ثقافة السرد

السيد بايت

 صلاح معاطي

لم تكن الأمور على ما يرام أمام المؤسسة العامة للأبحاث النووية، الحركة غير عادية. زحام أمام المبنى الضخم، كاميرات التليفزيون تتخذ مواضعها لاستطلاع الأخبار، وكالات الأنباء المحلية والعالمية تحتشد ليتسنى لكل منها السبق قبل الأخرى، عربات الشرطة تشق طريقها، يتقاذف منها الرجال شاهرين أسلحتهم وفي ثانية سيطروا على المبنى.
بعد قليل شوهد الدكتور “مشهور” رئيس المؤسسة خارجا من المبنى بصحبة رجال الشرطة يبدو عليه الانهيار وقد تشعث شعره وتهدلت ملابسه، اندفع الناس نحوه وهم يتساءلون مستفسرين، بينما الكاميرات تلتقط له العديد من الصور، أطرق الدكتور مشهور قليلا ثم نظر في الوجوه المحيطة بعينين تملؤهما الدموع ونطق بصعوبة: بايت.
ولم يزد، فقد دفعته الأيدي القوية نحو سيارات الشرطة التي انطلقت به مبتعدة، تاركا على الوجوه مزيدا من علامات الاستفهام.
– ماذا يقصد ببايت؟ هل اسم حركي لشخص ما، أم أنها شيفرة سرية؟
مرت الأيام ونسي الناس الدكتور مشهور والسيد بايت الذي زج به في ظلمات السجون ليلقى أسوأ مصير. حتى تم القبض مؤخرا على الممثل الشهير “فادي رأفت” بتهمة التجسس لصالح دولة أجنبية، وعندما سألوه وهو في الطريق إلى المحاكمة عن كيفية القبض عليه نكس رأسه وأجاب بصوت مختنق: بايت.
وعاد الاسم يتردد من جديد حاملا معه الرعب والقلق، وكلما حاول أحد فك رموزه وإزالة الغموض عنه يزداد غموضه أكثر فأكثر، خاصة عندما قبض على الفنانة المعروفة “سوسو وجدي” في قضية آداب ونطقت نفس الاسم “بايت” عندما سئلت عن السبب.
من يكون بايت هذا؟ هل فيروس يقوم بإفشاء الملفات والمستندات الهامة ونشرها على الملأ، أم أنه شخص يتلصص بطريقة أو بأخرى على أسرار الناس، أو عقل شرير يحاول إظهار إمكانياته الخطيرة في الوصول إلى الأجهزة الشخصية للناس وقراءتها ومعرفة أدق أسرارهم ثم مطالبتهم بمبالغ طائلة مقابل سكوته وإلا سينشر كل فضائحهم على الملأ. فما أكثر الأسرار المبثوثة داخل هذه الجهاز الخطير “الكمبيوتر”. وراحت الأحداث تتوالى. ملفات هامة تختفي، مستندات خطيرة تمحى، معلومات حيوية تتسرب.
برامج مقاومة الفيروسات تتبع الفيروس الغريب “بايت” محاولة الإمساك به والقضاء عليه قبل أن يستفحل أمره. لكنها لم تقف له على أثر، بل أكثرها أثبت أن “بايت” ليس فيروسا كالفيروسات المعتادة التي تقوم بنسخ نفسها أو تدمير الملفات أو إعطاء معلومات غير صحيحة تؤثر على عملية الحفظ التي يقوم بها الكمبيوتر، وإنما ينسخ ملفات معينة من الأجهزة الشخصية للناس ثم يبث هذه الملفات عبر شبكة الإنترنت بما تحتويه من معلومات خطيرة تضر بمصالح أصحابها.
بات واضحا أن بايت شخص أو تنظيم يبغي إفشاء أسرار من نوع خاص، لا سيما الأسرار التي ينزلق أصحابها بعيدا عن الضمير الإنساني، وما أكثرهم. أسرع الجميع نحو الجهاز اللعين يمحو بنفسه ما حفظه عليه من بيانات أو معلومات قد تجر عليه الوبال، بعد أن تحول الكمبيوتر من جهاز أمين يقوم بحفظ البيانات والمعلومات الهامة إلى جهاز يقوم بنقل ما خبأوه داخله من أسرار على الملأ لتصبح فضيحتهم بجلاجل.
وراح كل شخص ينتظر مصيره المحتوم على يد هذا الفيروس المزعوم الذي لا يزيد حجمه عن 1 بايت فقط. وبقدر ما أفزع أناسا وكدر صفوهم وأحال حياتهم جحيما، أسعد آخرين وأثلج صدورهم وتنفسوا الصعداء عملا بالمثل القائل “مصائب قوم عند قوم فوائد” وراحوا يرددون:
– إنه سخط من الله. يسلط أبدانا على أبدان. دعهم يلاقون جزاء ما اقترفوا من آثام.
ويرد آخر:
– يوضع سره في أصغر خلقه.
ويرفعون أكفهم بالدعاء للسيد بايت أن يعلي مراتبه من 1بايت إلى جيجا بايت. وينقسم الناس فريقين. فريق راح ينظر إلى “بايت” على أنه بطل قومي سوف يظهر لهم في الوقت المناسب ليشد من أزرهم ويحقق لهم العدالة التي حرموا منها، وفريق ينظر إليه على أنه طاغية جاء ليقضي على آمالهم وأحلامهم. لذلك يجب القضاء عليه بأسرع ما يمكن.
وتنتشر الخرافات والتكهنات حول حقيقة “بايت” فمنهم من يقول إنه عالم مجنون استطاع ضغط جسمه حتى تحول إلى موجة إليكترونية حجمها “1 بايت” ودخل جهاز الكمبيوتر الخاص به عن طريق الأسطوانة المرنة ومنها انطلق إلى شبكة “الإنترنت”، ومنهم من زعم أنه فيروس فضائي انطلق من كوكب بعيد عن الأرض وتسرب إلينا عن طريق الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض. ويهمس رجل في أذن صاحبه :
– من الأفضل لنا أن نوقف جميع عملياتنا الآن حتى يختفي هذا البايت اللعين.
ويرفض أحد الموردين صفقة مشبوهة بالرغم من ضخامة المبلغ المعروض عليه كرشوة، فالجو غير آمن وبايت مفتح عينيه على آخرهما، وترفع امرأة سماعة الهاتف بيد مرتعشة وتحدث رجلا على الجانب الآخر بصوت خفيض مرتعش:
– حسام. لن نلتقي بعد اليوم ومن الأفضل ألا تتصل بي مرة أخرى. فليس بعيدا أن يكون الهاتف أيضا مراقب من “بايت”.
ويتحول الرعب والفزع من بايت إلى تغييرات مفاجئة في سلوك الناس وتعاملاتهم مع بعضهم البعض، فتسود حالة من الذوق العام والالتزام والانضباط لم تكن سائدة من قبل، فهناك رقيب خفي يحصي تصرفات الناس وتحركاتهم ولا أحد يعلم ما يمكن أن يفعله “بايت” في الأيام المقبلة. وقد تتخذ اللهجة التحذيرية لبايت شكلا انتقاميا عنيفا. شيئا فشيئا تتحول الفوضى إلى نظام والعنف إلى رقة والكراهية إلى حب.
أمام أجهزة الكمبيوتر مازال الناس يبحثون عن السيد بايت. لكن بايت لم يعد له وجود. كما ظهر فجأة اختفى فجأة. صار اختفاؤه لغزا غامضا مثل ظهوره. وتحول إلى رمز مختصر على شاشة الكمبيوتر عندما تضغط عليه تجد عبارة تقول:
” لو بداخل كل منا 1 بايت لصارت الحياة أجمل بكثير”
مع تحيات
السيد بايت

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق