قراءات ودراسات

بين الشرق والغرب: كيف تؤثر الثقافة على عملية الإبداع؟

قياتي عاشور

تُعد دراسة الإبداع من الدراسات الإشكالية، التي قد لا يصل معها الباحث إلى نتائج مضمونة؛ فالإبداع في ذاته ظاهرة شديدة التعقيد. والحق أنَّه لا توجد نظرية تتصل بالعملية الإبداعية، نستطيع أن نقول إنَّها نظرية شاملة. وقد استطاع الباحثون في العملية الإبداعية فهم بعض ملامحها، وذلك بعد كثير من الجهد والبحث. وتم تحديد عددٍ مِن المتغيرات التي من شأنها أن تعمل على تَحسين أو إضعاف الأداء الإبداعي، والَّتي تشمل الشخصية، والإدراك، والمعرفة، وظيفة الدماغ، والخلفية الأسرية، والدافع، والبيئة، والسياق الاجتماعي.

ركزت أغلب الإسهامات في مجال الإبداع على مدى امتلاك القدرة الإبداعية، والتأكيد على أنَّها ليست قاصرة على قلة مختارة، ولكنّها موجودة عند الأفراد العاديين، وربما تتجاوز مظاهر الحياة اليومية العادية، وحقول المعرفة المعروفة (على سبيل المثال: العلم، والفن، والأدب).

«نحن جميعًا نحتفظ بداخلنا بالبذور الإبداعية القادرة على الازدهار». وقد اكتسب بحث الإبداع في أمريكا الشمالية اهتمامًا منذ عام 1950، مِن خطاب جيلفورد Guilford، وتوجيه الضوء إلى البحوث التجريبية المنهجية للإبداع. ومزايا بحوث الإبداع لجيلفورد المبكرة لم تقدم فقط أساس الأبحاث اللاحقة حول طبيعة التفكير الإبداعي وتقييمه، ولكن عرضت أيضًا المكونات الرئيسة للتفكير التباعدي Divergent Thinking الذي يتضمن الطلاقة Fluency، والجدوى Feasibility، والأصالة Originality.

وانطلقت منذ ذلك الحين موجة من الأبحاث لموضوعٍ بحثيٍّ مثيرٍ لباحثي الإبداع؛ لاستكشاف الإطار النظري، أو المنهجي المختلف، ومناهج متعددة التخصصات. ويركز العرض الحالي، على وجه التحديد، على تأثيرات الوسط الثقافي في الإبداع، من عدسة الثقافة (Lens of Culture)، وعالمية الإبداع المتميز، ومظاهره المتنوعة، حيث إن الثقافات المختلفة لها تصورات مختلفة من الإبداع، وخلال هذا العرض لمفاهيم الإبداع، وخاصة التشابه، والاختلاف بين الشرق والغرب، سيتم توضيحها.

وسوف يمثل تصور الصينيين في هذا البحث للإبداع، العينة الرئيسة الممثلة للشرق، والسبب الرئيسي هو أن الكونفوشسية Confucianism والطاوية Taoism لها تأثير كبير في الدول الآسيوية. كما أن القيم الثقافية المختلفة المتعلقة بالإبداع، تظهر أيضًا على منافذ الإبداع المختلفة. وسيتم طرح بعض الأمثلة الملموسة والواقعية، ثم يتم مناقشة بعض النظريات المتعلقة بالبيئة الاجتماعية على الإبداع. وتماشيًا مع هذا الخط، سيتم عرض بعض الدراسات عبر الثقافية، وأخيرًا، ستتم الإشارة إلى الاتجاهات الممكنة، ومزيدٍ مِن الاقتراحات بشأن الأبحاث عبر الثقافية على الإبداع.

خرائط مفاهيمية مختلفة للإبداع بين الشرق والغرب

تشابه مفهوم الإبداع بين الشرق والغرب، وكل منهما يقدر قيمة الجانب الإيجابي من الإبداع، والإشادة بالأفراد المبدعين. على سبيل المثال، في الهند، يُعبد الإله فتشيكاما Vishvakarna مِن خلال روح وقوة العملية الإبداعية. ويُقال إن منظورات الإبداع منشأها أساطير الإبداع الثقافي. على سبيل المثال، يشمل المشترك البارز لموضوع الإبداع، موضوع التنمية، والعمليات المستمرة نحو الإبداع الكوني Cosmic Creation. وفي ضوء النظم العقائدية الصينية، وخلق العالم من خلال تفاعل حركة يين ويانغ Yin-Yang (يين يعني قوة سلبية؛ يانغ يعني قوة إيجابية)، والَّذي بدوره يميز هذا العالم وكيانه، وتحدد يين ويانغ في نهاية المطاف مصدر الإبداع لأي شيء.

تظهر ظاهرة الين واليانغ في كل مكان؛ وتكون كل الأحداث (بما في ذلك الإبداع) من الأضداد أو الأقطاب. ومِن ناحية أخرى، ترى اليهودية واليونانية هذه الظاهرة غير متوقع ظهورها من جانب الغرباء. تقليديًّا كان ينظر إلى الإبداع كقوة إلهية بين الشرق والغرب، ومع هذا الرأي لا يمكن للإنسان أن يبدع، فهو يحاكي فقط مجد الله، وخلاصة القول، «الإنسان لا يبدع؛ بل يفعله الله».

مفهوم الإبداع تحت مظلة الذات الإلهية Divine Entity كان المهيمن في تاريخ العقلية الغربية لفترة طويلة من الزمن. وبعد عصر التنوير، تحول مفهوم الإبداع من الإلهية إلى الفرد، تلتها إنجازات في العلوم والتكنولوجيا. حاليًا في رؤى الغرب ثمة توافق عام في الآراء على أن الإبداع يعرف بـأنَّه الأفراد المبدعون Creators، والعمليات (خلق Creating)، والمنتجات (إبداعات Creations)، مع ميزات من الفائدة، والملاءمة، والتجديد.

ويُعرف الإبداع الغربي بأنَّه المنتجات الموجهة، التي تكون ملموسة، ويمكن ملاحظتها، ولديها مظاهر قابلة للقياس. وهذا يتناسب مع نموذج العملية الغربية من التوجه المعرفي لحل المشكلة. في المقابل، فإن المفهوم الشرقي للإبداع يُعرف بصورةٍ مختلفة، و«التجديد» ليس المحك الأول حول عملية الإبداع، حيث يتم التركيز أكثر على التنمية الداخلية، والحالة الداخلية لتحقيق الذات، فمن رحلة اكتشاف الذات والمقاربة الحدسية بدلًا من ظهور المنتجات. وتستطيع الفردية تحقيق مستوى عالٍ مِن الإبداع، حيث تستند وجهة النظر هذه إلى أساس القيمة أيضًا في المجال الاجتماعي والأخلاقي. على سبيل المثال، في ضوء المنظور الصيني القديم، فالإبداع ليس معزولًا، ولكنه تصور في قوة عالمية شاملة داخل ودون الفرد. علاوة على ذلك، ثمة طريقتان لتطوير الإبداع: التوسط Mediation (الطريقة الطاوية)، وغرس المصير Self-Cultivation (طريقة الكونفوشيوسية).

وفِي الفلسفة الهندية، مفاهيم الإبداع مُتضمَنة Embedded في «حالة تحقيق الذات أو الرضا عنها». وبعبارة أخرى يعد الإبداع عملية تحقيق الذات، أو تنويرها إلى حدٍّ ما، وتؤكد دراسة الفنانين الهنود أكثر على أن رحلة الإبداع في معنى من معانيها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللا وعي.

تأثير الثقافة في الإنتاج الإبداعي

تؤثر السمات الثقافية في تحفيز النشاط الإبداعي، ويتم تعريف مخرج التعبير الإبداعي بشكل مختلف عبر الثقافات، فعلى سبيل المثال: تشجع الثقافة العربية الإبداع في مجال التكنولوجيا والكتابة، إلا أنَّها تمنع الفنون التشكيلية منعًا باتًا من خلال التشريعات، ومَع ذلك، في الهند والصين، فالموضوعات الدينية، والأصنام هي محل إعجاب وتقدير. ويرحب الأتراك بالإبداع في مجالات العلوم والتكنولوجيا، ولكنهم لا يرحبون به في القواعد والعلاقات الاجتماعية التقليدية. وفي أمريكا الشمالية، يحتمل ظهور التعبير الإبداعي في العلوم، وحل المشكلات، ولكن تتم إدانة ذلك في السياسة أو النظرية السوسيو اقتصادية. هناك ميل إلى أن يسمح مستوى الإبداع بشأن موضوع يرتبط ارتباطًا عكسيًّا بدور هذا الموضوع في الحفاظ على عمق الأنماط الثقافية، وفي بعض الأحيان، تكون هذه القيود الثقافية أكثر وضوحًا.

على سبيل المثال تركز الروايات الصينية أكثر على السلوك الخارجي، وذلك بالتوازي مع التركيز على العلاقة بين الأشخاص في الثقافة الشرقية، في حين أن الروايات الأمريكية تميل إلى الاهتمام بالحالة الداخلية للشخصيات، التي تعكس مركز الفرد في حدِّ ذاتها في المجتمعات الغربية.

نظريات البيئة الاجتماعية التي تؤثر في الإبداع

ترتكز بطارية بحوث الإبداع على معالجة الأطر النظرية لموقف المجتمعات من الإبداع، كما يشير أمبالي Amabile (1996) على سبيل المثال، حيث اقترح مبدأ الدوافع الذاتية للإبداع من منظور علم النفس الاجتماعي للإبداع، هذه الصيغة التي يدعمها الزملاء الآخرون، مثل هينيسي، ينص على أن القوة الدافعة الرئيسية، لتكون مبدعًا مُتضمَنة في الدوافع الذاتية، مثل الاهتمامات، والتمتع بها، والرضا، وما شابه ذلك، بدلًا من الدوافع الخارجية، مثل تقييم المتوقع، ومكافأة المتوقع، والمنافسة، وما شابه ذلك. وفِي عام (1998)، اعتبر أمبالي أنَّ الإبداع وظيفة من الدوافع الذاتية ذات الصلة، ومجال المهارات والإبداع في المهارات ذات الصلة.

وخلاصة القول، تثبت الأدلة الواضحة أنَّ البيئة الاجتماعية تؤدي دورًا رئيسيًّا في توجيه الهمم وشحذها، والَّذي بدوره يؤثر سلبًا أو إيجابًا في الإبداع. وعلى وجه التحديد، تفضي الدوافع الذاتية خاصة إلى التعبير الإبداعي، في حين يضر الدافع الخارجي بالسلوك الإبداعي، ومع ذلك، قد يكون الدافع خارجي مفيدًا للإبداع تحت بعض الشروط. أمّا دعم البيئة الاجتماعية فهو شرط لا غنى عنه لتطوير هذه الدوافع.

واقترح سيكزنتميهالي Csikszentmihalyi (1988، 1996) نظرة شمولية للإبداع (نموذج الأنساق للإبداع)، وشدد على أن ثلاث قوى أساسية تؤكد المساعي الإبداعية:

المجال الثقافي Cultural Domain، الذي يحتوي على القواعد والمعايير للتعبير الإبداعي.
الحقل الاجتماعي Social Field، الذي من خلاله يتم الاعتراف وتقييم الأفكار الإبداعية.
الفرد Individual، الذي يجلب الأفكار والإجراءات إلى المجال.
إذا كان الشخص المبدع يريد أن يكون له بعض الإسهامات في النظام، فهو يحتاج إلى التعلم والتعرف، ليس فقط على قواعد ومضمون هذا المجال، ولكن أيضًا للمعايير وتفضيلات الحقل. على سبيل المثال، حدد سيكزنتميهالي ثلاثة أبعاد رئيسة ذات صلة بالإبداع: وضوح الهيكل، والمركزية داخل الثقافة، وإمكانية الوصول مركزيًا. حيث تدل هذه النظرية على أنه لا توجد إنجازات خلاقة حصرًا على مزايا الأفراد، ولكن على التفاعل بين العناصر الثلاثة. كما أوضح سيكزنتميهالي 1988: «لا يمكننا دراسة الإبداع من خلال عزل الأفراد وأعمالهم من الوسط الاجتماعي والتاريخي الذي يتم فيه خروج أعمالهم».

في نظرية الاستثمار للإبداع، افترض «ستيرنبرج ولوبرت» Sternberg and Lubart (1995) أن الشخص المبدع يجب أن يتصرف مثل المستثمر الجيد (شراء منخفض وبيع مرتفع). والفرد المبدع مجازًا، يشتري منخفضًا من خلال رفض الأفكار المقبولة في المجتمع، ومن ثَمَّ تبيع عاليًا عندما يدرك الآخرون قيمته ومتابعة الموضوع. فكرة بيع الأفكار تدلل على البيئة الاجتماعية كمتغير مهم في الإبداع.

وفقًا لنموذج تلاقي الإبداع، أدركوا أيضًا ستة موارد محتملة تساعد أو تعيق الإبداع: الذكاء، والمعرفة، وأساليب التفكير، والموارد المعرفية والشخصية والدافعية والبيئة. وهناك حاجة إلى تلاقي تلك الموارد الإبداعية معا. وجوهريًّا «الإبداع هو في جزءٍ منه، نتاج تفاعل بين الشخص والسياق الخاص به أو بها». وتشجع وتحفز البيئة الأفكار الإبداعية وتكافئ السلوكيات المفيدة للإبداع. وفقًا لذلك انتقدوا المجتمع مع مطالب كبيرة على الاختبارات المقننة في حساب الطاقة الإبداعية. وفي رأي ستيرنبرج (2006) على المجتمع أن يؤدي دورًا «لزيادة المكافآت وخفض التكاليف من أجل تنمية الإبداع».

الدراسات عبر الثقافية للإبداع

وقد أظهرت مراجعة الأدبيات أن الشرقيين والغربيين عقدوا تصورات مماثلة للإبداع، ولكن ليست متطابقة، وأشار بحث كلٍ من أورال وكوفمان وأجارز 2007 إلى أن العديد من النتائج في السياقات الغربية للإبداع تتماشى مع ثقافة أخرى على نطاق ما. فعلى سبيل المثال، وجدوا أن الإبداع يزداد مع تقدم العمر، وأهمية الدوافع الذاتية على الإبداع، بما يتفق مع الدراسات الغربية. وفوق كل ذلك، هذا الإسناد قد يكون في متناول أوجه التعاون بين الثقافات ومشاركة المعلومات. بالإضافة إلى ذلك، في ضوء جمالية الأحكام، هناك إجماع كبير للرأي بين الخبراء عبر الثقافات. يتجلى ذلك في إحدى الدراسات التجريبية لهذا التوجه. وجدت بلتزا وبنغ Paletz and Peng (2008) أن كلاً من التجديد والملاءمة تؤدي دورًا مهمًّا في تصنيفات الإبداع لدى الصينيين، واليابانيين، والأمريكيين. وعلى وجه الخصوص، كان أكثر ملاءمة للأمريكيين واليابانيين عن الصينيين. أيضًا التجديد له وزنه الكبير للإبداع، كما أكدت النتائج أن الثقافات في شرق آسيا ليست متجانسة.

علاوة على ذلك، تحقق رونكو وجونسون Runco and Johnson (2002) كيف أن الآباء والمعلمين من الولايات المتحدة والهند ينظرون إلى السمات الإبداعية في أطفالهم والطلاب، حيث أظهروا اهتمامًا أكثر لمجموعاتهم الخاصة من نظرائهم.

وفي دراسة الاختلاف الثقافي للإبداع الثقافي، استخدمت نغ Ng (2003) عينات من الصين والولايات المتحدة، وجدت أن المجتمع ذا النزعة الفردية الليبرالية هو أكثر ملاءمة من حيث الانخراط في سلوك الناس إبداعًا من المجتمع الكونفوشيوسي. ويُقال إنَّ الأيديولوجيا الكونفوشيوسية لديها ميل يساهم في الجمعية والتوافق الاجتماعي. بالإضافةِ إلى ذلك، في الفصول الدراسية الآسيوية، يتضح أيضًا أن التقاليد الكونفوشيوسية تعزز عمليات التطابق والتشابه في النظام التعليمي، وهو بدوره يؤثر سلبًا في الأداء الإبداعي. حيث يوضح مفهوم التعلم غرس الأخلاقية: المدرسين كنموذج أخلاقي، والطلاب كإسفنجات سهلة الانصياع. وثمة وضوح لمعالم العلاقة الهرمية بين المعلم والطالب. وأكد نج وسميث Ng and Smith (2004) هذا عن طريق مقارنة اتجاهات المعلمين على سلوكيات الإبداع بين المعلمين المحافظين في النظم الاستبدادية Conservative-Autocratic والمعلمين الديمقراطيين في النظم الليبرالية Liberal Democratic. حيث أظهرت النتائج أن الأخير كان له الميل الأقوى لتشجيع سلوكيات الإبداع في الفصل، ووجدوا أيضًا أن الثقافة الفردية كان لها تأثير إيجابي في اتجاهات التعليم الليبرالي الديمقراطي، في حين كان العكس لتأثير الثقافة الجمعية. وخلصوا إلى أن معوق التقاليد الكونفوشيوسية قد يكون إغلاق العقل المبدع الآسيوي. ومع ذلك بعض الأدلة المفيدة تظهر تقدمًا واعدًا لتعزيز الإبداع في أوساط السياق الاجتماعي نسبيًّا.

ووجد نيو ستيرنبرغ Niu Sternberg (2001، 2003) تباينًا فِي التعبير الإبداعي بين الطلاب الصينيين والأمريكيين، وأنه ما يزال من الممكن تعزيز الطلاب الصينيين مؤقتًا بـ «الأداء الإبداعي من خلال الإرشادات المناسبة». وخلصوا إلى أن البيئة لديها إمكانات وتأثير مهمٌ في الإبداع الفني للأفراد. وتماشيًا مع هذه النتائج استخدمت دينين ونيو Dineen & Niu (2008) نموذجًا تربويًّا إبداعيًّا تم تطويره في المملكة المتحدة، والذي أظهر تأثيرًا كبيرًا في الإدراك، وإنتاج الإبداع للطلاب الصينيين، وأعمال الفنون البصرية التي ينتجها الطلاب الصينيون من خلال تدخل التدريس، وأثبتت جودة عالية من الإبداعية في الإنتاج، مقارنة مع إستراتيجية التدريس الصينية التقليدية. علاوة على ذلك، أظهرت البيانات النوعية أيضًا مزايا هذا المنهج الذي عزّز لدى المُتعلمِين الدافعية الذاتية والثقة، وهو عنصر حيوي للتنمية الإبداعية. ولفاعلية وملاءمة هذا النموذج، فإنّها اقترحت إمكانية تنمية الإبداع زمنيًّا للمتعلمين من خلال توفير بيئة تعليمية مناسبة.

الخاتمة

العلاقة بين الثقافة والتعبير الإبداعي ليست علاقة تبادلية، ولكنها مزج من المتغيرات التاريخية، المجتمعية، والفردية. هذا التأثير العميق تصور تجلي للإبداع والتعبير الإبداعي. أدرك لودفيج Ludwig (1992) أربعة مؤثرات ثقافية قوية في انخراط أنشطة الإبداع: الموضوع، شكل التعبير، وظائف التعبير، وأنواع الأفراد المختارين. بالإضافة إلى ذلك، أكد لبورت وستيرنبرغ (1998) أن البيئة الاجتماعية، لا توفر المثيرات المادية أو التحفيز الاجتماعي فقط، بل وتقدم وظيفة تقييم المنتجات الإبداعية والأداء أيضًا. ومِن ثَمَّ، تؤكد أهمية أن تؤخذ الثقافة في الاعتبار حين يتم تحديد إجراء البحوث الإبداع بواسطة لبارت (1990): مع إقامة الدراسات عبر الثقافية، «نبدأ في اكتشاف مدى عمق الإبداع داخل السياق الثقافي»، وبذلك فإنَّ الفائدة من أن الباحثين يمكن أن يكوّنوا صورة أكثر شمولية للإبداع عبر دمج الوسط الاجتماعي والثقافي في إطار تحليل.

بالنظر إلى مراجعة الأدبيات المتوفرة في هذه المرحلة، هناك بعض الاقتراحات الأخرى لدراسة عبر الثقافية على الإبداع قد تكون مفيدة للكشف عن طبيعة الإبداع. أولًا، تستند معظم الدراسات إلى الجماعات الثقافية المقارنة (الشرق والغرب)، وتحليل داخل المجموعات الثقافية قد توفر رؤى قيمة (اليابان وتايوان). والسبب الرئيسي هو أنَّه حتى في ظل تراث الكونفوشية، دول شرق آسيا ليست متجانسة. علاوة على ذلك، مستوى الاختلافات الثقافية هو أيضًا من الموضوعات المهمَّة لدراستها. باختصار، فإنَّ بحوث التأثيرات المتعلقة بالمكان في الإبداع يوفر أرضية واعدة لتقليل النقاط المبهمة عندما حاول الباحثون فهم الإبداع.

وفيما يتعلق بتقييم الأداء الإبداعي، أكد لبارت (1990) أنَّه على الرغم من اختبارات تورانس، والتي تمت على نطاق واسع في مجال البحث والإبداع بين الثقافات، تظل النتائج موضع تساؤل فيما يتعلق بالتصورات الفعلية للإبداع التي تتجسد في ثقافة معينة. علاوة على ذلك، كما أشار أمبالي (1996)، هناك مشكلة في اختبارات الإبداع، وهي طبيعة تلك التقييمات التي وضعها علماء النفس الغربيون، والتي تضح حدود ضيقة للقدرات الإبداعية بشكلٍ غير لائقٍ، وهذا هو السبب في بعض الأحيان الأداء الرديء لاختبارات الإبداع التي وضعتها أمريكا على الناس في بلدان مختلفة بفضل التحيز الثقافي في فَهم الإبداع.

ونتيجة لذلك، خلص أمبالي (1996) إلى أنَّه في نهاية المطاف، ينبغي أن يأخذ اختبار الإبداع في الاعتبار العوامل الاجتماعية والثقافية، والتاريخية. على الرغم من أنَّه يشكّل تحديًّا كبيرًا لعلم النفس الاجتماعي والباحثين الآخرين للإبداع، وهو عملية ضرورية لإجراء مزيدٍ مِن البحوث لتطوير اختبارات للسياق مناسبة وبديلة، مِن أجل الأصالة التي تعكس الأداء الإبداعي في سياق محدد.

ويرى بعض الباحثين أن التواصل عبر الثقافي خاصة في مجال التربية والتعليم قد يكون له أدوار مهمة في سد الفجوة الثقافية وخدمة للأغراض التعليمية والتربوية. على سبيل المثال، إذا رغب المربون في الشرق في تعزيز الإبداع في صفوفهم، ما الإستراتيجيات التي يمكن أن يستخدموها؟ ما العوائق التي يمكن أن يواجهوها؟ كيفية التغلب على بعض حدود الأنظمة التعليمية هنا؟

إن البحث الإجرائي الذي أجرته دينين ونيو (2008) يمكن أن يكون بمثابة مثال جيد؛ حيث ثبت أنه يمكن للمعلم في الشرق الاستفادة من نتائج البحوث الغربية، مع الأخذ في الاعتبار السياق والثقافة. فالمعلمون الآسيويون يمكنهم استخدام تلك الموارد كمرجع عند التطبيق في صفوفهم، ولكنهم قد يغيرون المحتوى والشكل ليناسب السياق.

وخلاصة القول لا بد لباحثي الإبداع أن يدركوا القيم الاجتماعية والثقافية التي تؤدي دورًا رئيسيًّا في تصور وإدراك الإبداع، وإلى أي مدى يمكن لكل مجتمع مقاومة ظاهرة العولمة، من أجل الحفاظ على قيمه الفريدة من نوعها، ولكن في الوقت نفسه يترك مساحة للإبداع.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق