ثقافة المقال

فيلم خربة خزعة

فيلم خربة خزعة ورام ليفي

فؤاد عبد النور

حظيت هنا في برلين قبل مدة بعرضٍ لفيلم وثائقيٍّ قصيرٍ للمخرج ” داني جال ” وهو يهودي إسرائيلي لم يطق المعيشة في إسرائيل فانتقل للمعيشة في برلين. الفيلم مدته حوالي الخمسة عشر دقيقة، وهو عن كيفية أخراج فيلم وثائقي آخر بعنوان ” خربة خزعة ” إخراج ” رام ليفي” . الفيلم الوثائقي الجديد تم تصويره في قرية ” المدية “، قرب قرية نعلين التي اشتهرت أكثر في السنوات الأخيرة لتصديها للجدار الذي حرمها من أراضيها، ولكنها نجحت بتغيير مساره بعد كفاحٍ مرير. الفيلم يتحدث من مشاكل الإنتاج، والأفكار المتصارعة حول شرعية اشتراك قرية من الضفة الغربية بالفيلم، تصويراً وتمثيلاً.
تحدثت قليلاً مع المخرج ” داني جال ” بعد عرض الفيلم، وقلت بشكل عارضٍ أني تعرفت قبل ربع قرنٍ تقريباً على عربي مثـّل فيلما إسرائيلياً بعنوان ” أنا أحمد “. فهتف داني:
” إن الذي أخرج فيلم خربة خزعة هو نفس المخرج: رام ليفي!”
كنت قد نسيت بالمرة الفيلم الآخر ” أنا أحمد ” الذي بطله شخصيةٌ رئيسةٌ في موضوع عارة وعرعرة، في كتابي عن ” المثلث .. الأرض والإنسان “. توجـّعت! لقد نسيت هذه العلاقة بالمرة، ونسيت اسم رام ليفي، لولا حضوري هذا العصر لمشاهدة فيلمٍ توثيقيٍّ عن فيلمه.
لا أستطيع أن أمر مر الكرام على هذا. قبل أكثر من ربع قرن قابلت أحمد مصاروة في عرعرة، وأخذت حديثاً مطولاً عنه، ووضعت صورته مع الموضوع، وصور لينين، وماوتسي تونغ، وغيفارا معلقةً على الحائط خلفه. تحدث لي عن نشأته، وكيف أصبح عاملاً في تل أبيب، ومنامة العمال العرب في زرائب البقر في المدينة بعد أن أخليت، وقصة الفيلم، وانضمامه إلى ” ماتسبين ” [1] وتلقيه رسائل تهديد، وأبرز تلك الرسائل قصيدةٌ من شاعرٍ صهيونيٍّ متطرف اسمه د. يسرائيل إلداد:
حقنا وحقك
حقنا فوق حقك !
إذا أردت أن تعيش هنا
يجب أن تكون أقليةً محتقرة.
وإذا أردت أن تناضل من أجل حق شعبك..
فكل الاحترام.. وكل الرصاص!
اتصلت بالمخرج ليفي، وسر لمعرفة أن كاتباً فلسطينياً كتب عن أول فيلم أخرجه.

أترجم أدناه فقرةً من قصة إتسهار
” أحسست كأن صاعقةً ضربتني. كل شيء بدا لي مختلفاً: المنفى. هذا هو المنفى. أنا لم أعش أبداً في المنفى، قلت في نفسي. أبداً لم أعرف كيف هو… ولكن الناس تكلموا إلي أخبروني. علموني. تكراراً قرءوا لي. من كل ناحيةٍ، في الكتب، في الصحف، في كل مكان: المنفى. ضربوا على أعصابي. احتجاج أُمتنا للعالم: المنفى. لقد دخل المنفى في أعضائي. رضعته مع حليب أمي. ماذا فعلنا هنا في هذا اليوم؟
” ولكننا سنفتح هنا تعاونية. سنؤسس مدرسةً. من الممكن حتى كنيساً. سنشكل أحزاباً سياسيةً. سيناقشون في كل الأمور، سيحرثون الحقول، ويبذرون، ويحصدون، ويقومون بأعمالٍ عظيمة. فلتعش طويلاً خربة خِزعة. من سيتخيل في المستقبل أنه كانت هنا خربةٌ اسمها ” خِزعة “؟ أفرغناها لنسكنها بدلاً منهم!
” انقلبت إمعائي. مُستعمرون! [1] صرخت الامعاء. أكاذيب! صرخت الإمعاء . خربة خِزعة ليست لنا. بندقية ” شبانداو ” الألمانية لم تعطنا الحق. يا إلهي! صرخت الإمعاء. لماذا لم يخبرونا عن اللاجئين؟ كل شيء. اللاجئين. الإغاثة. النجدة. الخلاص – للاجئينا بالطبع! المسألة تختلف الآن. اختلافاً كلياً. أُنظر! ألفا سنةٍ في المنفى. كل القضية كانت حول قتل اليهود في أوروبا. نحن الآن الأسياد.”
يُجري إتسهار مقارنةً بين ما ارتكبته النازية وما يُرتكب الآن. البنادق ألمانية. والشاحنات التي تنقل الفلسطينيين إلى المنفى سُمّيت ” بالسيارات الصناديق ” مثل عربات القطار التي كانت تنقل اليهود إلى المحرقة. وأشار إتسهار إلى أنه قد ارتكبت جرائم حربٍ هنا.
ولكن إتسهار في الواقع لم يكن متعاطفاً مع الفلسطينيين. إنه كان محتجاً فقط على الوحشية التي برزت بين الجنود، ولم يتوقعها. إذ يقول في فقرة في القصة:
” إنهم حيوانات!. شرح لنا يهودا. ولكننا لم نجب. جُمعت النساء في شاحنةٍ أخرى، وبدأوا في الصراخ والنحيب. شعرنا بالقرف. سمعنا أصواتاً لا تُسمع إلا في الجنازات.
– ما هذا ؟ إنه مقرف! قال شلومو.
– من الأفضل لهم أن يموتوا . قال يهودا.”

بعد 17 سنة من نشر هذه اقصة القصة القصيرة ” خربة خزعة ” أراد مخرجٌ سينمائي ” رام ليفي ” أن يظهر للوعي الإسرائيلي ثانيةً ما كُبت لفترةٍ طويلة، ويكشف ما ارتكب من فظائع في ال 48، فأقنع سلطة الإذاعة الإسرائيلية بدعم فيلمٍ عن قصة أيتسهار ، وكان من المفروض بالفيلم أن يُعرض في التلفاز الرسمي في العيد السابع عشر لقيام الدولة. ولكن ” زفولون هامر، ” وزير الثقافة والتعليم آنذاك تدخـّـل، وألغى عرضه بعد عرضٍ ليومٍ واحدٍ فقط. وكتب الصحفي ” تومي لبيد ” ( أصبح وزيراً للعدل بعد ربع قرن ) كتب عن الفيلم:
” حتى لو صحّ أن مكتب معلومات فتح سيرأسه عبقريٌ، فإنه لن يكون باستطاعته إخراج فيلمٍ أفضل من هذا. .. وحتى لو كان هناك طابورٌ خامسٌ يعمل في مكاتب التلفزيون، فإنه لن يقدم خدمةً لدعاية أعدائنا أفضل من هذا الفيلم”.
تُرجمت القصة إلى الإنكليزية، ونشرتها داراً صغيرةٌ ليست للربح في القدس. وحسب مقدمة الناشر فإن القصة تعتبر جزءاً من التراث الكلاسيكي للأدب العبري. ويتساءل هنا بروفيسور ” نور مصالحة “: – إذا كان الأمر كذلك، لماذا انتظرتم ستين سنة لتسمحوا بترجمتها إلى الإنكليزية ونشرها؟
نشرت القصة بالعبرية في السنة 1949، أشهر بعد تسريح إيتسهار من الجيش. وأثارت ضجةً كبيرة في وقتها في إسرائيل، ولكن جرى التعتيم عليها، بحيث لم تجر ترجمتها إلا مؤخراً إلى الإنكليزية، وأثارت ضجةً أكبر في العالم الغربي الآن. إذ أتت الترجمة في وقتها. تعرّف العالم الغربي لأول مرةٍ على ما حدث بقلم كاتبٍ إسرائيلي. تبدأ القصة بأمرٍ صدر لوحدةٍ من خمسة أو ستة جنودٍ، يتحدث فيها البطل وهو أحد الجنود غير محدد الهوية، أرسلوا في مهمةٍ غير واضحةٍ إلى موقع خربة خِزعة. يُطلب من الجنود عدم المناقشة وانتظار الأوامر التي ستصلهم عن طريق جهاز الاستقبال الذي يحملونه. الذي يتحمل مسؤولية هذه المهمة يكون الذي أرسلهم، عليهم التنفيذ فقط.
يذهب الجنود مرحين إلى التل الذي يُشرف على القرية، وينتظرون هناك الأوامر. وهنا تبدأ الأحداث المرعبة في هذه القصة. تتكشف مشاكلها مما يتناولونه من أحاديث وهم في الانتظار. ويقولون أنهم سيرجعون بعد الانتهاء منها إلى أحضان أمهاتهم، مبتئسين بعض الشيء، ولكن هكذا هي الحرب.
تصلهم الأوامر أن يقوموا بطرد سكان خربة خِزعة، وأغلب السكان الباقين شيوخاً، والبعض من أولئك الشيوخ عمياناً، ونساءً وأطفالا. وتصل شاحنات لنقلهم إلى المكان الذي يجب أن يكونوا فيه، في الجانب الآخر من الحدود، إلى المنفى. يترجى بعضهم الجنود في إلحاحٍ بأن يبقوا، ولكن غالبية سكان القرية يطيعون الأوامر في استسلام، ” مثل قطيعٍ من الغنم يساق إلى الذبح “، وهم يتوقعون أن يـُعدموا في أية لحظة.
“لم يسفك دمٌ في هذه القرية، فقط بعض الجروح في الكرامة الإنسانية.
” إلى أين سنأخذهم؟ ” يسأل أحدهم. ” إلى الجانب الآخر” ، يجيب زميلاً له. ويضيف: ” انه لنبلٌ منا أننا لن نقتلهم!”
نشر اتسهار قصةً قصيرةً حادة، مليئةً بالتناقضات. يأخذك مرةً إلى اليمين، ومرةً إلى الشمال. ويصل إلى الذروة في القصة، عندما يدرك الجندي المتحدث، أنه بعد أن عاش شعبه ألفي سنة في المنافي، يقوم بإرسال شعبٍ آخر إلى المنفى. ويقول هذا الجندي: ” هذا هو إذاً المنفى.. الآن أدركت كيف يكون! ” ويكمل بينه وبين نفسه: ” كان من المستحيل علي أن أتقبل هذا الوضع. رأيت الدموع تهطل من عيني طفلٍ، يسير إلى جانب أمه المتوترة إلى المنفى، حاملين معهما صرخة ألمٍ وشكوى من الشر المرتكب في هذا الكون، ولا بد أن هذا الطفل سيتذكر باستمرار كيف طُرد وأمه من القرية، ويعمل على هوى ذلك الطرد. وينهي القصة بقوله لرفيقه: ” موشي.. ليس لدينا الحق بأن نرسلهم هكذا إلى المنفى من هنا!”

[1] التعبير ” مسيتعمرون ” للمستوطنين الأوائل محرمٌ في أوساط الأكاديميا الإسرائيلية, حسب قول إيلان بابيه. إنه يحاول الاثبات أن الصهيونية ما هي إلا نوع جديد من الاستعمار، رغم أن تشبيه الصهيونية باستعمار لا يزال محرما في الأوساط البحثية الإسرائيلية. Ethnic Cleansing of Palestine; pp 10.
[2] تأسست ” المنظمة الاشتراكية في إسرائيل ” – ماتسبين – من أربعة ممن طردوا من الحزب الشيوعي الإسرائيلي، لمواقفهم المعارضة لسياسة الحزب، وركضه وراء المفهم السوفييتي من الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، واعتبروا الاتحاد السوفييتي صنواً للرأسمالية في اضطهاد الاشتراكيين الحقيقيين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق