقى..
وفي انتظار الإجابة عنه لا يبقى لنا نحن العرب المسلمين وغير المسلمين سوى الماضي نتغنى به ونبالغ في الافتخار بأمجاده، في عالم يقول: أيها الإنسان إن حضورك البهي..افتخارك الحقيقي..غناءك الأثير والمؤثر ، لا يكون إلا بك أنت..وفي حاضرك أنت..
ربما يكون ذلك هو سر الكثير من قصائد الديوان الأخرى التي وجد الشاعر نفسه فيها يتغنى بذلك الماضي ويفتخر بآبائه وأجداده فيه ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق