ثقافة المقال

بارت… يقيم جنازة المؤلف.. ليحل محله شبح الناسخ…

الجزء الثاني

يكتبها حبيب مونسي

يقيم بارت جنازة المؤلف من غير مقدمات تقنعنا بما ذهب إليه.. فقط يقول: (لقد دفن الناسخ الحديث المؤلف ) لينتقل بعدها إلى الحديث عن هذه الشخصية الغريبة التي ابتدعها وسماها الناسخ، ليقول عنها، وكأنه خبرها واكتشف حقيقتها: (لم يعد “هذا الناسخ” يعتقد أن يده بطيئة جدا في مجاراة فكره وانفعاله) لأن هذا الشعور كان يؤرق الكاتب الحق الذي يتعثر القلم وراء أفكاره وانفعالاته. والذي اجتهدت الحداثة في وأده، وسلب شرف مكانته بين الناس. أما هذا المخلوق العجيب فيده: (مطلقة من كل صوت، وهي إذ تحمل حركة التسجيل وليس التعبير، فإنها تقص أثر حقل من غير أصل، أو على الأقل، إنه حقل ليس له أصل آخر سوى اللغة نفسها.) إنه يكتب اللغة فقط، لغة ليست لها من مرجع تعود إليه، وليس من أصل تتكئ عليه، لأنها بكل بساطة: (لا تتوقف عن وضع كل أصل موضع الشك).. والناتج عن هذا الشك المتأصل لدى الناسخ سيكون نصا؟؟ وأي نص؟ يقول بارت في سحره الجديد، وبكل ثقة متعالية.. تلك الثقة التي تسم كتابات النقاد الجدد وكثير من الحداثيين : ( إننا لنعرف الآن أن النص ليس سطرا من الكلمات، ينتج عنه معنى أحادي، أو ينتج عنه معنى لاهوتي “لرسالة” جاءت من قبل الله. ولكنه فضاء لأبعاد متعددة، تتراوح فيها كتابات مختلفة، وتتنازع، دون أن يكون أي منها أصليا.) فالنص فضاء.. ما أوسع هذا التمييع، لأنه سيكون فضاء حيرة، وتردد، وتيهان.. فلا معلم ولا شارة ولا دليل، لأن النص أخيرا: (نسيج لأقوال ناتجة عن ألف بؤرة من بؤر الثقافة.. ) أي “اللغو” بكل أبعاده المأساوية..
(رولان بارت- نقد وحقيقة- موت المؤلف- ت. منذر عياشي- ص: 21- مركز الإنماء الحضاري 1994.)
يتبع..

بارت… أسطورة النص والقارئ.. الانقلاب المرتجى …
 
يقول “بارت” في حديثه عن النص وعن مادته التي يتشكل منها أنه: ( مصنوع من كتابات مضاعفة، وهو نتيجة لثقافات متعددة، تدخل كلها مع بعض في حوار، ومحاكاة ساخرة، وتعارض.) وهذا ما صار معتقدا راسخا لدى أجيال من القراء والنقاد الحداثيين، فلم يعد ينظر للنص من غير هذه المشكاة، وتم قبوله على أنه كذلك قبولا نهائيا. ويضيف “بارت” أمرا محيرا آخر حين يقول: (ولكن ثمة مكان تتجمع فيه هذه التعددية. وهذا المكان ليس الكاتب، كما قيل إلى الوقت الحاضر، إنه القارئ.) وهنا يأخذنا العجب إلى منتهاه.. فنعود أدراجنا نعيد القراءة بهدوء: النص مصنوع من كتابات متعددة.. لنسأل أنفسنا: من يكتبه؟ ضروري أن يكتبه أحدهم.. هو الكاتب!. فكيف يجوز لنا تجريده من مرجعيته النصية؟؟ إنه سبب في إيجاد النص وتكوينه! غير أن “بارت” يقول لنا بعد هذا مباشرة: ( إن وحدة النص ليست في أصله،ولكنها في القصد الذي تتجه إليه.) فنرتاح قليلا لأننا نشعر أن النص يحمل قصدا، وأنه يتجه إلى هدف، ذلك لأننا نؤمن بأن لكل نص رسالة يريد تأديتها بأمانة، وأنه يجاهد ضد سوء الفهم. بيد أننا نصاب بالذهول حينما ندرك أن القصد الذي يعنيه بارت هو “القارئ” وكأن منتهى مراد النص أن يبلغ قارئا وحسب. لكن من هو هذا القارئ الذي يريد النصُ الوصول إليه؟. يجيب “بارت” سريعا: (القارئ إنسي من غير تاريخ، ولا سيرة ذاتية، ولا تكوين نفسي. ) إذا أفصح من هو؟ يقول: ( إنه فقط ذلك الشخص الذي يجمع في حقل واحد كل الآثار التي تتكون منها الكتابة. ) فما سلبه “بارت” من صدر الكاتب، يفرغه في حجر القارئ دفعة واحدة.. لقد صار صاحب النصوص، ومالكها المتصرف فيها، إليه ينتهي قديمها وجديدها، ولا نعرف لماذا لا يشاركه الكاتب في هذه الميزة ؟؟ وعلى عادته يختم “بارت” مقالته بلسان الجازم الواثق قائلا: (إننا لم نعد الآن ننخدع بهذه الأنواع من المعاني المقلوبة… ولقد نعلم أنه لكي تسترد الكتابة مستقبلها يجب قلب الأسطورة. فموت الكاتب هو الثمن الذي تتطلبه ولادة القراءة.) ولنا قبل طي هذا التأمل أن ننظر إلى سحر الساحر مرة أخيرة.. لنسأل في براءة: متى فقدت الكتابة مستقبلها، وهي عنوان الحضارات مشرقا ومغربا؟ وهل في لغة الناس أن المستقبل يسترد أم الماضي؟ ولصالح من هذا الانقلاب العجيب؟ أهو لكتابة يجريها ناسخ لا يملك من أمر الأصول شيئا! أم لقارئ ليس له هوية ولا تاريخ ولا انتماء؟؟؟
(رولان بارت- نقد وحقيقة- موت المؤلف- ت. منذر عياشي- ص: 24- 25- مركز الإنماء الحضاري 1994.)
يتبع..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق