قراءات ودراسات

مقطوعتان :بقلم الشاعر فاضل البديري

مقطوعتان : بقلم الشاعر فاضل البديري .. قراءة نقدية : أيمن دراوشة

صُوَر الشاعر  النادرة وسيطرته على إيقاع لغته مكَّنته من امتلاك موسيقا رفيعة المستوى..

(1)

أحيانا
أتمناك الهواء
كي ألتقيك متى شئت؟ ثم أتراجع عن هذه الأمنية
خشية أن يشاركني في استنشاقك البشر

(2)

ولم القلق؟..
ولم الدموع تسيل من عينيك
تنزل كالودق؟..
ولم الأسى
والحزن
يا حواء يا وطن الشَفَق؟..
هي حكمة الأقدار
لا تُعطي الأمان كما اتفَّق..

***

هاتان المقطوعتان للشاعر والإعلامي والصديق العزيز جدا فاضل البديري ، ومنذ فترة طويلة كانت مقطوعاته التي صيغت بذهنية عالية تستفزني للقراءة ، وفي كل مرة أتردد في قراءتي خشية أن لا أمنح الشاعر الدرجة التي يستحقها ، لكن ما كتبه مؤخراً دفعني للقراءة بل وأرغمني أيضاً.

ما يميز الشاعر فاضل البديري من خلال قراءة ما يخطه على صفحته قدرته الهائلة على تكثيف الصورة ، والأهم من تكثيف الصور هو ندرة الصور التي يأتي بها وهذا ليس بالأمر البسيط وتحتاج إلى حرفة تفوق حتى اللغة ، مقطوعات الشاعر بشكل عام  ثرية ومادة خصبة للقراءة.

يسعى الشاعر فاضل البديري إلى إحداث الانفعال بالنفس أو إثارة الدهشة فهدف الشاعر جمالياً وليس استعراضاً..

في مقطوعته الأولى يتمنى أن تكون محبوبته الهواء ، وهي صورة معهودة ومعروفة يستخدمها الكثيرون ، إلا أنه يفاجئنا باتخاذ الصورة منحى آخر ، وهو منحى غريب ومستحدث فالشاعر يتراجع عن أمنيته حتى لا يشاركه بها أحد …

أحيانا
أتمناك الهواء

كي التقيك متى شئت؟

ثم أتراجع عن هذه الأمنية

خشية أن يشاركني في استنشاقك البشر

هذه الصورة الغريبة وصل الشاعر إليها من خلال  لغة أثارت صورة ذهنية خاصة بالقارئ تألفت من خلال الكلمات في تركيبة جمالية ذات طاقة انفعالية ، وهنا يكمن الفرق بين المعنى العقلي للشاعر وبين المعنى التخييلي لها في ذهن القارئ فبدلاً من ان يسرد لنا وصف تفصيلي للحبيبة اكتفى بوصفها ” بالهواء ” وهذه محاولة منه للوصول الى غاية المحاكاة لذهن القارئ أو المتلقي  ، وقد نجح الشاعر في توليد المشاركة الوجدانية (الاستفهام) بينه وبين المتلقي.

في المقطوعة الثانية يطرح الشاعر بعض التساؤلات مخاطباً حواء ومشبها دموعها بالمطر الذي ينهمر بغزارة معزِّزا موسيقاه الداخلية من خلال الترادف بين الأسى والحزن ، ومن خلال وقع حرف القاف واهتزازه  وهذا ناتج من دفق شعوري فياض انبعث من داخل أسطر المقطوعة وانبثق من تركيبها الفني .

والواضح من تساؤلات الشاعر القلق وانعدام الشعور بالاستقرار , وهذا يتمثل بقوله:

هي حكمة الأقدار

لا تُعطي الأمآن كما اتفَّق..

وهذا الإحساس هو إحساس مؤلم وفاجع تخلله الإجابة عن هذه الأسئلة المباشرة.

لقد سيطر الشاعر على إيقاع لغته فامتلك موسيقى رفيعة مكنته من السيطرة على مفردات لغته الشعرية المُحَكَّمة في سبيل أسلوب راقٍ ونادر مما جعل تلك المقطوعات تنساب بكل سهولة ويسر ، وتخترق بقوة  أعماق المتلقي..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق