ثقافة المقال

الحب في زمن الكورونا

راضية تومي

قال لها قبّليني، قالت له أخشى على نفسي من الكورونا…
قالت له قبّلني، قال لها أخشى على نفسي من الكورونا…
هكذا أصبح الكورونا يتحكم في عفوية و اندفاع الحب. يجعل المُحبين يفكرون ألف مرة قبل القُبلة و يدفع الأحباب و الأصحاب و الأقارب إلى التفكير بجدية قبل تبادل الأحضان و القُبل.
الكورونا اليوم سيّد يصنع جغرافيا جديدة للحب. إنه حبّ في زمن الكورونا. فيروس أعاد تهيئة المسافات بين الأجساد المشتاقة و المُحبّة. بين الأصدقاء وضَع الحواجز. بين الجيران فرَض مسافة الأمان، ذلك أن الحبيب و الصديق قد يكون مصدر خطر رغم كلّ مشاعر الحب التي يحملها في قلبه. لم تعد المشاعر كافية اليوم ليكون الحب خاليا من “الأذى”…
كي تُعبّر عن حبّك شخصا ما في زمن الكورونا عليك أن تحترم الحواجز و مسافات الأمان، أن تتعلّم و أن تتعلّمي طرقا جديدة تُعلِم بها الحبيبة أو الحبيب بحبك. إنه الحب عن بعد. الحب بالنظرات مثلا، بالكلام، بالآهات، بالإشارات على مسافة متر على الأقل…
يمكنك أيضا أن تحتل فضاءك الافتراضي و ترسل كل السمايليز أو الإيموجيز التي تعكس مشاعرك بنقرة واحدة أو عدة نقرات.

هذا السمايلي مثلا سيُعبر عن حُبّك الغارق في الوله للحبيب…
أما إذا كنت تريد أن تُقبل شخصا تحبه و تكنّ له مشاعر عميقة دون أن تُعرّض صحتك للخطر فبإمكانك أن ترسل له السمايلي التالي و أنت في منزلك. ستكون قبلة افتراضية عن بعد، لا تحدث بوجود هذا الشخص بل تم الترتيب لها قبل إرسالها عبر الفايبر مثلا:

وإذا أردت احتضان هذا الشخص الذي تحبه أو الصديق الذي اشتقت إليه، فإليك هذا الحضن الافتراضي الآمن الذي ستخبره عن طريقه أنك تحتضنه مسبقا و لكن من وراء شاشة الهاتف مع تحذير مُسبق له بعدم الاندفاع نحوك يوم اللقاء:

أما إذا أردت إعلام الأصدقاء أنك لن تصافحهم بعد اليوم بسبب الخوف من العدوى، لا عليك، أرسل لهم مسبقا هذا الإيموجي عبر الفيسبوك أو الواتساب كي ينوب عن المصافحة الحقيقية الخطرة:

والكثير من هذه الصور سيُعوّض اقتراب الأجساد من بعضها البعض في زمن الفيروس الذي يهدّد حياة البشر و يعيد في الوقت ذاته ترتيب خرائط الحب الجسدي بينهم و هندسة العلاقات الإنسانية العاطفية و الاجتماعية في هذا العصر.
لكن بعيدا عن كل هذا لنطرح السؤال الهام الآتي: ما الذي نحتاج إلى التفكير فيه من جديد و نسائل أنفسنا عنه في خضم هذه الأزمة الصحية العالمية؟ الواقع أن لكل مشكلة جانب إيجابي ما أو ربما أكثر من جانب. فكما يقول المختصون في التنمية الذاتية، يجب دوما أن ننظر أو نحاول النظر إلى النصف المملوء من الكأس.
أما عن الجانب الذي أودّ أن أدعو إلى التأمل فيه فهو الجانب الاجتماعي أو بصفة خاصة ما يتعلق بالعلاقات الإنسانية سواء كانت حميمية أو رسمية.
الكورونا جعلنا رغما عنا مُجبرين، إذا ابتغينا سلامتنا، على احترام مسافة بيننا. لا مصافحة و لا عناق و لا احتضان كي نُقلل سبل انتقال العدوى إلى أقل قدر ممكن. لم يعد ضروريا أن نُظهر محبتنا للقريبين منا بمصافحات و عناقات…لم يعد آمنا في ظل هذا الظرف الطارئ و الذي يمس بصحتنا أن يصافح الجيران أو زملاء العمل بعضهم البعض كل يوم أو أن تقبّل الزميلات في العمل بعضهن البعض على الخدين صبيحة كل يوم عمل جديد على سبيل التحية التي تشير في سيمياء العلاقات إلى الاحترام و المحبة.
في الواقع، نحن لا نحتاج دوما إلى مثل هذه الطقوس كي نثبت حبنا الدائم للآخرين أو احترامنا لهم. المحبة موضعها القلب و البعض يعيشون طقوس التقبيل و المصافحة اليومية على أنه تقليد إجباري لطمأنة الآخرين بأنهم يحبونهم و يحترمونهم.
أحيانا، فيما يخص بعض الناس، لا يكون ذلك نابعا من مشاعر حب و احترام حقيقية لأنه ببساطة بعض هؤلاء الناس يُضمرون في دواخلهم ما لا يُظهرون. هذا الجار مثلا الذي يهرول كل يوم لمصافحتك و تقبيلك قد يكون عدوا لك و هكذا فكل علامات الحب تلك التي يُظهرها لم تكن سوى نفاقا.
ماذا لو فكرنا في أن نكون أكثر صدقا في علاقاتنا مع الآخرين سواء صافحنا أم لم نصافح غيرنا، قبّلناهم أمْ لا؟ لتكن علامة الحب الحقيقية الصدق الذي نحمله في قلوبنا إزاء الناس و الحب الذي نحمله لهم في أعماقنا.
بعض الأفراد يحجمون عن التعبير عن مشاعر الحب لأهلهم و أصحابهم و أحبابهم خجلا أو خوفا من ردة فعل هؤلاء. قد يخجل الابن أو الابنة أن يحتضنا والديهما و قد يخجلان من تقبيلهما. أكيد ليس بسبب عدم رغبتهما في ذلك بل بسبب تربية تلقياها لم تشجعهما على التعبير الجسدي للمحبة و العاطفة. يجب أن ندرك إذن أنه يوجد بيننا أشخاص هكذا يحبوننا بصدق و لكن يخشون بشكل ما أن يعبّروا لنا عن حبهم بحركة ما كاحتضاننا مثلا.
ندعو الله تعالى أن يهتدي العلماء إلى علاج لهذا الفيروس في أقرب الآجال و أن يحمينا جميعا منه و أن يحفظ لنا صحتنا و عافيتنا و أن يحفظ صحة البشرية. و يبقى أقوى علاج لكل الأمراض، كما يقول الروحانيون و المتخصصون في العلاج بالطاقة، هو الحب. لِنُحبّ بعضنا بصدق و ببساطة. و لا بأس أن يكون ذلك مؤقتا بِلا قُبل أو أحضان أو مصافحات، في ظل ما نعيشه من تهديد بسبب هذا الفيروس، لأن الحب طاقة تأتي من القلب و تذهب إلى القلب.

 
15 مارس 2020

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق