ثقافة السرد

الحائر التّائه..

 

*أسامة طبش

يجلس في قاعة الانتظار بالمستشفى، منتظرا لأن يحين دوره بالدخول إلى الطبيب، منذ بزوغ الفجر وهو قابع بمكانه، مهاتفات تَرُدُّ عليها الممرضة ليليها دخول المرضى الواحد تلو الآخر، بقي يزيد يرقب مشهده ذاك والدّهشة تتملكه. الساعة الآن تشير إلى السادسة مساءا، وبدأت الشمس تتوارى تاركة المجال لشفق الليل ينثر وهجه، نفذ صبر يزيد وحَمية الدماء في عروقه، وهو يحمل بيمناه ابنته ذات الثلاث سنوات، وبيسراه يحمل كيسا فيه بعض من المأكل والمشرب لها، ليخفّف بعضا من بكائها من أثر الإرهاق الذي أصابها، فجأة تقترب منه الممرضة بخطاها المتثاقلة:

_ لا أظن أن بإمكانك الدخول إلى الطبيب اليوم.

_ كيف؟؟ ولكن أنا هنا منذ الصباح الباكر، لقد قطعت مسافة طويلة جدا لأصل إلى المستشفى، أعمل يوما بيوم لأُحصّل لقمة العيش، أرجوكي حاولي معه، تدّبري الأمر لوجه الله.

_ قلت لك أن ذلك مستحيل الليلة، عد في الغد إن شئت.

استشاط غضبا، وضع ابنته في هدوء على الكرسي، وانطلق مهرولا  نحو الباب ليدفعه بكل قوة، ويدخل للدكتور:

_ ألا تخافون الله؟؟؟ أغابت الرحمة عن قلوبكم؟ ابنتي تضيع مني ولا مجيب ولا مغيث لي، بالله عليكم، إلى من ألجأ وأنا فقير معدم؟؟

_ اذهب واشتك لمن شئت..

لم يتألم يزيد لوضعه المزري بقدر ما صدمه رد الدكتور، دارت به الدنيا فألفى ضائعا هائما، تمنى لو أنه في حلم سيستيقظ منه، حمل ابنته الصغيرة  وخرج من المستشفى على الفور، لا يدري أين سيذهب.

يزيد شاب لم يجاوز الأربعون سنة، متزوج وأب لثلاثة أبناء وابنته الصّغيرة التي يعشقها، مقلة عينه التي  حازت مكانة خاصة في قلبه،  قدّر الله أن أصيبت بمرض خطير يهدد حياتها، هو جامعي، بعد أن أدى خدمته الوطنية لم ينتظر أحدا، فشمر على ساعديه مقتحما الحياة العملية، عمل بناءا يقتطع قوت يومه بجد ومثابرة، كافح لسنوات عديدة حتى تزوج وكون عائلته الصغيرة، شخص متدين بطبعه، راض دوما بقسمته، بإعانات من حوله، استطاع أن يكابد مصاعب الحياة.

ابنته الصغيرة بلون عينيها الفيروزيّ، وشعرها الذّهبي الناعم، تنظر إليه كل يوم مستغيثة به، وهو عاجز عن انقاذ حياتها، طرق كل الأبواب وولج جلّ المستشفيات دون جدوى، يلزمه مبلغ كبير ليجري عملية جراحية لها، عجز عن توفير ولو النّزر اليسير من ذلك المبلغ.

كسى يزيد الصمت في أيامه الأخيرة، أصيب بالبكم دون إرادة منه،  مصابه سيصبر عليه كآلاف من غيره، جرح غائر ينخر فؤاده ويمزّق أحشاءه، لم يتوقع يوما أن يعامل بالطريقة تلك، في مكان يُفترض أنه ملجأ و ملاذ للمستغيثين، تساقطت من أمامه مبادئ وقيم أنبل مهنة لطالما تُشُدِّقَ بها.

فكّر في حاله وحال ابنته وأسرته، قرّر الآن أن ينسى كل ما حلّ به من ألم وبدأ رحلته من جديد باحثا عن باب للفرج، يدرك يقينا أن الخير مازال موجودا في هذه الدنيا وأن النّاس لن يحيدوا أبدا عن بذرة الخير المغروسة فيهم، التّكافل الاجتماعي وتقاسم أعباء الحياة سيهوّن عليه بعضا من مصابه، أمله كبير جدا في أن يسخّر الله له أحد جنوده، لن ييأس ولن يفقد الأمل في أن تعود طفلته الصّغيرة إلى حيويّتها، سيذكر دوما لمن يمدّ يد المساعدة إليه جميله، ولن ينساه له ما دام في قلبه نبض حياة.

كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق