ثقافة السرد

الخلايا الغاضبة

بقلم: صلاح معاطي

تعسا لرجل تؤرقه كرامته، يظل يغلي ويفور كالقدر حتى يموت كمدا.. كانت جدته رحمها الله كثيرا ما تقول لهم عنه “لا تثيروا هذا الصبي، فهو عصبي المزاج، ابن سبعة، دمه فائر دائما”
فما أن يثيره أحد حتى يحمر وجهه من شدة الغضب وتلوح في صفحته بثور ودمامل وخراريج لا تزول إلا بعد أن يهدأ تماما، قديما كان يأخذ حقه بيديه، أما اليوم فلم تعد تفلح الأيدي سوى للتعبير عن الرفض الصامت والشجب المهين، فقد كان خصمه أمامه ندا له يعرفه جيدا ويعرف كيف يأخذ حقه منه، أما اليوم فقد صار الخصم ماردا عملاقا، وحشا كاسرا، صورة حقيقية لكائن خرافي لم نكن نراه ولا نسمع عنه إلا في حكايات الجدات.
ليته يصير نارا تحرق، بارودا يتفجر، ذرات تنشطر.. ما هذا الأتون الذي يستعر بداخله ليشمل أنحاء جسده.. سكاكين تقطع في جسمه، البثور والدمامل ملأت وجهه كله حتى صار أشبه بمريض الجدري وتسللت لتملأ مناطق أخرى في جسده، على بطنه وصدره وخلف ظهره وأسفل إبطه كالحيوان الأجرب. عشرات الانتفاخات تنتشر على جلده كالبراكين الثائرة، حاول أن يلمسها بيده ويضغط عليها بأنامله، مركز الانتفاخ أسفل الجلد فيما يشبه كرة صغيرة تجري تحت إصبعه لتعود إلى مكانها ثانية..
ما هذا الطفح البني الذي يبرز من قمة البثور؟ يلمسه بيده، يا للكارثة.. الطفح مادة كاوية ألهبت إصبعه وأصابته باحمرار شديد. ما الذي يحدث في جسده؟ هل أورام سرطانية بدأت تنتشر في جسده.
تمدد أمام الطبيب الذي راح يفحص البثور والانتفاخات المنتشرة في أنحاء متفرقة من جسده وقد بدا على وجهه الاهتمام والجد البالغين وابتدره قائلا:
– متى لاحظت ظهور هذه البثور؟
– منذ وقت طويل بدأت عن طريق هرش شديد ولكنها لم تكن بهذه الصورة المخيفة..
أومأ الطبيب وهو يراقب بدهشة ملابسه الداخلية وقد تهرأت عند مواضع ملامستها لهذه البثور، وراح يأخذ عينات من الإفرازات اللزجة التي تلفظها هذه البثور لتحليلها، ازدادت دهشته عندما سقطت نقطة منها على معطفه الطبي الأبيض ليحدث فيه ثقبا فأسرع بخلعه قبل أن تصل إلى جسده..
حالة فريدة، نوع من السرطانات يفرز مادة كاوية حارقة مذيبة.. الأغرب من ذلك أن الخلايا المصابة سرعان ما تنمو وتنتفخ وتتضخم حتى تصل إلى حد معين، فتنفجر مخلفة هذه الإفرازات الفتاكة.. لابد من إجراء الحجر الصحي على هذا الرجل وعزله تماما حتى نجد علاجا مناسبا له، فلا أحد يدري ما الذي يمكن أن يسببه هذا الرجل لو ترك طليقا. إنه بمثابة قنبلة موقوتة شديدة التدمير.
إلى متى سيظل حبيس تلك الحجرة الضيقة في مبنى الحجر الصحي، مرت أسابيع وهو قابع في هذا المكان يحقنونه بما لديهم من كيماوي، يسلطون على جسده ما توافر من أشعات فما برأت بثوره ولا قلت آلامه، بل على العكس تفشت في جسده كالوباء، بينما وقف الأطباء ينظرون إليه عاجزين كأنهم في انتظار أن يسلم الروح كي يمارسون طقوسهم المعتادة عليه من حرق مخلفاته حتى لا ينتشر المرض الغريب، وتشريح جثته والتمثيل بها لمعرفة أسباب المرض، ويتحول إلى حالة تتحدث عنها كل وسائل الإعلام ليل نهار، ويصبح علما في قبره، بعد أن كان نكرة وهو على قيد الحياة.
لم يعد قادرا على البقاء لحظة واحدة في هذا المكان ضاق به ذرعا، لابد من الخروج من هنا بأي شكل، فالقنبلة ستنفجر إن عاجلا أو آجلا، وينبغي أن تنفجر في صانعيها، هم وحدهم الذين يستحقونها..
كانت دهشة الأطباء بالغة عندما اكتشفوا اختفاء الرجل ذي الخلايا الغاضبة، كما أطلقوا عليه، وبدأت عمليات البحث عنه تتخذ أشكالا عدة من تحذير المواطنين وإبلاغ رجال الشرطة، ونشر صوره في الجرائد وعلى شاشات التلفاز، وفرض جوائز مجزية لمن يساعد في العثور عليه، كأنه مجرم خارج عن القانون وليس الضحية. ذهبت كل هذه المحاولات للعثور عليه سدى، كأن الأرض انشقت وابتلعته، وكما توقع الأطباء، بدأ يتوافد على المستشفيات أعداد كبيرة تشكو من نفس الأعراض، وبالرغم من الجميع أكد أن هذه الأعراض يشكون منها قبل هروب الرجل ذي الخلايا الغاضبة، لكنه ظل هو المتهم الأول عن تسريب هذه الخلايا إلى الناس جميعا.
بينما الطبيب المعالج يشاهد نشرة الأخبار استرعى انتباهه خبر غريب جعل الدماء تصعد إلى رأسه دفعة واحدة:
“رجل ينفجر داخل مقهى موقعا العشرات تحللت أجسادهم بفعل مادة كاوية شديدة التأثير”
أطلق الطبيب تنهده عميقة كي يستوعب الخبر، بينما كانت أصابعه تحك وجهه، وتتحسس بعض البثور والانتفاخات التي بدأت تنتشر في أنحاء جسده..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق