ثقافة المقال

الكورونا وإعادة تشكيل العالم

بقلم: منصور زغواني

لا شك أن الحروب السياسية والاقتصادية والثقافية والأوبئة والاغترابات النفسية والمجتمعية ومشاكل الأقليات والمهاجرين… كلها من مخلفات الرأسمالية التي تقوم أساسا على “كوجيتو الاستهالاك” القاضي بالتحول الدائم والمفاجئ من شرط استهلاكي قائم إلى شرط استهلاكي جديد تتحكم فيه رؤوس أموال الشركات الاقتصادية الكبرى، وبالتالي فإننا سنكون أمام وضع حتمي يمكن أن نصطلح عليه ب”ترشيد الحياة الاجتماعية” كاستجابة موضوعية لحركة تدفق رؤوس الأموال، كما أننا سنكون أمام حتمية “إعادة تصنيع العالم” من خلال عمليات “التهجين”، التي لا تقتصر على النبات أو الحيوان فقط وإنما تتعداهما إلى الإنسان والمواد الخام، والتي ستساعد، وفقا للرأسمالية، على تلبية متطلبات البشر المتزايدة من الاستهلاك، وهذا الأمر (التهجين) قد يؤدي إلى خلل إيكولوجي وبيولوجي يكون فيما بعد سببا في حدوث مختلف الكوارث التي ستقضي على الشرط الانساني ككل وتبشر بخلل وظيفي يمس مختلف العوالم.

إن إعادة تشكيل العالم تتم وفقا لضروريات معقدة ومتداخلة تمس مختلف قطاعات الدول الكبرى ومصالحها كما تستجيب للعديد من الأحداث التاريخية المتسارعة التي تعتبر المحرك الأساس لموازين القوى؛ فالثورة الفكرية في روسا وفرنسا وألمانيا جعلت العالم يتمركز في هذه الأقاليم التي أصبحت في ذلك الوقت المصدر الأول للأفكار والأطروحات في العالم، ثم الثورة الصناعية التي جعلت ميزان القوى يتمركز في الجهة الغربية لأوروبا ليمتد فيما بعد إلى أجزاء أخرى حذت خذو تلك المناطق، ثم الحربين (الأولى والثانية) والتي نقلت المركز إلى أجزاء أخرى من العالم حيث دخلت روسيا وأمريكا في سباق إعادة تشكيل العالم لتنظم إليهما كل من اليابان وألمانيا، فأسفرت عن حدوث تشكيل جديد للعالم يمكن أن ينعت ب”العالم التكنولوجي” الذي تحول فيه مفهوم الهيمنة من الهيمنة المباشرة من خلال الأسلحة إلى الهيمنة الغير مباشرة من خلال الشركات الكبرى المصدرة “للمعرفة الحسية”؛ ونقصد بالمعرفة الحسية هنا انتقال المنتجات المؤدلجة (دليل الاستعمال وتاريخ نهاية الصلاحية وقطع الغيار) من المركز إلى الأطراف وانتشارها بطريقة تسمح باستمرار الاعتماد عليها كشرط للحياة.

أما خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرون فإن هناك محاولات جادة وجريئة من قبل الصين وهون كونغ واليابان وإنجلترا لإعادة تشكيل العالم من خلال الخروج من أسر هيئة الأمم المتحدة واعتمادات الشركات الرأسمالية المتعددة الجنسيات. هذه المحاولات تعتمد على الروبوت في عملية التحول، والتحول من الإنسان إلى الروبوت يبدأ، أولا وقبل كل شيء، عبر إحداث نقلة بيولوجية يصبح فيها الكائن الحي متفاعلا، أو حتى منفعلا، لا فاعلا كما كان في السابق. ولنضرب مثلا على هذا التحول يمكننا العودة إلى عصر النهضة حيث كان الاهتمام المتزايد بالجسد قد بلغ مداه لأن الثورة الصناعية في الغرب احتاجت الإنسان كعامل، وبالتالي فمن المعقول أن منظري عصر النهضة وجهوا اهتمامهم إلى الجسد باعتباره تلك القدرة السحرية على الاشتغال، ثم جاء الاهتمام بالعقل لأن الشرط الحداثي (التقني) لا يقوم على الجسد وإنما على القدرات العقلية، ثم جاء الاهتمام المتزايد بالعقل الآلي (الروبوت الذكي، الذاكرة الصناعية، امكانية التزاوج بين التكنولوجيا والعقل من خلال عمليات زرع الشرائح…)، وهذا لتحسين الأداءات ومضاعفة المنتجات.

أما القول بأن الزمن الذي نحن فيه الآن هو زمن الحروب البيولوجية فهذا أمر ليس مبررا علميا ولا عمليا، ولهذا فالتحول من الإنسان إلى الروبوت لم يكتمل بعد بل نحن في البدايات الأولى فقط؛ لأن الأداء الوظيفي للآلة دون تدخل الإنسان أثبت في أحايين كثيرة فشله وإخفاقه، ولهذا فالحروب البيولوجية لو بدأت حقا، كما يزعم البعض، فإنها ستحصد الأخضر واليابس لا محالة؛ لأنها ستصبح فيما بعد آلة دمار شاملة تسير وفق حركة عشوائية لا يمكن إيقافها ولا ضبطها، وهذا أمر لا يجهله صناع القرار في العالم.
وكما يطلعنا عبد الوهاب المسيري في حديث عن خطر ما بعد الحداثة الصناعية؛ حيث يؤكد أن الآلة التي يصنعها الإنسان لأجل السيطرة على باقي الأقاليم ستلتهم الكل في حركة تمرد عشوائية لا يمكن التحكم فيها، وهكذا الحروب البيولوجية، لو انطلقت فعلا لما أمكن للإنسان أن يتحكم في انتشارها وتوسعها، وهذا ما يجعل القول بأن الحرب البيولوجية لم تبدأ فعلا قول فيه الكثير من الصدق والعلمية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق