قراءات ودراسات

أسطرة اليومي في قصص (الدرويشة) ل(صفاء النجار)

بقلم: السيد نجم

مدخل:
عاش الإنسان فوق فروع الشجر وفى الكهوف، وحلم أن يحتوى العالم كله، فحفر ورسم الحيوانات المفترسة على جدران الكهف، يتمنى لو يقيد ما يخشاه على الجدران أمام ناظريه.. وبقي يتساءل: كيف ولماذا؟ فكانت الأسطورة، يتمنى بها أن يجد تفسيرا لكل أسئلته.
الأسطورة في مفهومها الحديث مصطلح يطلق على أنواع من القصص أو الحكايات المجهولة المنشأ، ولها علاقة بالتراث أو الدين أو الأحداث التاريخية، وتعد من المسلمات من غير محاولة إثبات، أو هي تصور متخيل عن نشأة أوائل المجتمعات والمعارف في صيغة قصصية شفاهية، وقد تكون الغاية من الأسطورة تفسير بعض العادات أو المعتقدات أو الظواهر الطبيعية، خاصة ما يتصل منها بالشعائر والرموز الدينية والتقاليد في مجتمع ما.
وقد تتحدث عن تجارب متخيلة للإنسان المعاصر بغض النظر عن إمكان حدوثها ولا نحتاج البرهان عليها. تُفسر أكثر الأساطير على أنها من فعل قوى خارقة فى الإطار الزمني الذي تنسب إليه حوادث الأسطورة، وهو بالضبط ما يمكن رصده في جملة قصص مجموعة “الدرويشة” للكاتبة (صفاء النجار).
*الاسطورة تجلت في..:
قد تتجلى الاسطورة من خلال توظيف فكرة النبوءة؛ كما قصة “الحلم الذى لن أرويه لجدتي..” حيث رصدت القاصة تلك الاحداث الهامة المتمثلة في العلاقة الخاصة جدا بينها وبين الجدة، حتى ان الجدة كثيرا ما تتابع حكى الحلم الذى تحلمه الحفيدة.. وتستمر تلك العلاقة الكاشفة، وكان الحلم الذى يشي بالرسوب في الاعدادية لابنة عمة الحفيدة.. وتتمثل النبوءة في آراء وأفكار بل وصمت الجدة.
وبدت الاسطورة احيانا راصدة للأحداث أو هي تاريخية الدلالة.. كما في قصة “هل كان حلمي بالألوان؟ .. وفيها رصدت القاصة من خلال رحلة من القاهرة حيث تقيم مع زوجها الى المنصورة او احدى القرى هناك.. وتتقابل مع اسرة الزوج وترصد الكثير مما يكشف عن شكل العلاقة، وما كان من مواقف واحداث بينها وشقيقة زوجها وحماتها.. لكنها في طريق العودة الى القاهرة، عادت وحدها بعد معاناة حقيقية.. ترى كل ملامح المعاناة ومظاهرها طوال قراءة القصة.
كثيرا ما ترصد الاسطورة وتعود إلى سالف الأيام.. وهو ما وضح في قصة “البراح الذي يسكنني”. وهي حوارية بين الشخصية النسائية او الزوجة مع زوجها.. حيث تسأله هل يمكن أن تحميني؟ تقول أنها في حاجة الى عدم التعرض للموجات والتوتر وأنها في حاجة للسلام.. وترى ان الحل لحالتها ان تتناول الاقراص المنومة.. فيتساءل القاريء حتما بعد أن شرفت القصة على نهايتها.. لماذا كل هذا الكرب؟ لتجيب الزوجة قائلة: “غير طبيعي تفجير المصلين في مسجد”.. “شادية ماتت”.. لم يجد الزوج اجابة ونجد معه، الا مقولته: “انت تقدسين الاسطورة”.. “نحن سلفيون بالفطرة”.
والآن أصبح “علم الأساطير” يدرس أساطير الشعوب ويقارن بينها. كما ارتبطت الأسطورة بحكايات العلة أو الحكايات التي تفسر الغامض عند الإنسان. ذلك الملمح الاسطوري يبدو جليا بين طيات بعض القصص، وان انبثق واضحا في قصة “يوميات السندريلا في القصر”.


أخبرتنا سندرلا في القصة أنها سندريلا حضور حفل الامير لأنها تشوقت الى أن تعيش حفل راقص نسيته منذ سنين، حيث اصبحت خادمة تعيش في السندلة بمنزل زوجة الاب، وترعي اخوتيها وتقوم على اعمال المنزل وحدها.
فلما عاشت في القصر واطفأت اغلب الانوار مما ادهش سكان القصر والشعب، لكنها بذلك وفرت طاقة ﻹنارة بيوت وشوارع الشعب واصبحت مضيئة. حدث ان شاهدت نفسها في مرايا القصر الكثير، ورات سندريلا غير التي تعرف.. فتساءلت عن الحقيقة، حقيقة سندريلا (حيث أنها كينونة الشابة الوارثة وصيرورة الخادمة)..
فلما سألت الحكيم قال لها: “الحقيقة غامضة وملتبسة .. الرأي هو أول عائق يجب تخطيه، ولمعرفة الصواب (الشيء يقيم من خلال تبعاته).. تجيب (لكن، تبعاته بالنسبة لمن؟ اذا كل شيء تكون تبعاته جيده فهو جيد).. تعلق سندريلا قائلة: (لكن الجيد بالنسبة لمن).. وهكذا تتوالى المناقشة من خلال السؤال والاجابة على الطريقة الأرسطية.. يفطن القارىء الى تلك السمة التي تتسم بالبحث عن العلة، السمة الاسطورية التي اشرنا اليها.
* ما دلالة توظيف الخصائص الاسطورية في مجمل القصص؟ لن نردد مقولة اهمية الاسطورة ترجع الى كونها تفيد في التفسير والشرح والاخبار كما كان دورها قديما في الزمن القديم، وان لم تخل النصوص من تلك الميزة وتعرفنا على الكثير من آراء القاصة ورؤيتها .. كما في نص (ما الجمال؟) وقصة “أنا جميلة لأنى أشبه أمي”، “أنا كاتبة لأنى أشبه أبي”.. في هذا النص تجلت سمة بارزة تلك التي ابرزت ظاهرة التفسير الاسطورية في قصص المجموعة، الا وهي ظاهرة تعارك وتحاور ومجادلة القاصة مع شخوص النص!
ففي “أنا جميلة الني أشبه أمي، وصفت الام بأنها كما جبل الأوليمب.. وبسلوكها مع أولادها (ومنهن الكاتبة) وضعت بذرة مفهوم الله والضمير بسر شدة المراقبة والضبط على الاولاد.. فلما كانت تذهب بيت الجد وتنظر في المرآة يتأكد لها أنها جميلة لأنها تشبه أمها.
وفي “أنا كاتبة لأنى أشبه أبي”.. لأنه كان قاطع طريق او بمعنى ما يعيش الحياة ويواجه الاخرين.. وكان راعيا للغنم فلم يشعر بالفقر وظل على شاطيء البحر يتابع المد والجزر.. وقدر له بضربة حظ أن يدخل الجنة ، لكنه كان دوما يتطلع بناظريه الى الارض. أخيرا اصبحت كاتبة وقد ورثت القلق والحيرة والتيه.
.. وان كانت الاسطورة لها وظيفة اجتماعية، شاملة كما هو واضح من الرموز الدينية التي تشتمل عليها، ولا نفقدها في المجموعة القصصية، كما في قصة “الدرويشة والمريد”.
.. ولا يجوز الانتقاص من أثر الاسطورة وحنكة توظيفها في القص المعاصر، مع اليقين بضرورة الأسطورة للمجتمع لأهمية الوظائف التي تؤديها فيه، في تفسر العادات والأخلاق والذرائع في تلك المجتمعات ونظرتها الجمالية والمؤسسات التي قامت عليها.
ففي قصة “أمي وأبي”، قدمت القاصة صورة اجتماعية عن علاقة الرجل بالمرأة، وان قدمتها على انها عن علاقة أمها وأبيها.. حيث شرحت طويلا كيف كان الاب محبا لزوجته (الام).. حدث أن أغضب الام ثم طلب من ابنائه التدخل ﻹصلاح ذات البين.. فشلوا مع الام الصلبة القوية التي ترفض أن تهان مهما كان السبب.. وان ابتعد الاب لكنه بقى ساعيا للتصالح، حتى اصيب ببعض الجلطات ومرض.
لقد كان للأسطورة مكانة خاصة عند علماء النفس، وقال (سيجموند فرويد) إن لها ارتباطاً وثيقاً باللاشعور، وإنها تعبير غريزي عن الرغبات المكبوتة، وهي تظهر إلى الوجود عندما تتاح لها الشروط المناسبة.
ويعتقد فرويد أن الأسطورة ترتبط بالنفسية الطفولية للإنسان. ويخالفه تلميذه (كارل يونج) مع تأكيده على رمزية الأسطورة وارتباطها باللاشعور، إلا أنها ترتبط باللاشعور الناضج في حياة الإنسان النفسية وباللاوعي الجماعي، فالأسطورة في رأي يونج تتألف من صور أصيلة ترمز إلى الحكمة والنضج، وتنبع من دوافع نفسية ثابتة تتكرر في حياة الإنسان وتحضه على التفكير في الكائن الأعلى، وفي طبيعة الإنسان التي تنشد الخلود.
بينما يفسر رجال نظرية البنيوية اللغوية النقدية، أن الأسطورة تعتمد على الشكل اللغوي للأسطورة، أي طريقة عرضها (رواية شفوية متناقلة، أو نص ديني مكتوب، أو نص أدبي أو شعر أو غير ذلك) وتفرعاتها (أي النسخ المختلفة للأسطورة الواحدة).. وعلى الرمز أو المغزى الذي تهدف إليه الأسطورة، فلكل أسطورة كيانها الخاص ولكل منها مغزاها.
*والسؤال: هل يمكن إزاحة تلك الروح/الأفكار الأسطورية عن نصوص المجموعة؟ الحقيقة أن هذا الشكل للقص, حيث الترميز فى مضمون العمل الأدبي، والبحث عن الأسباب والتفسير، مع معالم التاريخ الجمعي أو الفردي أي توظيف أهم الأحداث التي مرت على الأجداد والاحفاد.. حيث كان تناول جملة الافكار القصصية داخل عباءة الاطر الاسطورية هو ما اضفى جمالا ابداعيا متميزا.. وهو سر تعلق القاريء بالقصص طول فترة القراءة.
الان، لم يعد هناك من فاصل حقيقي بين المعطى التجريبي والمتخيل، بين ما أنجزه العلم، والأسطورة التي تتولد عنه!
أظن أنه ما كانت تتحقق تلك الحالة/ الصور المركبة/ النصوص لو لم يتم توظيف الخيال/ التحييل وهو على مناجي مختلفة وبقدرات تختلف بين الافراد عموما.
أما وقد سعت القرائح للبحث عن معنى الخيال، قال “بارسيلسس” طبيب أوروبي في عصر النهضة، وهو رائد العلاج بالعقاقير في تلك الفترة، وفصل الروح (التي هي وسيلة الساحر): “إن الإنسان له براعة مرئية (الجسد) وغير مرئية (الخيال).. وانتهى إلى أن “الخيال” أداة “الروح” في تشكيل “الجسد”.
والخيال في اللغة العربية له معان متعددة: الظن، الظل، السحابة التي توشك أن تمطر.. وغيرها. قدم “الجاحظ” في كتابه “الحيوان” ما معناه، أن الإنسان في وحشته، يفكر، فيرى ويسمع ما لا وجود له، وهنا دلائل تولد الخيال في الفرد. وان كان “ابن سينا” قال ب”الوهم” عوضا عن “الخيال” أو تعريفا للخيال، ويرى أن الخيال مرتبط بالخبرات الذاتية.
أما “التخيل”، فهو القدرة على إعمال الخيال، وهو عند المبدع والمتلقي مع إختلاف درجته في كل منهما.. عند الأول لإنتاج العمل الأدبي، بينما عند الثاني لاستقبال العمل وفهمه. والتخيل في قاموس “أكسفورد”: “هو حلم يقظة ينبعث نتيجة للرغبات أو الاتجاهات الشعورية أو اللاشعورية، أنها العملية أو الملكة الخاصة بتكوين التمثيلات العقلية للأشياء”.
كما عرف النقد العربي مصطلح “طيف الخيال” قديمًا وهو من الموضوعات التراثية المألوفة، وهو الذي يعنى برصد الشعر/النثر الذي يتناول طيف الحبيبة على الشعراء، وبالتالي يتم جمع القصائد/المقطوعات النثرية التي تعالج الموضوع وتتناوله.
ما أحوجنا نحن العرب، أن تصبح ملكة “التخيل” على أفضل قدراتها، للإبداع الفني بعامة، وهو ما تجلى جليا هنا في تلك المجموعة المتجانسة (على الرغم من أن بداياتها تراثية الملمح –حول سندريلا –يوميات سندريلا في القصر-/- وآخرها نصا حول تجربة معاصرة –ورم مشاكس يؤنس وحدتي-).
*مبررات عنوان المجموعة القصصية..
ما سبق يبرر ان اطلقت الكاتبة عنوانا لافتا يتناسب وتلك الخصائص (الدرويشة).. بما يوحي بهذا الطقس الاسطوري الذى يكسو ويدخل في متن قصص المجموعة.. ها هي ذي قصة (الدرويشة والمريد) تكشف عن البعد الروحي عند الافراد بأشكال متعددة.. بين الدرويشة وربها وطقوسها الخاصة في الصلاة وفى ممارسة حياتها اليومية.. ثم في علاقتها مع ابنتها المتوفاة وكيف ان التواصل الروحي قويا الى حد التماس مع من نحب من الموتى كما بدت علاقتها بابتها المتوفاة, ولما كان دورها مستمرا مع الحفيد ابن المتوفاة فلا مانع من اللهو والعبث واللعب معه، حتى جاء يوم الفقد وفقدته ايضا.
أما المريد أو الشيخ حسن، أو العاشق القديم والباق على عشقه ومنذ 40 سنة محبا.. له معها لمسة حب تضفى على البعد الاسطوري بعدا .. ففي شبابهما تنازل عن حبيبته (الدرويشة) لابن عمه الذى تزوجها وانجب منها، كما لم تكن العلاقة بينهما على ما يرام؟! واللافت ان بقى الشيخ حسن على عهده وحبه ملبيا لكل ما تكلبه الدرويشة وتحتاج اليه بلا مقابل سوى الرضى الذى هو الدعوة العملية لرضى الرب من قبل ومن بعد.
أظن ان مشهد الطبيبة التي رصدته الكاتبة يعد من المشاهد الخيالية اللافتة في القصة العربية.. حيث فحصت الطبيبة الدرويشة وفتحت قلبها ثم اخرجت ما به ووضعته على المنضدة (من شخصيات وغيرها) واخبرتها أن قلبها مثقل بالأشجان، وليس عليها سوى أن الاقرار بان القلب لا يسع سوى واحدا.. فتذكرت الشيخ حسن الوفي لأربعين سنة مضت!
.. تعد مجموعة “الدرويشة” للكاتبة (صفاء النجار) من أنضج المجموعات القصصية التي قرأتها منذ شهور، وجديرة بعدد من القراءات المتعددة لتعدد الرؤى فيها من حيث شكل التناول ومتن الافكار.
…………………………….
Ab_negm2014@yahoo.com

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق