ثقافة المقال

الأنا بديل عن التاريخ..

عبد القادر رابحي *

كيف يمكن للأنا أن يكون بديلا عن التاريخ، خاصة إذا تعمدت تقليص امتدادات حركيته الفاعلة في لَبوس لا يتجاوز ما تحمله الذات من تمركز مغلق لا يريد أن يطل على نافذة المستقبل؟ لقد شكّل التاريخ دوما نسجا باهرا وقماشا قشيبا يسارع الأذكياء إلى حياكته على مقاساتهم، حتى لكأن التسرع في ضبطه على طول جسد “الأنا” المضخمة يحيل إلى قصة بروتوس المشهورة ولكنه يحيل كذلك إلى المثل الشعبي المشهور الذي مفاده أن شدة الحاجة إلى (التاريخ) تؤدي إلى الاضطرار إلى تغطية الرأس فتظهر الرجلان عاريتين. ولعلهما الرجلان نفسهما اللذان أجبرا بروتوس على قطع ما يزيد من طول المسافات التي تحددها الذات/ الأنا وإضافتها حسب الضرورة الملحة والمصلحة الدائمة لما ينقص منها…

تنذر الحادثة التاريخية عموما بصواعقها عندما تُمنع من التعبير عن نفسها بكل ما تحمله من أبعاد ومشاركات، غير أن من يعتقدون أنهم صُنّاعها الوحيدون يسارعون، ومن خلف مواقعهم المحروسة عادة، إلى توجيهها وفق المحدّدات التي يريدونها ووفق المسارات التي يرغبون في أن تؤول إليها. لذلك، لم يكن التاريخ يوما طريقا سريعة معبّدة للأجيال القادمة تسير فيها بارتياح وبسرعة تدلاّن عن صفاء ما يعكسه (الروتروفيزور) من جهة، وعلى وضوح المآلات في واجهة السير من جهة أخرى.

يلاحظ المتصفح لبعض ما يطفو من حين لآخر على سطح الممارسة الثقافية، بمناسبة اختفاء أحد صانعي التاريخ أو بمناسبة عودة ذكرى وفاته أو ميلاده، أن هذه الطريق مليئة بالحفر وكأنها عُبِّدت بصورة استعجالية من طرف مقاول مختص في ملء حفرها المتروكة بطريقة مُتعمَّدة في هاجس الدفتر المعاصر للتلاميذ الجدد الموكولين لتمركزات القراءة المغلفة بالغموض نظرا لتباعدها الزمني مع المرجعيات التاريخية، ونظرا لاستيلاء الأيقونات التاريخية على أحقيّة التحدث باسم التاريخ بناء على ترسيم أحقيّتهم بالشرعية التاريخية في هذا الدفتر.

لقد كانت السنة الماضية والسنة الحالية بامتياز، سنتا استغلال من يعتقدون أنهم وحدهم الذين صنعوا التاريخ، في عودة المساءلات الجوهرية التي تطرحها المدونة التاريخية الجزائرية نظرا لما شهده العالم العربي من حراك جوهري قيل عنه الكثير ولم تتضح معالم جذوره ومآلاته نظرا لما وصل إليه من توتر في الرؤية ومن هتك لاستقرار مساراتها العملية، ومن تغليف للحراك بمغلّفات خارجة عن جوهره الذي بدأ به.

وإذا كانت الحادثة التاريخية مرتبطة في آنية تحركها بمسببات موضوعية قد لا تدرك عمق اللحظة في تعقدها وغموض صورة كل دواعيها المكبوتة أو المتروكة جانبا، فإن مسارعة مقاولي التاريخ إلى ترتيب إحداثيات الحادثة التاريخية وفق المقاسات التي كان بروتوس يجيدها، إنما ينبئ عن صورة داكنة لما يمكن أن يحمله مستقبل الحراك بالنظر إلى ما يتعرض له من استيلاء وتحويل وتحوير من طرف دعاة تزييف الصورة، صورة التاريخ، في دكاكين الفوتوشوب المنتشرة في واقع الممارسة الثقافية، والمستعدة للتجنّي على الحادثة التاريخية بالطرائق التلفيقية نفسها التي تمّ بها تثبيت الرواية التاريخية في دفتر التاريخ المعاصر على أنها هي الحقيقة التاريخية (الحقائق التاريخية) الأجدر بالإتباع، وأن الرواية التاريخية الأخرى هي الصورة المزيفة التي يجب الحذر منها وتجنب قراءتها أو الإشارة إليها عن طريق حذفها النهائي من المدونة التاريخية الكبرى.

لقد شكّل طغيان قراءة الحادثة التاريخية من طرف صانعيها أو من طرف من شاركوا فيها جزئيا أو مرحليا حجر عثرة في وجه تحقّق الرواية الحقيقية للحادثة التاريخية دون زيادة ولا نقصان. و حتى وإن كانت هذه الرواية مستحيلة التحقق نظرا لارتباطها بالأفراد وبطموحاتهم الشخصية المتماهية مع بنية الحراك الاجتماعي وتغيّراته، فإن استيلاء الأفراد على الحادثة التاريخية كُليّا بطريقة دوغمائية وفي أيّ مجتمع كان، تُنبئ عن عمًى معرفيٍّ بإمكانه أن يصيب المشاركين في صناعة التاريخ، وتُنْبئ كذلك عن قصور طرائق توريثه إلى الأجيال الجديدة.

وهي، أي الحادثة التاريخية، تخبرنا في كلّ الأحوال عن مقدار الأنانية التي تتحول إلى حالات عُصابية تتصارع فيما بينها على حساب صُنّاع التاريخ الحقيقيين المتروكين جانبا على هامش الواقع وبعيدا عن صراع التمركزات الأيديولوجية المُستهلكة. كما تخبرنا كذلك عن تحول التاريخ بكل ثقله الإنساني وحراكه الشعبي ومآسيه الفردية التي لا يعلمها ذوو النظرة الفوقية، (إلى معركة أَنَوَاتٍ) (Bataille d’égos) بين من يعتقدون ألا بديل عنهم للذهاب بالأمّة إلى مُستقبلها باطمئنان، نظرا لاعتقادهم بأنهم صمام أمان مانع لأي تسرب لنٌقعٍ غريب لا يستطيع الدفتر المعاصر أن يتحمّل كَدَرَ ما يختزنه من أحداث مخفية عن قُرَّائه.

لقد شكل المسكوت عنه عنصرا فاعلا في إضفاء القدسية على الصورة التي يحملها العموم عن أبطال التاريخ المتخاصمين فيما بينهم حول أحقية بعضهم بالحادثة التاريخية عن بعض، أو حول أسبقية بعضهم الآخر في تحريك منطلقاتها والتأسيس لمساراتها عن بعضهم الآخر. وذلك تماما مثلما يشكّل اختفاء أحد الشهود أو اختفاء أحد الفاعلين فرصة لإحكامِ إغلاق لعبة معركة الأنا، لا من خلال ما توفره من فرصة دعم الأموات لرواية الأحياء فحسب، ولكن كذلك من إصرار على تزييف معالم الحادثة التاريخية وتغيير إحداثياتها لخدمة توجهات الأنا على الرغم من أن الحادثة التاريخية واحدة في شمولية طرحها لمشكلة التاريخ كما وقع لا كما يجمعه الرواة من ألسنة من عبروها.

لقد كانت سنة 2012، سنة الهجوم الكاسح على مالك بن نبيّ، وسنة عودة القراءة الذاتية لمواقف عبّان رمضان، كما كانت هذه السنة كذلك سنة مغادرة الشهود الكبار الذين كانوا يملكون مفاتيح قراءة أكثر شساعة وأعمق تصورا للحادثة التاريخية لأنهم لم يكونوا من صنّاعها الكبار فحسب، ولكنهم كانوا ممن شاركوا في توريث صورتها كما هي عليه الآن في أذهان الأجيال الجديدة المتعطشة لمعرفة المزيد مما تركه الآباء من تركة تبدو في صورتها الأولية محل خلاف بينهم فما بالك بأبنائهم. كما كانت هذه السنة سنة عودة بالمجاهد أحمد مهساس رحمه الله، إلى تفعيل فكرة أسبقية الفوز بالحادثة التاريخية بوصفها تتويجا للذات/ الأنا من دون الالتفات إلى الآخر، في آنية المساءلة التاريخية.

لقد كانت أفكار هؤلاء وهؤلاء ومواقفهم، وهم في أواخر أيامهم، أشبه بطلقات البارود الأخيرة لجيل نادر من صانعي الحادثة التاريخية الذين بقيت معظم آرائهم الفكرية ومواقفهم التاريخية أسيرة النظرة المغلفة بالأنانيّة الضيقة التي تحولت طيلة حياتهم، ونظرا لكثرة الإلحاح عليها، إلى متجر مربح للمستفيدين منه، وإلى مشجب يعلق عليه هؤلاء وهؤلاء كل ما يعسر على التاريخ هضمه فيتجاوزه، لأنه، وعلى عكس ما نظن، لا يلتفت إلى الوراء إلا نادرا. لقد سبق لمحمد شريف ساحلي، أن كتب كتابه الجدير بالقراءة اليوم وسمّاه (تحرير التاريخ من الاستعمار)، وربما وجب اليوم كتابة كتاب آخر عن (تحرير التاريخ من الأنا).

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق