قراءات ودراسات

أبعاد التواصل اللغوي داخل المجتمع

د.عبد الاله الاسماعيلي*

تقديم: لقد كثر الحديث في العقود الأخيرة عن التواصل بشكل عام و التواصل اللغوي بشكل خاص، فلقد ألفت كتب كثيرة في الموضوع، ودخل التواصل مجالات عديدة ومتنوعة لدرجة لا تستطيع الجزم بعدم مصادفة هذا النوع في بعض الميادين التي يظن أنها بعيدة كل البعد عنه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن التواصل مجال جدير بالاهتمام لكونه يعد البعد الحقيقي للنظام العام الذي صارت عليه البشرية جمعاء منذ أن نطق الانسان أول كلمة له في سياق احتياجه الشديد لأخيه الانسان على مستوى: التعاون، والتفاهم، والتناصح، والترابط، والتدافع…الخ، إلى اليوم حيث أصبح هذا الميدان علما قائما بذاته يستخدم في كل الأنشطة سواء كانت: إجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو رياضية…الخ، بل أصبح من أفتك الأسلحة على مستوى الحوار في السياسات بين الدول والأقطار، وفي الثقافات والحضارات بين الفاعلين والمهتمين بهذا الشأن أو ذاك…الخ.

والتواصل بهذا الشمول و هذه التغطية الكلية يعد أقدر الأساليب و أنجعها على مستوى الاكتساب: إكتساب المهارات الإنسانية للتواصل و التحاور و التفاهم و تبادل الخبرات، لأن من خلاله يستطيع الفرد التفاعل مع أفراد مجتمعه وإكتساب المهارات الإدراكية والمعرفية التي تطور وتنمي قدراته الذهنية و الحدسية كذلك، بحيث يصبح المرء فطنا لكل جزئية في الكلام تلقاها أو إشارة شاهدها أو إيماءة من المرسل بثها بعينيه أو ما شابه ذلك.

ولمحاولة صقل ما نسميه بمنتجات التفاعلات الانسانية من عادات وتقاليد و ثقافة و مجتمع و لغة رأينا في هذه الورقة الوقوف على بعض أبعاد المنظومة التواصلية: الاجتماعي و الثقافي والحضاري والديني، اقتناعا منا بأن تجاهل هذه الأبعاد وعدم فهم طبيعة هذه المجالات لمن شأنه أن يسهم في سوء فهم البعد الحقيقي للتواصل اللغوي ومجالاته الفاعلة.

مفهوم التواصل :

أ – عند القدماء :

يعود مصطلح ) تواصل( إلى الجذر اللغوي ) و.ص.ل( الذي يشير إلى: ‹أصل واحد يدل على ضم شيء إلى شيء حتى يعلقه. و وصلته به وصلا. و الوصل: ضد الهجران. و موصل البعير: ما بين عجزه وفخذه. و الواصلة في الحديث: التي تصل شعرها بشعر آخر زورا. و يقول وصلت الشيء وصلا، و الموصول به وصلا بكسر الواو. و من الباب الوصيلة: العمارة و الخصب، لأنها تصل الناس بعضهم ببعض، و إذا أجدبوا يفرقوا. و الوصيلة: الأرض الواسعة، كأنها وصلت فلا تنقطع.›[1]

نلاحظ من خلال هذا الشرح الذي قدمه ابن فارس؛ و هو المعجمي الوحيد المعروف بتقديمه لدلالات أصول الجذور بشكل مباشر، و هو ما عبر عنه في البداية بقوله: ‹واحد يدل…›؛ قلت نلاحظ أن الأصل في ‹تواصل›الضم و الصلة: فالضم بمعنى جمع وأضاف: يقال: ضم الأشياء: قبضها أو جمع بعضها إلى بعض. و ضم الشيء إلى الشيء: أضافه إليه[2]. و الصلة العطية و الزاد: يقال الصلة: الجائزة…و الزاد[3].

إن معاني: الاضافة و الجمع و الزاد تشير إلى: عدم الاحتياج: فالشيء المضاف إلى شيء آخر بمعنى: آزره و عضده و زاد فيه فهو غير محتاج إلى شيء آخر غيره. و كذلك الشأن بالنسبة للجمع، و أما الزاد فهو غير محتاج لمن يؤازره لأن به تحصل المؤازرة.

و جاء في لسان العرب حديث مسهب عن هذا الجذر يوضح ابن منظور من خلاله دوران هذا المفهوم على الاتصال و البلوغ  و الاعتزاء و الانتماء و الانتهاء و عدم الانقطاع و الانتساب إلى الشيء: ‹وَصَلْت الشيء وَصْلاً وَصِلةً، والوَصْلُ ضِدُّ الهِجْران. ابن سيده: الوَصْل خلاف الفَصْل. وَصَل الشيء بالشيء يَصِلُه وَصْلاً وَصِلةً وصُلَةً… وفي التنزيل العزيز: ولقد وَصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ، أَي وَصَّلْنا ذِكْرَ الأَنْبياء وأَقاصِيصَ من مَضَى بعضها ببعض، لعلهم يَعْتَبرون…

فإذا ما انتقلنا إلى العلاقات الانسانية نجد أن بداية التواصل بين أفراد العشائر اللغوية بداية إحساس بالاحتياج إلى الآخر. ذلك أنه لما انتاب الانسان في القرون الخالية ميل إلى التعاون و تبادل الخبرات و التجارب، استطاع تأهيل الكلمة لتكون الواسطة الأساس و المباشر بينه و بين أخيه الانسان، و التي عن طريقها تمت تهدئة النفوس و تبديد الكره و البغض من القلوب لما حصل من ترق على مستوى التواصل الذي أغنى ذاك الانسان في ذلك الزمان عن الاشارات و الرموز و ما شابه ذلك.

فالمراحل الأولى من عمر الانسان في القرون التي خلت؛ أو كما نتصورها في غياب حديث صريح عن طبيعة حياته و نمط تواصله…؛ كانت دون شك صعبة لأن الأدوات التواصلية لم تكن نابعة من جهازه النطقي كلية لأنه كان يستخدم صدى الصوت فقط قبل أن يكتشف اللغة ، كما أنه استخدم حواسه أيضا لفهم الآخر و التعرف عليه و التعاون معه و الحكم عليه…الخ ، ‹وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً›[4]. و الدراسة الحديثة أثبتت أن أكثر من 70 في المائة من الرسائل المستقبلة يتم استخلاصها من مجموع أنماط التواصل غير اللفظي. اما بخصوص التعارف فكان الوسيلة المهمة في حياة الانسان لأنه خلق لأجله أولا و قبل كل شيء: قال تعالى : ‹ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير›[5]. و التواصل كما نلاحظ من التفاعل الذي يفيد التشارك و المشاركة ، أي أنه لا يتم وحده و إنما بين طرفين أو أكثر تتوفر فيهم قواسم مشتركة على مستوى الجنس و اللغة و غيرها.

ب – عند المحدثين :

يمكن في هذا الصدد تحديد دلالة التواصل انطلاقا من أول من تكلم في التواصل ، و يتعلق الأمر بالمهندسين ويفر و شانون اللذين قدما ترسيمة تقنية و بسيطة:

مصدر المعلومات        المرسل          إشارة         المستقبل           هدف

وسيلة اتصال

تشويش

فهم منها ما يلي :

إمكانية نقل إشارات و معاني و تفكيك رموز الرسالة بواسطة المستقبل مع قياس النتيجة بالهدف المراد الوصول إليه من العملية الاتصالية التي تتم بواسطة لغة متفق عليها سلفا.وتحديد نجاح الاتصال رهين بمدى ما حققته عملية التواصل من أهداف مرصودة صغيرة كانت أو كبيرة. و لعل أعلى مراتب هذا النجاح هو الذي يكمن في النماذج التفاعلية الثنائية الاتجاه .

و لعل هذا الوصف الذي قدمه الباحثان من خلال هذه الترسيمة ما هو إلا نموذج لحالة تواصل بسيط جدا. و ما يمكن أن نعيب عليهما هو أن النموذج لا يسمح بفهم الذي يحدث بين المتخاطبين[6].

إلا أن أول دلالة ظهرت سنة 1160 تعود لفكرة القرب أو التقرب communion و التوزيع partager و هي الفكرة نفسها التي يدور حولها التواصل. و الدلالة الثانية ظهرت في القرن 16 و هي تشير إلى النقل transmission و البث diffusion و هي تعود إلى التطور التقني الذي بدأ مع الطباعة imprimerie.[7] حيث يعود التواصل لبعده المعياري: التوزيع كقيمة و هدف ideal، و لبعده الوظيفي : حيث البث و التفاعل يعدان أفعالا.

إلا أن الذي يحمل ميلاد هذا الحدث ‹التواصل› في القرن العشرين هو الرياضي الأمريكي norbert wiener مؤسس السبيرنطيقا cybernetics التي يعتبرها ‹علم مراقبة التواصل عند الحيوان و الآلة…و هي بالتالي مراقبة الأنساق حية كانت أو ميتة›[8]، و هو بذلك يدرس فاعلية العقل البشري، كما أن السبيرنتيقا قد أنتجت طرقا قوية لمراقبة نسقين هامين هما: المجتمع و الاقتصاد.

ندرك من هذا أننا أمام علم قائم بذاته هو علم التواصل الذي يبحث في عقلنة صيرورة النقل بين الكائنات و الآلات، و بين المجموعات أو الوحدات، و من تم دراسة طبيعة تحرك المعلومة

و قد عرف Le petit robert التواصل باعتباره ‹تأسيس لعلاقة معينة مع شخص أو شيء…و إيصال الجديد أو الرأي، أو الفكرة أو الاشارة…و طلب تواصل مع ملف أو وثائق›

و التواصل يعتبر صيرورة لتبادل المعلومات، و قد نشأ مصطلح La communication من اللاتينية communicare الذي يعني: أشرك غيره و دخل معه في علاقة.
و التواصل بهذا المعنى خلق لجسور التعارف و التعاون بين الأفراد، و الشعوب، و الجماعات. و هو عملية تجاذب و تبادل مستمرة بين كل هذه الأطراف. كما أن مفهوم التواصل يشمل أيضا وسائل الاتصال و الايصال من  قطارات و طائرات و حافلات وتلغراف وتلفون و أنترنيت وكل ما له صلة بعالم التكنلوجيا الحديثة.

و قد خص دومينيك وولتون ثلاثة معاني لهذا المصطلح:

المعنى الأول: التواصل تجربة أنتربلوجية أساسا:

يشمل التواصل مبدأ التبادل مع الآخر على المستوى الحدسي.فلا توجد ببساطة حياة فردية كانت أو جماعية دون تواصل. فإذا كان تأسيس المجتمع رهين بوجود الانسان فكذلك وجود المجتمع رهين بوجود التواصل.فكان التواصل بذلك و في الوقت نفسه نموذجا ثقافيا…ذلك أن التواصل مربوط بهذا النموذج، بمعنى تمثيل للآخر ، لأن التواصل لا يعني: بث، و إنما تحقيق فعل التبادل مع فرد أو مجموعة أفراد. فالفعل العادي للتواصل في الواقع ما هو إلا اختصارا لتاريخ الثقافة و المجتمع على السواء.

المعنى الثاني: التواصل مجموعة من التقنيات :

حيث كسرت هذه التقنيات تواصل الأسلاف المباشر و عوضته بما يسمى بالتواصل عن بعد. فنلحظ أن التواصل المباشر بين شخصين أو أكثر ظل قائما بمعنى من المعاني، و لكنه يتم عبر وسائط معلومة: الهاتف، و التلفاز، و المذياع…حتى أصبح التواصل يتم عن طريق الصوت و الصورة معا، و ذلك باستخدام شبكة الأنترنيت.

المعنى الثالث: التواصل ضرورة اجتماعية و وظيفية على مستوى الاقتصاد:

فانطلاقا من اللحظة التي سيطر فيها النموذج الشيوعي بفتحه لباب التجارة و المبادلات الديبلوماسية ، فقد لعبت تقنيات التواصل دورا موضوعيا لا غنى عنه. فإذا كان الكل مفتوحا و في تفاعل مع تقسيم العمل العالمي، فإن الأنساق التقنية و الحواسيب و الشبكات و الأقمار كل ذلك يعتبر ضرورة وظيفية لا علاقة له بنموذج التواصل المعياري normatif .[9]

و قد لاحظ وولتن وجود نقطة مشتركة بين هذه التحديدات الثلاث: المباشرة، و التقنية، و الوظيفية و هي ما أسماه بالتفاعل interaction .

و على هذا يعد التواصل سلوكا إنسانيا يحكمه التفاعل و يتحقق بواسطة تبادل الأفكار الأدبية أو العلمية أو عبر المنتوج الكلامي اليومي الخادم للعلاقات الاجتماعية على مستويات عدة.

و التفاعل سلوك لا غنى عنه لإنجاح العملية التواصلية، و من صيغته هذه فهو دال على المشاركة، أي على السلوك المتبادل بين طرفين أو أكثر وعندئذ يسمى السلوك سلوكا اجتماعيا وهو كل ما يصدر عن الفرد استجابة لمثير اجتماعي.

إلا أنه لا بد هنا من التمييز بين ما يسمى بالتفاعل بين طرفين يقفان جنبا إلى جنب و هما يتبادلان أطراف الحديث، و بين ما يسمى بالاتصال التفاعلي و هو الذي يفهم منه ذلك الاتصال المحقق عبر شبكة الأنترنيت على سبيل المثال.

أبعاد التواصل

للتواصل عدة أبعاد تتمثل في الأهداف الحقيقية للفعل التواصلي ، حيث تلعب مبادىء التقارب و التلاقح و التقاسم و الاشتراك و التكامل…أدوارا لا غنى عنها من أجل خدمة:

أ- الانسان الذي يتوق إلى التعاون و تبادل الخبرات؛

ب-و الثقافة التي تميز المجتمع و تبرز حقيقة منتوجه و سلوكه؛

ج- و الحضارة التي تعتبر البنية التحتية لكل مجتمع؛

د- و الدين الذي يعتبر الكيان الحقيقي الذي قام عليه صرح هذه الأمة.

أ-البعد الاجتماعي

حيث الانسان الذي به يتكون المجتمع، إذ لا وجود لمجتمع دون إنسان و لا وجود لانسان دون تواصل. فلقد احتاج الانسان منذ القدم التقرب من أخيه الانسان و التعاون معه و تبادل الخبرات على مستويات عدة أملتها عليهما الظروف الحياتية و المجتمعية بشكل خاص. فكرسا جهدهما الفكري؛ باعتبار ما يتمتعان به من هبة ربانية تتمثل في تلك الملكة اللسانية و القدرة البشرية على التواصل ؛ إلى التواضع و الاتفاق على رموز لغوية كانت المنعش الفعلي لأجهزة النطق و السماع الفيزيائية و الفيزيولوجية: حيث التعبير عن الصور السمعية الملائمة للمفهوم ،ظاهرة فيزيولوجية، يتبعه إصدار لذبذبات صوتية معينة تأخذ مكانها في الفضاء، ظاهرة فيزيائية، قبل أن تصل إلى أذن المستمع. و لقد كان دو سوسير محقا حينما فرق بين اللغة و الكلام: حيث جاء التفريق بين ما هو اجتماعي إشارة إلى اللغة و بين ما هو فردي إشارة إلى الكلام ، إلى ما هو أهم و ما هو تابع و ملازم.[10]

و اللُّغة والكلام همـا المحركان الأساسيان للسان الذي بدونهما يبقى تلك العضلة المرنة القابعة في جوف الفم لا دور لها ، فلسان القوم داخل الجماعة الناطقة بالعربية مثلا هو ذاك الانسان الناطق باسمهم و هو يعني فيما يعنيه ذلك الفعل الإنساني المميز وقدرته على التواصل؛ إذ تتمثل تلك القدرة في مجموعة القوانين الضابطة والعلاقات القائمة و التي تكمن في ذهن الناطق بذاك اللِسان، والَّتي لا تتحول إلى وسيلة للتواصل إلا عندما يجسدها الكلام باعتباره خطابا، و الخطاب من طبيعته أن يكون متوازنا و مفهوما، و هو ‹أداة ذات أهمية في تكوين أفعال الجماعة وصناعة سلوكات في ممارساتهم الاجتماعيـة، لكنها تظل في الوقت نفسه عبارة عن مجـرات متعددة لاستعمالات متفرقة›[11].

و في السياق نفسه أكد دو سوسير على أهمية اللغة و الكتابة و اعتبرهما نسقين من الرموز المتميزة، مشيرا إلى أن السبب الوحيد الذي يجعل الكتابة حاضرة هو تمثيلها للغة ، مؤكدا أن الكلمة الشفهية تؤسس وحدها موضوع اللسانيات. معتبرا الكلمة المكتوبة صورة لهذا الرمز المنطوق الذي يجب علينا أن نوليه أهمية أكبر من الرمز المكتوب. موضحا كلامه بقوله: إذا أردنا أن نتعرف على شخص معين علينا أن ننظر إلى صورته عوض وجهه.[12]

و إذا ما أمعنا النظر فيما تصنعه تلك الذبذبات الصوتية من تأثير مباشر و فعال على نفسية المستمع وفق ما خط له نسق اللغة العجيب، لوافقنا دي سوسير على تفضيله اللغة الشفهية على اللغة المكتوبة، على اعتبار أن رمز الكتابة أخذ موقعه من كونه قيمة صوتية أولا و مرئية في درجة ثانية.

و القيمة الصوتية[13]: ‹ محكومة بكثير من العناصر … فبالاضافة إلى العناصر اللّغويّة…،  هناك عناصر أخرى أكثر قيمة  نذكر منها:

1- الصّوت:

أ-النّبر: وهو يمنحك الثّقة بالنّفس، و يقدّم انطباعا عن الشّخص؛

ب-مساحة الصّوت و جرسه: يقدّمان انطباعا على قلقك أو هدوءك؛

ج- تسلسل الأصوات: و هو يعطي انطباعا على الثّقة، و على التّمكّن من الموضوع، كما أنّه يثير الأنظار اتّجاهك؛

د-التّنغيم: لاثارة الانتباه؛

ر-التّلفّظ/النّطق الجيّد: يسمح بالفهم و يعطي قوّة لبعض الكلمات.

2-التّمظهرات الفيزيائية: و نذكر منها:

أ-السّعال؛

ب-تنحنح الحنجرة؛

ج-التأوّه؛

د-أصوات مشوّشة.

و لعلّ كلّ هذه التّمظهرات تخلّف انطباعا سيّئا لدى الآخرين ، و قد تفسّر أو تفهم على أنّها متعمّدة للخروج عن الموضوع الأصلي للكلام.

3-التّنفّس: و له دور كبير في عمليّة الكلام، فمتى كان الانسان لاهثا أو ناهجا فإن أوّل انطباع يحصل هو أنّ هذا الشّخص ربّما مصاب بمرض ما لا يستطيع جعل صوته في سعة.

وهذه العناصر وغيرها تلعب دورا هامّا في عمليّة التّواصل و القدرة على ذلك و في كيفيّة تقديم المعلومة، و من الّذي يتحمّل عبء هذه المعلومة أهو المتكلّم أم المستمع؟›[14]

و إذا ما عدنا إلى الذبذبات الصوتية المشار إليها أعلاه نجد أنها قد أحدثت ضجيجا محمودا عوّض الصمت و الاشارة و ما يشبههما إلى حركة دائبة و إلى نشاط اجتماعي فريد، بل و إلى حقيقة إجتماعية وطدت العلاقات و حافظت عليها رغم ما ينتاب العلاقة القائمة بين التواصل و المجتمع و الانسان من تعقيد ، حيث تطرح العديد من الأسئلة عن كيفية بناء العلاقات، و سبل انصياع الانسان و انقياده و طاعته و الانصات للتعليمات …من جهات أخرى، بعدما كان طليقا حرا يستمع لهواجسه و ينجذب لرغباته و يعيش حياته في صراع دائم مع أخيه الانسان، و مع الحيوان، و مع الطبيعة و تقلباتها و أهوالها…لكن حدث التواصل اعتبر حدثا تاريخيا في حياة البشرية لأنه امتص غضب الانسان و هدأ من روعه و بدأ فكره يستقر و نفسه تطمئن و انطلقت صفات التسامح و التعاون و التجاوز تسري في عروقه و ذاته ، بعدما كانت نفسيته مضطربة ؛ بفعل سوء الاتصال ؛ فكانت تحمل ما تحمل من حقد و كره و بغض و عداء. و لقد  ساعده التواصل أيضا على بناء صرح مجتمع فعال و رصين ، تحكمه تقاليد و عادات و أفكار و قيم و مثل، فغادر بهذا الحدث التواصلي العجيب منطق التسلط، و الغضب المطبق لأتفه الأشياء و سفسافها إلى منطق التحاور و التفاهم و التلاحم.

و انطلاقا من الفكرة التي تقول: لا وجود لمنطلقات تواصلية دون وجود منطلقات تأسيسية لمجتمع معين، أرى من المناسب الربط بين هذا البعد المجتمعي و البعد التواصلي، و ذلك بإيراد ثلاث فرضيات تخص البعدين معا عنون بها وولتون فصله الأول على النحو التالي :

الفرضية الأولى: التواصل شرط من شرود التحديث:

لقد أكد وولتون أن النجاح المبهر للتواصل آت من اجتماع ظاهرتين اثنتين:

1- التواصل ضرورة أساسية:

2- التواصل خاصية جوهرية للتحديث:

الفرضية الثانية: التواصل رهان مجتمع فرداني التجمع

إن نجاح التواصل مرتبط مباشرة بهذا النموذج المجتمعي، حيث يلعب دورا مزدوجا: فهو وظيفي ينظم العلاقات بين التجمعات الكبيرة في إطار الاقتصاد العالمي من جهة، و من جهة أخرى فهو معياري NORMATIVE في إطار نموذج سياسي لديموقراطية التجمع…و بإيجاز فإن المجتمع فرداني التجمع مميز عن طريق هذا الثلاثي بأبعاد ثلاثية أساسا: الفرد، و المجتمع، و التواصل…و أن هذا الثلاثي متناظر ﴿متطابق﴾ مع نموذج التحديث ﴿التكنلوجيا، و الاقتصاد، و المجتمع﴾. و نتيجة هذا التناظر تكمن في أنه لا توجد نظرية للتواصل دون نظرية للمجتمع. فكل نظرية للتواصل لا تحمل نظرة للمجتمع الذي يجمعها تعتبر نظرية ملغاة›[15]

و الحديث عن النظرية التواصلية هو حديث عن النظام الرمزي، و عن لسانيات الترميز أو الخطاب، و عن القدرة الكلامية، و عن قياس المعلومة و عن نظرية مجتمع برمته باعتباره الهيكل و المجال الذي تمر عبره هذه النظرية أو تلك من جهة، و من جهة أخرى باعتباره المسلك الذي يحتوي على حدود النسق الذي يسمح تفسير الظواهر المربوطة بالانتاج الكلامي و توليده.

الفرضية الثالثة:  ذكاء الشعب

إن الفرد نفسه يقول وولتون الذي يوجد: ‹بداخل النسق الديموقراطي، مع الانتخابات العامة، و الذي يستخدم التواصل. فعلينا أن نختار هل المواطن له ذكاء يؤهله كي يميز الخطابات السياسية و الأصول المشروعة…ففي تقنيات التواصل توجد أدوات مجتمع تواصلي›[16].

و لعل من أبرز هذه الأدوات السيطرة على بعدي التواصل – و هو طريق نجاح التواصل-  و هما:

أ- القواعد الحاكمة للتواصل و المشغلة للمعلومة؛

ب- الأدوات العلاقية باعتبارها أدوات للفهم

ب- البعد الثقافي:

حينما يصبح الفرد داخل المجتمع متحررا من قيود التبعية المطلقة و فكره قابلا لاستقبال أفكار جديدة و إبداعات الغير و بلغات أخرى أو باللغة نفسها، و حينما يستوعب هذا الكائن الانساني المميز أبعاد المقاربة التي تربط بين منتوجه الفكري و مجموع الممارسات الفعلية داخل المجتمع، و حينما يصبح قادرا على أن يكون صلة وصل بين مختلف المضامين التي استقبلها و صناعته هو لمضامين جديدة آخذة بعين الاعتبار الواقع الحالي بكل مميزاته و متناقضاته و مستفيدة من تلك الصناعات الوافدة عليه. حينذاك يمكن القول إن هذا الفرد قد امتطى راحلة المثقف و هو بذلك قد أسهم في تأسيس لبنة من لبنات المجتمع الذي يعيش فيه.

إن الثقافة باعتبارها مجموع المعارف المكتسبة لدى الفرد تعتبر سلوكا تواصليا مستمرا بين الأفراد داخل المجتمع الواحد أو بين مجتمعات متباعدة. و تتجلى الثقافة فيما ينتجه المثقف المبدع من فنون تشكيلية و كتابات أدبية أو علمية ناشئة عن:

أ- الدراسة الدقيقة للظواهر قيد التحليل؛

ب- الملاحظة الدقيقة لوصف الظواهر المختارة؛

ج- التفسير العلمي الممنهج للظواهر أو المفاهيم؛

د- النقد البناء لاسهامات الآخر؛

ر- الترجمة الدقيقة لابداعات الآخر؛

ز-الاستشهاد بأمانة من خلال قراءة دقيقة و مستوعبة للمضامين المتوفرة…الخ

فالترجمة على سبيل المثال لا الحصر تعد حسب المهتمين بالشأن التواصلي ناقلة نووية للفكر و للثقافة باعتبارها قدرة انسانية خارقة لتبادل الأفكار، و ليس بمقدورنا ترقيتها ما لم يكن هناك انفتاح على العالم، و هو الأمر الذي جعل أوديل ريوندي تقول: لا يوجد تواصل دون انفتاح إدراكي على العالم[17]. و لا يمكن لنا الوصول إلى الانفتاح المطلوب ما لم نتوفر على صناعة ترجمية، و تجربة لغوية هائلة تضمن تحقيق هذا البعد الثقافي بكل تجلياته و حمولاته و غاياته التي توفر لنا طرق الاكتشاف و الاخبار و الاقناع و المساعدة و المثاقفة و تحديات العولمة و التسلية و هلم جرا.

إن الفكر الانساني بما اكتسب من معارف جديدة عبر التلاقح الثقافي بين الشعوب و الأفراد و المجتمعات، لقادر على خلق أفكار جديدة و الترويج لها، لأن الفعل الثقافي قد عمل عمله في ذاكرته و مخيلته و دماغه و إدراكه و وجدانه الداخلي و الأخلاقي و ذوقه الجمالي، بل و أحاسيسه، و أصبح باستطاعته تفريغ ما استقر من متناقضات و ما هو جاهز لقبول الأفهام له و ذلك عبر الكتابة التي تعتبر أداة تواصل بين كل المجتمعات و التي بدونها يصبح المجهود المعرفي أو الثقافي في الانسان جد محدود إن لم نقل إننا قد نفقد هذا المجهود إلى الأبد. و ذلك عن طريق التقنيات المتطورة، و التي أصبحت اليوم رائدة في هذا المجال التواصلي.

إن التلاقح الثقافي بين مختلف الثقافات القريبة أو البعيدة لمن شأنه أن يضيف لفكر الانسان معرفة جديدة و ثقافة إنسانية نابعة من تجربة:

مجتمع خاض النضال و الثورات و الآهات؛

أو مجتمع ركن إلى الهدوء و السكون بحكم عزلته أو بعده الجغرافي؛

أو مجتمع تضوع أبناؤه الجوع و الحرمان بحكم موقعه البعيد عن المياه و البحار و طبيعة أرضه الجرداء القاحلة و قلة الغابات و الأشجار المنتجة للثمار؛

أو مجتمع عاش صراعات سياسية و ثقافية و دينية حادة؛

أو مجتمع عاش مدافعا عن حقوق وهمية؛…

كل هذه المجتمعات لا بد و أن تفرز ثقافات معينة قد تفيد في التعرف على تجارب الآخرين و هي تجارب مختلفة و متنوعة تعبر عن ثقافات مصقولة و إبداعات مدوية لا يفهمها أو يستوعبها سوى المثقف الممارس و المبدع الحاضر و الانسان المتابع لأحداث المجتمعات الانسانية و المتغيرات العالمية سواء كانت إقتصادية أو جغرافية أو سياسية…الخ.و لعل أهل التاريخ قد يعتمدون كثيرا السياقات الثقافية لتجديد معطيات الحقبة المتحدث عنها و الابتعاد عن الأضاليل التي تصاحبها.

ولقد كان للثورة المعلوماتية في العقود الخيرة أهمية بالغة في تحديث الثقافة نفسها و السير بها على أبعد مدى و هو ما أكده بوبكر خلوج مدير المركز الوطني للاتصال الثقافي خلال الندوة[18] التي تجمع بين “مسألة الثقافة، عملا وممارسة ميدانية، وبين “مجتمع يرتبط ارتباطا متزايدا بالمعرفة المعلوماتية وبتكنولوجيا الاتصال الحديثة : أن الثورة الاتصالية هي “مدخل الحداثة التي تَسْعى الدول والشعوب الى مواكبتها والتكيّف معها والاستجابة إلى مقتضياتها لضمان نسق نموّها كبلد صاعد“.

وفي السياق نفسه طرح الدكتور خلوج بعض الاسئلة التي اهتمّ بدراستها المتدخلون في الندوة و المرتبطة بالمضامين الحديثة التي توفرها الأساليب المعلوماتية الحديثة منها:

ـ ما هي خصائص التحوّلات الثقافية، ممارسة ومضامين، في المجتمع المعاصر؟

ـ ما هي الأشكال الجديدة للعمل الثقافي التي تتيحها ثورة المعلومات والاتصالات، وما علاقتها بأشكال الثقافة التقليديّة؟

ما هي آليات العمل الثقافي في العالم وما هي خصائص تونس للحفاظ على هويتها وتراثها؟، ما هي الادوار التي تلعبها ثقافة الصورة في تعميق واثراء الممارسات الثقافية؟

وأخيرا، ما هي اشكال التفاعل التي ينتجها الاعلام الثقافي في مجتمع الاتصال والمعلومات؟

و قد أجاب الدكتور محمود الذوادي عالم الاجتماع التونسي على هذه الأسئلة مجتمعة من خلال مداخلته عن الرموز الثقافية في عصر الاتصال وهو يَعْني بذلك المقوّمات الأساسية للثقافة التي تميّز الجنس البشري، وعلى رأسها اللغة و الفكر مشيرا إلى الخاصيات التي تتسم بها هذه الرموز، مثل اللامادية والثبات وسرعة الانتقال، وقدرتها على شحن الطاقات. وأوضح أنّ هذه الخاصيات هي التي تجعل إمكانية الحوار بين الثقافات واردة.[19]

و هنا ينبغي أن نفتح قوسا مفاده أن الانفتاح الثقافي لا ينبغي أن يكون انفتاحا اعتباطيا ساذجا و إنما انفتاحا عقلانيا حذرا ينهل مما فيه صلاح الأمة و تبديد همومها، غير بعيد أو مناقض لما يجري في الثقــــافة الإسلامية المنبثقة من البعد العقدي والروحي للدين الإسلامي الذي يعتبر نورا ة مشكاة للهداية و الصلاح.

و لذا يفهم من الانفتاح الادراكي ذلك البعد الثقافي الذي يعمل على إضافة باب أو منعرج إلى الادراك و هو في ذلك مسهم في هز الادراك هزا و خلخلته من الداخل كي يستفيق من غفلته و نومه و خموله، و غير متجاوز لحدود المنظومة الدينية كإطار مرجعي لا بد منه.

و الانفتاح هو غير الانطواء كذلك ،و لكنه ليس انفتاحا مطلقا و لا ينبغي أن يكون كذلك لأن طاقة الانسان محدودة مهما أخذ، و له مشاعر و أحاسيس تتفاوت درجات رهافتها: و ما تلقيه أو انفتاحه على ثقافات بعض المجتمعات السابقة من بعض التجارب المريرة قد يجعله متحيزا منجرفا أو متعاطفا منزويا أو مهاجما جسورا أو صامتا كتوما، و هو بذلك قد لا يخدم الثقافة بقدر ما يطفىء نور التواصل الذي يعتبر أمل الشعوب و الأمم في بسط هيجانها و تفريغ غضبها حتى يهدأ بالها و يطمئن فكرها و تنجو ثقافتها.

ج- البعد الحضاري:

تعتبر الحضارة سمة من سمات المجتمعات الكبرى، عمل الانسان على بناءها و نماءها و تطويرها حتى عد المجتمع الذي يحملها مجتمعا راقيا و شامخا رفيع المستوى و القدر، و لإن كانت تلك الحقبة التي أنجزت فيها تلك الحضارة قد ذهبت و ولت أو مرت عليها حقبة طويلة مثل الحضارة العربية و الاسلامية المتمثلة في مناطق كثيرة من العالم و التي أصبح كثير منها اليوم بيد العجم مثل حضارة الأندلس التي هي تحت النفوذ الاسباني ،و التي تشعرك ؛حينما تكون متجولا بأماكنها و بين جدرانها بحنين إلى الماضي الذي تتواصل معه عن طريق الرؤية و الشم كذلك: شم الحجر و الطين و الجير المستعملة في البناء، و رؤية العمارة العربية الأصيلة، و كأنك تتجول في الوداية بالرباط أو في بعض المدن العتيقة من المدن المغربية و كثير من المدن العربية المجاورة حيت توسط المسجد الذي تسير إليه من أي طريق تختار، و رسم طرق خاصة للأسواق التجارية، إلى  غير ذلك من الجوانب الخارقة التي تنم عن حسن التخطيط و التدبير على جميع المستويات و لأجل تحقيق كثير من الأبعاد و الغايات سواء كانت اجتماعية أو دينية أو أمنية…، و التي توضح مدى الوعي الحضاري الذي كان سائدا في ذلك الزمان خادما للمكان و الانسان: أ- أما المكان فيتمثل في صلابة العمران الذي ظل شامخا لقرون عديدة ناطقا بعبقرية الانسان ؛ ب- هذا الانسان الذي ظل آمنا مطمئنا في مسكنه بين أهله و دويه، متحركا بحرية و احترام، و متواصلا مع الجدران و الأزقة و الطرقات في تجارته و عبادته و مجالسه و تجواله…لا يجد صعوبة في نقل بضاعته من سوق إلى آخر فالطريق سالك ميسر، كما أنه لا يجد عقبات في بلوغه المسجد فكل الطرق واصلة إليه لتواجده في قلب المدينة…

و الحضارة كما عرفها معجم Le petie robert كما يلي: مجموع الظواهر الاجتماعية (الدينية، و الأخلاقية، و الجمالية، و العلمية، و التقنية)في مجتمع كبير أو مجتمعات متعددة[20]، و هي كذلك: مجموع السمات التي تحدد مجتمعا أو دولة في حقبة زمنية معينة من تاريخها سواء من وجهة نظر مادية ، و تقنية، و علمية ، أو من وجهة نظر أخلاقية و ثقافية و فنية[21].

و الحقبة الزمنية التي أشار إليها التعريف مهمة جدا لفهم أبعاد التجربة الانسانية بكل مضامينها: الثقافية أو الدينية…خصوصا إذا ارتبطت تلك الحقبة بحضارة معينة تقصي كل تأويل أو تشويش أو تمويه للحقائق.

إن معالم الحضارة الانسانية لا يخفي فترات الازدهار و الرقي التي عاشتها أمة من الأمم  و هي شاهدة على ذلك بالرغم من التقادم الذي أصاب كثيرا من أجزائها. كل ذلك بفعل المرويات الكلامية التي تناقلها أبناء المنطقة جيلا بعد جيل، و التي تستطيع من خلالها فهم واقع أمة، بل و العودة بالأذهان؛ إذا ما كنا من دارسي التاريخ؛ إلى تصور ما كانت عليه تلك الأمة، باعتبار ما يقوم به الفعل الكلامي المرتبط بتلك الصور و المآثر القديمة من تحقيق فعل تواصلي يوازي؛ في كثير من الأحيان؛ التواصل العادي بين شخصين أو أكثر.

إن تناقل الخبر على الرغم من توثيقه في كتب التاريخ قد يضيف أحيانا بعض اللمسات، و يجعل الأفهام تستنير و تدرك لماذا و كيف و بم تم صنيع هذا الصرح أو ذاك.

إلا أن الوظيفة الحقيقية للحضارة، هي أن توفر لكل عضو داخل مجتمع معين جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتقدمه و ازدهاره، و إحساسه بذاته و كيانه في جميع مجريات حياته، بما في ذلك أمنه و استقراره، و عيشه و راحته، و مساواته و حسن تقديره، و حريته على مستوى  فكره و تواصله…كما كانت معالم الحضارة السابقة، و التي وفرت للانسان حقا هذه الضمانات على جميع المستويات. و إننا جميعا مطالبون لاستلهام الكثير من الدروس عبر تلك المعالم التي جعلت إنسان ذلك الزمان في تواصل دائم مع محيطه و بيئته و مجتمعه أكثر من إنسان هذا الزمان الذي ظن ؛ مع تزايد تقدم تكنلوجيا الاتصال الحديثة؛ أنه أكثر اتصال و تواصل من ذي قبل.

إن فهم البعد الحقيقي للتواصل الحضاري يجعلنا ندقق في طبيعة التواصل السائد الذي قرب لنا البعيد، و جعلنا نعيش بسرعة فاقت كل الظنون…، و لكنه أحدث عندنا قلقا متواصلا و توترا دائما متمثلا في بعد المدارس و المساجد و الأسواق و الادارات…،و خلق صراعا بين المؤسسات سواء أكانت للبناء أو التدبير أو التعليم أو النماء…أسهم في تيه الانسان وسط الزحام متنقلا هنا و هناك غير آبه بغربته و بعده و قلقه و سوء تذوقه لمجريات حياته التي كانت ستكون هادئة طبيعية و رائعة إذا تبددت الفوارق و اقتربت المرافق و سكن جشع الكوادر و المسهمين في بلورة مخططات الجحيم و إبعاد الناس عن المحيط الذي يسهل فيه الاتصال و التواصل الحقيقي، إلى رداءة الفضاءات التي تتيه بهم عن الجمال الطبيعي، فتولد لديهم اعتياد جمال بعيد كل البعد عن نكهته و سماته، كما قد يؤدي لمن ارتاد هذا الطريق فساد ذوقه و اجتياله عن فطرته.

د- البعد الديني:

حينما نربط التواصل بالدين ،فكأنما نربط نظاما متكاملا بآلة تشغيل ناطقة و لكنها مطوقة برموز هذا النظام و ضوابطه و ثوابته و وسائله المؤدية إلى التبليغ و الإقناع و التأثير و التأثر و التفسير و الافهام. و الدين بهذا البعد يصبح إطارا مرجعيا لا غنى عنه يسخر اللغة لكل ما هو جميل و عظيم و دائم و فريد و مفيد…لا لغو و لا تنابز و لا تفاخر و لا نفاق و لا مخيلة…و إنما العمل على تحقيق مبدأ الرضا في الكلام.و الانسان بهذا المبدأ إذا تكلم انبثقت منه الأنوار فتدفقت اللغة من جهازه سلسة منقادة لا غبش فيها و لا تكليف أو تزييف…فإذا ما التقطها المستمع كانت له سكنا و نورا، فتحقق التواصل كاملا لا تشويش و لا ضجيج يمكنه أن يعكر صفو القناة، ما دام صفاء الكلام النابع من قلب الانسان المحلى بهذه الصفات يسير وفق ما خطط له الرحمان و نبيه العدنان عليه أفضل السلام.

و إذا ما مثلنا ببعض الشعوب التي كانت و ما زالت في بعض المناطق من العالم تمارس طقوسا دينية معينة تعتقد من خلالها وجود قوة مسيرة للعالم، و تعمل على إرضاءها، فهي بذلك تردد ألفاظا و نصوصا دينية؛ على الرغم من انقراض أو موت اللغة التي تحملها؛ فهي تحفظ لنا سلوكات كلامية سامية تتناقلها من جيل إلى جيل، ولكن الاستمرار في تلك الطقوس قد أصاب تلك العبارات بالصمود ، و جعلها تحفظ بعناية و دقة بالغة.و هي بذلك في تواصل عجيب و تلذذ فريد ترن تلك الكلمات في جوارحها رنات كلها جمال و ذوق و أمل…كما أنها قد تعلمنا بواقع الأمة اللغوي و الديني و التربوي…كما يعلمنا ديننا الحنيف بواقع الأمة الاسلامي؛قبل بعثة محمد صلى الله عليه و سلم؛و هو واقع كان يسود فيه الجهل،و العبودية، و هضم حقوق المرأة و الطفل، و الاعتقاد الخاطىء و الفساد الظاهر وهلم جرا. كما يعلمنا بواقع الأمة بعد بعث الرسول الأمين عليه أفضل الصلاة و أزكى التسليم و نزول القرآن الذي أضحى سكنا للقلوب و النفوس و عرج بها إلى الصراط المستقيم، و أنار ظلام الجهل الذي كانت قابعة فيه.

لقد أصبح التواصل الديني ضرورة إجتماعية لا غنى عنها مثل المأكل و المشرب لأنه يزودنا بما عساه أن يجدد نظرتنا للدين و يرشدنا إلى الهدى و الفلاح و طريق الرشاد…كل ذلك بهذا المصطلح القرآني المكين الذكرى قال تعالى: (و ذكر فإن الذكرى تنفع المومنين)[22]، و قوله تعالى: (و ما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى)[23] إلى غير ذلك من الآيات التي يشير فيها المصطلح إلى أن الكلام المجدي و الفعال هو الكلام الذي يترك بصمة خير في النفوس فينقلها من حال قد أساءها إلى حال يسرها فتنتفع بذلك. و التواصل الديني هو من أرقى السلوكات الكلامية و أنجعها لمعالجة القلوب و تصفية النفوس و تصحيح المعتقد و تجديد النية لله تعالى بهذا الفهم الجديد للدين و بهذه الشحنة الكلامية التي تدوي في الأعماق و تداوي المومنين الأخيار: (و جاءك في هذه الحق و موعظة و ذكرى للمومنين)[24]

إن المجتمع الذي يسود فيه الدين، و تتآلف أفراده و تترابط برابط الدين ، تصبح كل الأفعال الاجتماعية الناتجة عن هذا المجتمع حينئذ محددة لسلوكات الأفراد دون أية تجاوزات أو خروقات من شأنها أن تعمل على زعزعة و خلخلة استقرار و أمن المجتمع أو حصول مطاحنات و منازعات…قد تؤدي إلى الشتات و التفرقة…، أو انتشار الظلم و الحيف و الزور…

و التواصل بهذا البعد الديني صيرورة أمنية مؤمنة لكل العلاقات القائمة، سواء تعلق الأمر بعلاقات الزوجية أو البيشخصية أو الجماعية ، فإن هذا البعد يخفي؛ بدرجات متفاوتة؛مفاهيم التفوق المعرفي، و سوء الظن، و تزوير الحقائق، و الغش، و بهر الآخر بالكلام المنمق و المظهر الخادع المزخرف،…و لعل مفاهيم: إحقاق الحق، و حسن الظن، و بعث الأمل، و تصحيح الخطأ، و تقويم الفساد، و إنكار المنكر، و الأمر بالمعروف…تسهم؛ إلى حد كبير؛ في إقامة تواصل فعال، و نافع بناء يخدم مسار الأمة و يحقق آمالها و أحلام أبناءها.

الهوامش:

1- مقاييس اللغة؛المجلد السادس؛مادة:وصل؛ص.115.

2- المعجم الوسيط؛مادة : ضم؛ص.544.

3- المعجم الوسيط؛مادة : ضم؛ص.544

4-الأحقاف.26

[1] 5- الحجرات:13

6-و مع ذلك فقد ميز كل من شانون و ويفر بين ثلاثة إشكالات للتواصل نعرضها على النحو التالي :

أ- إشكالات تقنية : تتعلق بإحكام نقل سلاسل من الرموز؛ تبعا للقناة و المجال و الزمن؛ من متكلم إلى مستمع.

ب- إشكالات دلالية : تتعلق بمدى التطابق المتوقع بين تأويل المتلقي و قصد المرسل : يتعلق الأمربتأمين الصور الناتجة عبارة عن تمثيلات موضوع يواكب مقاربات كل من المتكلم و المستمع.

ج- إشكالات المردودية :تتعلق بنجاح نقل الدلالة إلى المتلقي.

علما أن عالم الاتِّصالات الأمريكي كلود شانون هدف من خلال تصوره هذا تحسين مردوديَّة الاتِّصالات البرقيَّة الَّتي تتمُّ عن بعد للحصول على اتِّصالات مضمونة وخالية من التَّشويش. و لم يلبث أن تطوَّر هذا التصور بسرعة على يدِ العالم اللُّغويّ (رومان ياكبسون) في بداية الستِّينيَّات من القرن الماضي، إذ حدَّد جوهر التَّواصل اللِّسانيّ، وجعله قائماً بستة عناصر؛ هي على التَّوالي:

7 penser la communication ;P .36-37.

– ينظر كتابه Cybernétics or control and communication in the animal and machine : 19488-

penser la communication ;1997 ;P.16-17-18 بتصرف. 9- 10 cours de la linguistique generale ;P.30.10 1 11- مصدق حسن؛ النَّظريَّة النَّقديَّة التَّواصليَّة؛ طالمـركز الثَّقافيّ العربيّ، الدَّار البيضاء- المغرب، 2005م، صـ(79).

– م.ن. P.4512-

13- لقد اكتشف العالم الفرنسي البرت مهارابيان ، و هو من جامعة هارفارد أن 93٪ من عملية الاتصالات تكون غير ملفوظة حيث أكد أن :

– نسبة تعبيرات الجسم تصل إلى 55٪

– بينما نسبة نبرة الصوت تقتصر فقط على  38٪

– أما الكلمات ففي أسفل الهرم ب 7٪

14- اللغة و التواصل الاجتماعي؛عبد الاله الاسماعيلي؛مجلة فكر؛العدد7؛ص.85-86

15- م.ن. P .39-41.

– م.ن. P.4316-

من خلال :17 intelligence collective et la contagion des idees.conversation avec M.philippe lemoine et M.me odile riondet

18- نظم بتونس فيما بين 16 و17 ديسمبر 2004 ندوة، كان منسّقها عالم الاجتماع د. نجيب بوطالب، حول الممارسات الثقافية في مجتمع المعلومات والاتصال.

19 هل ابتلعت وسائل الاتّصال الحديثة أشكال الثقافة التقليدي؟؛ المركز الوطني للتوثيق؛ خيرة الشيباني؛تونس.

20– مادة:civilisation ;P.320.

21- معجم Axis ;v.2 ;P.588.

22- الذاريات.؛55.

23- عبس؛4 .

قائمة المصادر والمراجع

1 – بالعربية:

القرآن الكريم برواية ورش.

أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم؛صديق بن حسن القنوجي؛دار الكتب العلمية بيروت؛1978؛تحقيق عبد الجبار زكار.

لسان العرب،ابن منظور.

المعجم الوسيط.

مقاييس اللغة؛ابن فارس.

النَّظريَّة النَّقديَّة التَّواصليَّة؛ مصدق حسن؛  طالمـركز الثَّقافيّ العربيّ، الدَّار البيضاء- المغرب، 2005م.

2- بالافرنجية:

cours de la linguistique generale ;Ferdinande de saussure ; 1982;Payot ;Paris.

Cybernétics or control and communication in the animal and machine; norbert wiener : 1948.

intelligence collective et la contagion des idees.conversation avec M.philippe lemoine et M.me odile riondetr

Penser la communication ; Dominique Wolton ;Flammarion ; 1997.

The child and society: The process of socialization . Elkin, K. & Handel, G. (1978).The New York: Random House.

Les interactions verbales ;Catherine Kerbrat-Orecchioni ;Armand Colin editeur ;1992 ;Paris.

3– المجلات والجرائد :

جريدة الشرق الأوسط: لفي ستراوس: العدد 10936 .

اللغة و التواصل الاجتماعي؛عبد الاله الاسماعيلي؛مجلة فكر؛العدد7.

أستاذ اللسانيات كلية الآداب بمكناس



الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق