ثقافة المقال

الإسراء والمعراج وتكريم خاتم الأنبياء

د.محمد عبدالحليم غنيم

قال تعالى : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء : 1 ) وفى السورة نفسها : (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا) (الإسراء : 60)
وقال سبحانه وتعالى في سورة النجم : (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ( 5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ ( 6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ ( 7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ(8 ) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9 ) فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ ( 10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11)

هذه مواضع ثلاثة في القرآن الكريم تؤكد وقوع معجزتى الإسراء والمعراج على الرغم من إنكار المنكرين قديما وحديثا ، أو اختلاف البعض حول حقيقة المعجزة : هل حدثت بالروح أم بالجسد أم حدثت بهما معا ؟ وسيعنى هذا المقال بمسألتين : الأولى حقيقة الإسراء والمعراج وأنه قد حدث بالروح والجسد يقظة . والثانية دلالة هذه المعجزة في شخصية النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بوصفها مظهرا من مظاهر الحفاوة والتكريم والاهتمام به . (صلى الله عليه وسلم )
يقول الدكتور مصفى السباعى في كتابه ( السيرة النبوية دروس وعبر ): ” وقعت معجزة الاسراء والمعراج وقد اختلف في تاريخ وقوعها ،والمؤكد أنها وقعت قبل الهجرة فى السنة العاشرة من بعثتة أو بعدها ، والصحيح الذى عليه جماهير العلماء ، أنهما [ أى الاسراء والمعراج ] وقعا في ليلة واحدة ، يقظة بالجسد والروح ، أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عرج به إلى السموات العلى ، ثم عاد إلى بيته في مكة تلك الليلة وأخبر قريش بأمر المعجزة ، فهزئتت وسخرت ، وصدقه أبو بكر ، وأقوياء الإيمان ” ( الكتاب : ص55 ) ويجمع جماهير العلماء أيضا على أن هذه المعجزة وقعت في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب ، وثمة أدلة يجمع عليها أكثر العلماء تثبت أن الإسراء والمعراج قد حصلا للرسول ( ص ) في يقظته و بروحه وجسده وهى :
– لقد جاء في الآية الكريمة التعبير عن الاسراء والمعراج بقوله تعالى ” سبحان الذى أسرى بعبده ” وكلمة عبد كما هو معلوم تطلق على الإنسان روحاً وجسماً ولا تطلق على الروح وحدها .
– لو كان حدوث الاسراء والمعراج بروحه (صلى الله عليه وسلم ) فقط لما حدثت فتنة في الصف المسلم حيث ارتد بعض المسلمين في مكة ،إذا لم يصدق ما أخبر به الرسول (صلى الله عليه وسلم )عن الإسراء والمعراج وما حدث له فيهما من آيات، قال تعالى ” وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس “
– لو كان الاسراء والمعراج بالروح فقط أى في المنام ، لما كانت معجزة ، ولما قوبلت بالرفض والإنكار ، إن الإنسان العادى قد يرى في منامه أشياء لا يراها في اليقظة . مثل الطيران في الهواء أو اختراق الحوائط وغيرها
– قوله تعالى ” مازاغ البصر وما طفى ، لقد رأى من آياته الكبرى ” فالآيات تنص صراحة على أن المعراج كان رؤية عين وليس مناماً .
– إن صلاة النبى بالأنبياء إماماً في المسجد الأقصى وصلاته مع الملائكة تدل على أن الحادثة يقظة بالروح والجسد .
– لقد صرحت الأحاديث الصحيحة أن الرسول قد ركب دابة يقال لها البراق ، وهل يصبح نسبة الركوب إلى الروح ؟ وقد يتوهم البعض أن المعراج تم بواسطة البراق ، ولكن الحقيقة أن البراق كان لرحلة الاسراء إلى بيت المقدس ، ونستأتنس في ذلك برأى د . محمود شلبي في كتابة ” حياة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ” إذ يقول : ( ولم يكن الصعود على البراق كما يتوهمه بعض الناس ، بل كان البراق مربوطًاً على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة ، فصعد من سماء إلى ساء حتى جاوز السابعة ) ( الكتاب : ص 59)
وإذا نكتفي بهذه الأدلة على ثبوت حادثة الاسراء والمعراج بالروح والجسد ويقظة ، تنتقل إلى المألة الثانية ، فنؤكد مع جل الباحثين في السيرة النبوية أن هذه المعجزة التى أتت عقب سلسلة من الأحزان في حياة النبى (صلى الله عليه وسلم ) . قد جاءت تخفيفاً للألام الحزن تكريماً وحفاوة بالنبى (صلى الله عليه وسلم ) وتاكيداً على عناية الله برسوله ورعايته له ، يشير الإمام البوصيرى في البردة إلى هذه العناية فيقول :
​ بُشـرَى لنا مَعشَـرَ الإسـلامِ اِنَّ لـنـا​​​مِـنَ العِنَـايَـةِ رُكنَـاً غيـرَ منـهَـدِمِ​
​ لمَّـا دَعَـى اللـهُ داعيـنـا لطاعَـتِـهِ​​​بأكـرمِ الـرُّسْـلِ كُـنَّـا أكـرَمَ الأُمَـمِ
وتتضح مظاهر الحفاوة والتكريم والرعاية فيما يلى :-
– أن هذا التكريم سجل فى القرآن الكريم فى سورتين مختلفتين هما الاسراء والنجم حتى تبقى هذه المأثرة خالدة لا تندرس ولا تزول ذكراها ولا يضعف تأثيرها ، يبتعد الناس تلاوتها حتى يوم القيامة .
– إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد اجتمعوا لرسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم ) فى بيت المقدس يستقبولنه بحفاوة وتكريم ، ويأتمون به فى بيت المقدس ، ويرى الشيخ محمد الغزالى فى اجتماع النبى ( ص ) بالأنبياء صلاته بهم دليلاً على أواصر القربى بين الأنبياء كافة ، وهذه المعنى من أصول الاسلام . قال تعالى ‘‘ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن باله وملائكته وكتبه رسله لا تفرق بين أحد من رسله ‘‘ البقرة – الآية أما الدكتور محمد عبد القادر أب فارس فيرى أن صلاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بالأنبياء إماما تدل على أنهم عليهم الصلاة والسلام قد رضوا به (صلى الله عليه وسلم ) قائداً ورائداً وإماماً ويدل أن دين الاسلام قد نسخ جميع الأديان السابقة ، أن اتباع الرسل السابقين ينبغى أن يسعهم ما وسع أبناءهم وأن يدخلوا هذا الدين ، ويتتروا ما هم عليه من الضلالة والجهالية والانحراق والغواية العماية ، وينقادوا لقيدة خاتم المرسلين (صلى الله عليه وسلم ) ، ص 18 .
– ومن مظاهر التكريم أيضاً أن الله تعالى أراد أن يتيح لرسوله (صلى الله عليه وسلم ) فرصة الاطلاع على المظاهر الكبرى لقدرته حتى يمتلئ قلبه ثقة به استناداً إليه ، ليواجه فيما بعد قوى الكفار ، ولا عجب فى ذلك ، فقد جاء تقيت الاسراء والمعراج فى منتصف الدعوة تقريباً ، وعقب عام من الحزن ، تحمل الأذى من مشركى مكة والطائف وقبل هجرة النبى (صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة حيث انتشار الدعوة والانتصار على قريش فى بدر وتأسيس دولة الاسلام بقيادة النبى (صلى الله عليه وسلم )
-ويمكن القول فى الاخير أن معجزة الاسراء والمعراج جاءت مكافأة وتكريماً لرسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم ) على جهاده الدائب وصبره ومصابرته فى مواجهة عدو لئيم جمد على حودوث من عادات الجاهلية .
وبعد مرور اكثر من أربعة عشر قرناً من الزمنا على المعجزة ، وبعد هذا التطور الذى أحدثه الإنسان على وجه الأرض – بفضل الله – من الوصول إلى القمر والدوران فى الفضاء ، والغوص فى المحيطات وغيرها ، وهل يستكثر العقل البشرى أن يصدق حدوث هذه المعجزة ؟ لا أعتقد ، ولكنها حكمة الله ، فلتتأمل قوله تعالى ‘‘ وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إللا فتنة للناس ’’ صدق الله العظيم
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق