الموقع

حب الوطن..

*أسامة طبش

حب الأوطان شعور لا يماثله شعور، قد قيل فيه الكثير والكثير؛ كتابات، أشعار، ملاحم تحكي تخليد تاريخه المجيد، يجف حبر القلم في تعديد خوالج النفس  تجاهه؛ هو الجذور، هو الامتداد، هو أصولنا الضاربة، يقول الشاعر: وحبّب أوطان الرجال إليهم * * *  مآرب قضاها الشباب هنالك

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم * * *  عهود الصبا فحنوا لذلك

يقول نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام عن مكة المكرمة:( ما أطيبك من بلد، وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَك)، مكة المكرمة هي تلك البقعة المباركة، هي مهبط الوحي على رسولنا الأكرم، يهفو قلب كل مسلم إلى رؤياها ومعانقة كعبتها المشرفة.

حب الوطن نعمة امتن الله بها علينا، سرّ أُودع في النفس البشرية، كيف لا وبلدك مسلم موحد لله سبحانه وتعالى، تحنّ وترغب في العودة إليه، مهما باعدتك الأزمان والمسافات، يبقى اسمه محفورا دائما في  سويداء قلبك.

تأتي إلى أذهاننا الكثير من الصور عندما نتذكر أوطاننا الجريحة؛ فذاك يعاني من مشاكل داخلية، وذاك يعاني هجمة خارجية، وذلك يحاول لملمة جراحه، يخطو خطوات حثيثة يستشرف بها مستقبلا أفضل، يرنو العيش في هناء وسلام، ينشد استقرارا وتعايشا بين مكوناته.

وطن إلى جانب وطن، هي فسيفساء رائعة لأوطان تجمعها: لغة ودين وانتماء حضاري، هي أمّة إذا، ارتسمت منذ مولد هذا الدين، فيا لها من معانٍ سامية، تطغى على مفاهيم ضيقة، لأوطان اختزلت بحدودها جغرافية.

عندما ننظر إلى الجزائر، تجتاحنا العديد من المشاعر، قد تغلب علينا العاطفة الغامرة والعبرة الخانقة، الجزائر قبل احتلالها الفرنسي كانت عملاقة عظيمة الهامة، انتصرت بقوتها وبأسها على مستدمر غاشم،  ثم واجهت سنوات عجاف تحاول الآن استعادة أنفاسها، بسواعد أبنائها.

نتذكر معاناة أجدادنا، نتذكر كيف قاسوا وضحوا، أولئك الذين سقوا أرضنا الطاهرة بدمائهم الزكية، لننعم الآن باستقلالنا وحريتنا، تأتي إلى أذهاننا صور القتل والتدمير وإزهاق الأنفس البريئة، فيجتاحنا الحزن والشعور بالجزائرية في أعمق أعماقنا، تكتسي أقوالنا وأفعالنا، أستحضر كلاما للراحل أحمد درويش يعبر عن شوقه لفسلطين:

وطني غضبة الغريب على الحزن
وطفل يريد عيدا و قبلة
ورياح ضاقت بحجرة سجن
و عجوز يبكي بنيه.. و حقله
هذه الأرض جلد عظمي
و قلبي ..

فعلا حب الأوطان سمة إنسانية، لا أتصور إنسانا حرا عزيزا كريما، يتنصل لوطنه أو يفرط فيه، يستبدله بعرض زائل من متاع الدنيا، إن حدث ذلك، فعليه أن يراجع نفسه ألف مرة، فمهما يكن لا يمكن أبدا أن تتنكر لتاريخك وأصلك، فحبّه فطري، يجذّر الإنسان في أرض ترعرع وعاش فيها، ألف أهلها وناسها فكانت له معهم ذكريات كثيرة جميلة، حب الوطن مثال لرابطة الأبوة أو الأخوة أو الزوجية، هو جبلّة جبلنا عليها.

هي الجزائر إذا في قلوبنا وأرواحنا، مهما تألمنا ومهما تعذبنا، ومهما قاسينا ومهما عانينا، تبقى الجزائر هي أعز ما نملك، هي الحضن الدافئ، هي النبع الصافي الذي يملأ قلوبنا، هي إطلالة مشرقة على حياتنا، تجمعنا وتوحدنا، تصهرنا في بوتقة واحدة، بأطيافنا وانتماءاتنا، عندما تسألني من أكون؟ أقول لك أنا جزائري وفقط، إن أردت فهمي فاقرأ تاريخي، واقرأ المسيرة التي طبعتني، فالأكيد ستفهمني أكثر وأكثر، يقول شاعر ثورتنا مفدي زكريا:

جزائـر يـا لحـكايـة حـبي * * *  و يا من حمـلت السـلام لـقلبي
و يا من سكبـت الجمال بروحي * * * و يا من أشعـت الضياء بـدربي

هو الوطن في أبهى تجلياته وفي أجمل حلله، فليحب كل منا وطنه، فالوطن إن ضاع أو تمزق أو انهار، ستكون طعنة خنجر ستنزف منها أمدا بعيدا، وهيهات هيهات أن تشفى بسهولة من آثارها، فاللّهم احفظ أوطاننا وآمنا فيها، ورد كيد كل متربص بها، وارزقنا شكر نعمتك التي أنعمتها علينا.

كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق