ثقافة المقال

“كورونا في مواجهة ما بعد الحداثة”

لعلاونة محمد الأمين

قرر الفلاسفة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية إعادة التفكير في مشروع الحداثة La modernité باعتباره مشروعا قاصرا رغم جميع القيم و التي نادى بها، فكانت “ما بعد الحداثة post modernité ” بديلا عن الحداثة، التي وُصفت بأنها حالة تقليدية عرفها العالم، ولابد له من تجاوزها، لتهدَّم أحياء “بروت إيغو Pruitt Igoe ” للمعماري الأمريكي “مينورو ياماساكي”؛ باعتبارها واجهات للأنماط التقليدية من الشوارع والأحياء الحداثية؛ رغم احتوائها على مساحات للعب؛ ومحلات للمغاسل؛ ودور للحضانة؛ وعدد لا بأس به من المقاهي، بيد أن انتشار الجريمة، وتدهور الحياة الاجتماعية عجَّل بتفجيرها بالديناميت، وتعويضها بناطحات السحاب ( وول ستريت Wall Street؛ مبنى كرايسلر chrysler ؛ الإمباير ستيت Empire State Building) وتم تشييد عدد من مدن الترفيه (والت ديزني Walt Disney ) وغيرها من أساليب الأمركة والإبهار التي ضمنتها ما بعد الحداثة للإنسان الأعلى Übermensch أو الإنسان الخارق الذي نادى به “فريديرك نيتشه”، وحاولت ما بعد الحداثة الاستثمار فيه؛ عن طريق نشر الأفكار الليبرالية، ومحاربة الفكر الشيوعي الذي يَحُّد من حرية الإنسان ومعتقداته، فظهر بذلك النظام العالمي الجديد أحادي القطب ” أمريكا” كبديل للثنائية القطبية – المعسكر الشرقي/ المعسكر الغربي- التي سيطرت على العالم طوال عقود، وتحولت القيم الإنسانية إلى مجموع قيم استهلاكية تسيطر عليها ثقافة الإعلان والصورة، وتمَّ معها تشجيع الثقافات الهجينة (الهيبز Hippies ،حركة الشواذ،الحركات النسوية…) ما أدى إلى انتشار ما بعد الحداثة في كل ربوع العالم، خاصة مع ظهور العولمة وذوبان الحدود وانتهاء الجغرافيا. بيد أن هذه الحالة لم تستمر طويلا، ولن تستمر، في ظل التطور الرهيب الذي عرفه المعسكر الشرقي ( الصين و روسيا) بعيدا عن سرديات ما بعد الحداثة metanarrative وطروحاتها، ليظهر مؤخرا “فيروس كورونا 19-COVID” في مدينة “ووهان” الصينية، ويؤكد استحالة استمرار حالة ما بعد الحداثة؛ إذ أسقط –كورونا- فكرة الإنسان الإله، أو الهومو- دوس، وعوضها بالإنسان العاجز؛ الإنسان الذي وقف موقف المتفرج أمام فيروس مجهري فرض عليه الحجر الصحي وإخلاء جميع المتنزهات ومدن الترفيه التي أسست لها ما بعد الحداثة، وتنكمش بذلك فكرة نهاية الجغرافيا أو ذوبان الحدود متحولة إلى مجرد حالة واهية في ظل غلق المطارات، وغلق الدول لحدودها البرية والبحرية، وما تبعها من سيطرةٍ لنشرات الأخبار على حساب برامج الباروديا، فتحولت بذلك الفوضى ما بعد الحداثية إلى نظام صارم لا مكان فيه للعبث أو التشتت، لنجد ان العدمية الغربية قد تراجعت أمام الهم الوجودي، مع انتكاس فكرة اتساع المعلوم وانحصار المجهول، و رفض العالم للرأسمالية الأمريكية عن طريق المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل Angela Merkel” التي خاطبت الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب Donald Trump ” حين عرض عليها شراء لقاح “كورونا”، قائلة: “ألمانيا ليست للبيع”.
إن الانضغاط الذي يعيشه العالم اليوم بسبب ” كورونا” بيَّن زيف قوة ” أمريكا”، كما بيَّن أن الصين كنظام شيوعي هي البديل الأقوى لنشر ثقافتها الشرقية في جميع أنحاء العالم بعيدا عن الليبرالية الأمريكية؛ ثقافة تقوم على النظام الصارم والشديد الذي يستدعي معه كل أساليب الردع والاستبداد، من أجل المحافظة على الإنسان؛ فعزل السكان في “ووهان” –حوالي 16 مليون مواطن- واعتماد “الابتعاد” – الاستعانة بالروبوت/ السايبورغ- عوض “المشاركة” ما بعد الحداثية، لهو دليل صارخ على فشل المشروع ما بعد الحداثي أمام أكبر اختبار واجه البشرية منذ حوالي قرن من الزمن.
ولو توجهنا غير بعيد إلى القارة العجوز ” أوروبا” لوجدنا أن ما بعد الحداثة، أو محاولة أمركة أوروبا قد انهارت في إيطاليا؛ التي لم تجد من سند لها في أزمتها إلا “الصين” التي أبانت أن “الشيوعية” التي حُوربت وحاول المعسكر الغربي إقصاءها من المشهد العالمي، هي الأقرب إلى الإنسان، وأصبح بذلك شعار” siamo con voi, forza Italia ” – نحن معكم، القوة لإيطاليا- المكتوب على المساعدات الصينية المقدرة بـ 30 طنا من المساعدات، هو الشعار الأمثل لتآخي الإنسان مع اخيه الانسان، إضافة إلى فريق طبي كابد مشاق السفر من “شنغهاي” إلى “روما” من أجل المواطن الإيطالي الذي كان يعيش حالة “برانويا Paranoia ” مفادها أن أروبا لن تتخلى عنك، ليجد في النهاية أن الاتحاد الأروبي كان الأول الذي عزل إيطاليا برا وبحرا وجوا وترك الشعب الإيطالي يصارع حتفه لوحده.
 
.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق