ثقافة المقال

الإيقاع القناوي والخطاب الجسدي

 

عبد الرحمان مزيان *

1- التحول والتهجين; القناوي أو ما يسميه البعض بالديوان، هو في الأصل إفريقي بامتياز ويعود أصله إلى غانا البلد الإفريقي ومنها جاءت التسمية بالنسبة وهكذا الغاني هو لقناوي باللهجة الدارجة الجزائرية. كما أن رقصة لقناوي ليست معروفة في كل الدول الإفريقية، بل في بلدان معينة. كما هو الشأن بالنسبة إلى دول شمال إفريقيا بحيث يوجد بالجزائر والمغرب أما باقي الدول الأخرى فهو غير معروف لديها. لكن التسمية ستصبح تسميتين أي هناك من يسميه لقناوي وهناك من يسميه بالديوان. هذه التسمية الجديدة جاءت متأخرة نوعا ما عن الأولى، ذلك لأن ارتباط هذه الرقصة الشعبية بالزوايا والتصوف قد جعلها تتأثر بها سواء من ناحية الكلمات أو التنظيم الداخلي لأعضاء الفرقة. إذا كان صاحب الزاوية يسمى الشيخ والمتصوف يسمى القطب فإن رئيس الفرقة يسمى بالمعلم. أما التابعون يسمون بالمردين والقناديز فإن أتباع المعلم يكونون في مرتبة ثانية بعده ومنهم المقدم..

إن الحديث عن الإيقاع لقناوي هو حديث خاص عن التحولات الزمكانية، ذلك أنه مع التحول ينشأ التطور أو التقهقر أو التغير أو التهجين. كما هو معروف أن الإنسان خلال حياته يعرف تنقلات كثيرة وأسبابها كثيرة أيضا ومتعددة. فالرحلة التاريخية التي قام بها القناوي من جنوب القارة الإفريقية نحو شمالها، قد وسمته بتغير وتطور:

أ- التغير: لقد طرأ تغير جذري على حالة الإفريقي الجنوبي خلال نزوحه نحو الشمال. وقد بدأ بالتغير الجغرافي الذي انتقل من خلاله من منطقة حارة إلى أخرى باردة. زيادة على التغير الثقافي الذي صاحب الجغرافي.

ب- التطور: تبعا لطبيعة التغير الذي عرفه الإفريقي الجنوبي، فإنه قد أفضى في الخير إلى تطور إيجابي. بحيث انعكس تنقله على ثقافته البسيطة إيجابيا. ذلك أنه عرف تطورا مهما على المستوى الثقافي. ويتجلى في التطور الفني الذي عرفه من خلال التثاقف الذي شهده جراء التنقل.

هو معروف، تلعب الجغرافيا دورا مهما في حياة الشعوب. من خلال تأثيرها في سلوك الأفراد والجماعات على حد سواء. فالإنسان الإفريقي الجنوبي الذي كان يعيش في منطقة حارة قد فرضت عليه لباسا خفيفا بحيث لا يستر إلا جزءا قليلا من جسمه. أما المنطقة الشمالية التي نزح إليها فقد أجبرته عكس الأولى أن يرتدي أكبر قدر من اللباس لاتقاء البرد. وهكذا أصبح مكسوا من رأسه حتى أخمص قدميه. طاقية على الرأس وثوبا على كامل الجسد ثم نعلا أو خفا في الرجلين. ومن هنا يمكن القول إن الجسد كان في الجنوب متحررا أما في الشمال فأصبح مستورا ومغيبا.

نرى الآن كيف تجسد التغير الإيجابي على الفن الجنوبي بانتقال الإنسان الإفريقي نحو الشمال. لقد كان الإنسان الإفريقي في الجنوب يستعمل كل أطراف جسده تقريبا. الأرجل كان يستعملها حافية في الرقص تعبيرا أو تأكيدا على أن الأرض التي يرقص عليها هي أرضه. أما الأيدي فكان يحمل بها العصي مشيرا إلى قدرته على حمايتها من الغير بالدفاع عنها. أما الطبول التي كانت تقرع وكان الرقص ينتظم على إيقاعها هي الهوية الخاصة للقبيلة التي ينتمي إليها وهي أيضا وسيلة لجمع أفراد القبيلة كما أنه حافز يحمس على خوض الحرب. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المرأة كانت ملازمة للرجل جنبا إلى جنب. لم تكن الفروقات الجسدية تطرح مشكلا. أما في الشمال فإن الحجب الجسدي أدى إلى الفصل بين الجسدين. وعوض جسد واضح أصبح لدينا جسدان: واحد أنثوي والآخر ذكوري. وهذا ما أعطى تنوعا جديدا وخاصا للإنسان الإفريقي. هذا التنوع تجلى في فن الرقص بحيث لم تعد الأنثى ترقص مثل الذكر: أصبح لها مجالها الخاص إيقاعها وموسيقاها ورقها المختلف عن الرجل والمتمم له في الآن ذاته. ومن هنا يمكن القول بأن الرجل تفرد بالرقص القناوي وهيمن عليه.

لقد طرأ تغير وتطور جذريين على رقصة القناوي الذي جاء من غانا لهذا نسبت إليه كلمة غناوي التي بعد التداول أصبحت لقناوي. أدخل على الرقصة الجنوبية التي حملها معه، آلة القمبري وهي آلة وترية. وتتطلب هذه الآلة على عازفها الجلوس أرضا للعزف عليها بعد أن يكون قد قضى وقتا كافيا لتعلم العزف عليها. كما أضيفت إلى رقصته آلة إيقاعية أخرى هي القرقابو المصنوعة من الحديد ووظيفتها رفع وتيرة الإيقاع حين يكون ذلك ضروريا. ومع هذا سوف تغيب اللهجة الجنوبية ولن يبق منها سوى بعض الكلمات على شكل أسماء أماكن أو أسماء أشخاص أو طوطم أو أي شكل من الأشكال السحرية المعبودة لدى الشعوب الإفريقية في الجنوب. وسوف تحل محلها اللهجات العربية أو الأمازيغية.

بما أن شمال إفريقيا مسلم فلا غرابة أن يطبع الدين الإسلامي رقصة القناوي. ففي بالبداية ارتبطت رقصة لقناوي بالفكر الشيعي أكثر من ارتباطها بالفكر السني أو الصوفي. ذلك أن مجموعة من القبائل البربرية كانت شيعية آنذاك. لهذا نجد التلطف والدعاء باسم فاطمة أو ما يسمونه بلالة فاطمة، قد تكون لالة فاطمة نسومر البربرية أو غيرها من الإناث اللواتي يحملن هذا الإسم ولهن مكانة دينية أو اجتماعية أو سياسية مهمة. وهذا الإسم يعتبر من أهم البنيات الشيعية في الدين الإسلامي. ليس هذا فحسب بل هناك أيضا ترديدا لاسمي الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والحديث عن التشيع في العصور المتقدمة من الإسلام بشمال إفريقيا له حضور قوي في رقصة القناوي أو داخل المجتمع بشمال إفريقيا بحيث أن مجموعة من الأسماء تتردد كثيرا مكان أسماء بربرية كانت موجودة من قبل: علي، الحسن، الحسين، اليزيد، فاطمة. كما يضاف إلى هذا الشفاعة والصلاة على رسول الله وذكر الرسول (ص) بصفته شفيعا ورسولا. وهكذا نجد عبارة “صلوا على نبينا” تترد كثيرا. وهذا معناه التحول الكبير الذي طرأ على رقصة القناوي. كما أن الرقصة قد عرفت ما يسمى بالحضرة وهي كلمة مستعارة من الفكر الصوفي وهذا ما يدل على أن رقصة لقناوي قد تكيفت مع عدد كبير من الأفكار والمذاهب الدينية في شمال إفريقية. فكانت الألوان السبعة تستعمل في الحضرة وأغلبها اللونان الأصفر والأخضر وهما لونان يستعملان كثيرا عند القبائل البربرية بشمال إفريقيا. وهي الألوان التي تستعمل أيضا من قبل الشيعة في المشرق العربي. وبما أن الأفارقة الجنوبيين قد استغلوا عبيدا في مجموع الأقطار فإن شمال إفريقيا لم يسلم من هذه الظاهرة، بحيث كان هناك مجموعة من العبيد في الشمال جلبوا من الجنوب. وهذا ما جعل رقصة القناوي في الكثير من جوانبها حزينة باستجداء (بامبارا) الذي سوف يتحول بفعل التداول إلى (ابامبارك) وبايش إلى (ابا يعيش) …إلخ.

حين نعود إلى أهم الأسباب التي جاءت بالإفريقي الجنوبي إلى شمال إفريقيا، نجد الرق والعبودية: بحيث كان يستعمل في زراعة الحقول كآلة أو حيوان في الحرث. وهو الذي كان أيضا يستغل في الغناء والعزف والرقص ليروح عن أسياده ليلا. وقد استغل لقناوي هذه الفرصة الليلية ليعبر عن آلامه ومآسيه حين يرى أن السيد قد غفل عنه. بحيث يقول في إحدى أغانيه:

سيدي ياكل لحيمة

ولالة تاكل شحيمة

وبامبارا يكدد عظيمة

هذا وعد مسكين

هذا وعدو مسكين

فهذا البوح دليل على فظاعة الاستغلال الجسدي والروحي الذي كان يتعرض له الإفريقي المستعبد.

كما أن لقناوي قد ارتبط في أكثر من موضع بالزوايا الصوفية في الشمال -كما أشرنا آنفا- وذلك راجع إلى كونه عبدا فيها أو أنه لجأ إليها للاحتماء. وقد أدى تواجده بها إلى الارتباط بالحضرة. وهذا ما سيؤدي بالرقصة القناوية أن تؤدى جلوسا بحيث سيهيمن القمبري على الرقصة ويصبح الآلة المركزية فيها. إضافة إلى أن هذه الآلة تحظى بقداسة خاصة بحيث لا يمكن لأي أحد من أفراد الفرقة أو غيرهم أن يلمسها. أو أن يعزف عليها في مكان مفتوح بل يجب أن يكون المكان مغلقا. وفي نهاية الحضرة يوضع القمبري في صندوق من خشب مغلف من الداخل بقماش أخضر ناعم يليق بقداسته. كما أن مجموعة من المؤثرات سوف تصبح جزءا منها مثلما هو الحال للبخور والجاوي، وهما عنصران مهمان في الاندماج وولوج الحضرة القناوية وهذا ما لم يكن معروفا في الجنوب الإفريقي.

السلطنة والمملكة:

لقد ارتبط النظام القبلي في الجنوب بالقائد القبلي البطل أي رئيس القبيلة وأحيانا يكون بمثابة إله يعبد وأوامره تطاع. ويسمى عند بعض القبائل بالسلطان ويمكن أن يكون رجلا كما يمكن أن يكون امرأة. بحيث لا يكف القناوي عن التغني به مثلما هو الحال “للالة ميمونة سلطانة قناوة” وهكذا سوف يطرأ تحول وتحل “لالة فاطمة مليكة بنت الملوك” مكان لالة ميمونة. ما نسجله في الأخير أن الإفريقي الجنوبي حين وصل إلى الشمال حاول مقاومة الثقافة الشمالية والحفاظ على الثقافة التي حملها معه إلا أنه خضع بفعل الزمن إلى التهجين والتحول ولم يستطع الاحتفاظ سوى ببعض الكلمات المفاتيح التي تؤكد جنوبيته وهي السماء الطوطمية أو أسماء السلاطين أو الأماكن أو أسماء بعض القبائل.

الإيقاع والخطاب الجسدي:

تبدأ رقصة لقناوي بالصوت الحزين والجنائزي للقمبري مرفقا بإيقاع قرقابو الآلة الحديدية ورائحة البخور والجاوي التي تملأ المكان بسرعة فائقة. هذا المكان الذي يجب أن يكون مغلقا لتجنب المؤثرات الخارجية وللحفاظ على التركيز والاندماج في الحضرة القناوية.

يبدأ الراقص وهو في وضعية خاصة يكون جالسا على ساقيه ورأسه موجه نحو الأرض في شكل ساجد، حينها يبدأ في التناغم مع الموسيقى والإيقاع شيئا فشيئا، بتحريك رأسه يمينا وشمالا بشكل بطيء ثم تبدأ سرعة الحركة تماشيا مع وتيرة الإيقاع، ثم يرفع رأسه وهو دائم الحركة، بعدها يجث على ركبتيه ليقوم بعدها على رجليه وتكون يداه مستقيمتين وهنا يبدأ الرقص بالجسد كله. والرقصة هنا تنبني على القدمين بصفتهما العنصر الأساسي المحرك والمثبت للجسد؛ بحيث يكون رفع رجل سكونا ووضع الأخرى حركة وهو ما يشكل لإيقاع رقصة لقناوي. ويرافق حركة الرجلين حركة الوركين ثم الكتفين وبعدها الرأس واليدين لتكتمل الاستجابة الكلية للجسد مع الإيقاع. كما أن الراقص منذ الوهلة الأولى للرقص حتى النهاية يحتفظ بعينيه مغمضتين وذلك اتقاء لكل مثير خارجي. وهذا ما يؤدي بالراقص إلى الانسجام التام مع الإيقاع ليصل به في النهاية إلى التخلص من الجسد والانغماس في الروح وهو ما نجده عند الصوفية ويسميه ابن عربي روحنة الجسد Spiritualisation du corps وجسدنة الروح corporation d esprit.

من خلال كل هذه الحركات والاستجابات الجسدية والروحية للإيقاع فإن الراقص يلقي خطابا قناويا يعبر من خلاله عن دورة الحياة مرحلة الصفر تبدأ بوضعية الجنين في الرحم ورفع الرأس مع الحركات الأولى للرقص تعبر عن بداية الحياة أي الميلاد، أما مرحلة الطفولة فتكون هي الجثو على الركبتين، أما الاستواء في الوقفة هي مرحلة الشباب، وتبدأ مرحلة الكهولة بوضع اليدين خلف الظهر أما الشيخوخة حين ينحني ويديه خلف ظهره وينتهي بالسقوط الحر على الأرض وهو يرقص على شكل ذبيح يكون قد ودع الحياة إلى مثواه الأخير.

*ناقد أكاديمي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق