ثقافة المقال

النّقد الأدبي: بين المفهوم والممارسة.

لمجد بن رمضان

نتعرّض في هذا المقال الوجيز إلى الجذور الأولى للنقد الأدبي في الثقافتين الغربيّة والعربيّة. وذلك لفهم الممارسات التي ارتبطت بهذا المفهوم على امتداد التاريخ. ونعتمد أساس على المفاهيم المتعلّقة مصطلح “نقد” المضمّنة في المعاجم.
1- النقد عند الغرب:
إنّ المفهوم المتداول عند الغرب للنقد اليوم هو ذلك الذي صاغه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ولخّصه في عبارة وجيزة: “إنّ النقد هو فنّ إصدار الحكم” وهو يشير في مجمله إلى جملة من الممارسات المبنيّة على التفكير المنطقي الخالي من الأهواء والنوازع الذوقيّة. إنّ فعل Critiquer يرادف “حسب ما ورد في الموسوعة الفلسفّة الشاملة « L’Encyclopédie philosophique universelles » مجموعة من الأفعال “من قبيل التمييز والاختيار والحكم والبت [في المسائل] والغربلة. أي كلّ نشاط يتضمّن عملية اتخاذ قرار أو اختيار موقف. وتشير الموسوعة أنّ لفعل “نقد” مفاهيم أخرى سبقة التصوّر الكانطي له. أهمّها المعنى الذي نشأ “داخل المحاكم والأطر القانونية. حيث كان يشير إلى المسار الذي يؤدّي إلى إعداد الحكم في الحضارة اليونانيّة قبل أن يرتبط بالفلسفة ويصبح فرعا من فروعها في العصور الحديثة” حيث كانت جودة الأعمال الأدبيّة تعتبر من المسائل الخلافيّة التي تستوجب قرارا جماعيّا يستند إلى نظام الاقتراع. فالأدب كان يخضع آنذاك للتحكيم على طريقة المؤسسات القانونية. والنقاد عبارة عن مجموعة من القضاة تعرض عليهم الأشعار في بعض المناسبات ويتمّ البتّ في شأنها عن طريق الأصوات. بيّن ذلك بكثير من التفصيل محمد غنيمي هلال، في كتابه النقد الأدبي الحديث، 1987 يقول: “قبل أفلاطون وأرسطو محاولات غير منهجية متفرقة في النقد اليوناني، تمثّل أقدمها في المسابقات التي كانت تنظمها حكومة أثينا في أعيادها الدينية. وكان عدد المحكمين فيها عشرة أعضاء خاضعين في تحديدهم لنظام الاقتراع. وكانت تمنح الجوائز للفائزين من الشعراء والممثلين بخمسة أصوات تختار من بين هؤلاء على أساس الاقتراع.” تعدّدت بعد ذلك المفاهيم المتعلّقة بفعل نقد في الثقافة الغربيّة وذلك حسب الوظيفة التي تمنح للناقد. من ذلك المفهوم الذي صاغة أندريه لالاند “النقد في الأصل جزء من المنطق الذي يصدر الحكم. حيث يطلق مصطلح عقل نقدي على ذلك الذي لا يطمئنّ إلى أي مسلّمة دون أن يتساءل على قيمتها. سواء من حيث محتواها (النّقد الداخلي)، أو من حيث أصلها (النّقد الخارجي)”. وهو أقرب ما يكون إلى مفهوم كانط. أو المفهوم الذي وضعه نيكولا بوالو حين اعتبره “مبحثا يهتمّ بتصحيح الأخطاء الواردة في بعض الآثار القديمة أو التحقّق من نسبتها إلى أصحابها”، وصولا إلى المفاهيم الراسخة اليوم التي جعلت منه علما مستقلّا بذاته. ولكنّ في المجمل كانت جلّ المفاهيم تغيّب مسألة الذوق أو الحكم الذاتي. فحتى في الحالة التي أصبح فيه النّقد مهمّة يقوم بها فرد فهو مقيّد بمنهج ومطالب بتطبيق جملة من القواعد التي صاغتها مجموعة من العلماء المختصين في هذا المجال.
1- النقد عند العرب:
نعثر على مفهوم النقد في الثقافة العربيّة في معجم لسان العرب لابن منظور. والذي يعني “التمييز بين الدرهم الجيّد والدرهم الرديء. ولا يخرج مفهوم النقد الأدبي على هذا الإطار، أي التمييز بين الجيّد والرديء من الأقوال الفنية مثلما يتمّ التمييز بين النقود. وهو مفهوم مازال ساريا حتى أيامنا، ويتبناه الكثيرون نذكر منهم على سبيل المثال “سيد البحراوي” في كتابه “قضايا النقد والإبداع العربي 2002، يقول: “حين نستخدم كلمة “الناقد” نعني بها في المقام الأول ناقد الأدب أو الفنّ غير أنّ هذا المعنى يتضمن –بالضرورة-معنى آخر حين نعرف أنّ هذا الناقد الأدبي أو الفني لابدّ أن يكون مثقفا عارفا بأدوات عمله ومطلعا على أكبر كمية من الأعمال التي هي موضوع نقده، هذا غير تاريخ هذه الأعمال الأدبية والفنية. ولكنّ الأهم من ذلك أن يكون ممتلكا للقدرة النقدية، أي القدرة على التمييز بين الحسن والرديء، الجمال أو القبح وأن يكون قادرا على المقارنة والمقابلة بين الأعمال وبعضها البعض. فالنقد عند العرب هو ذلك الشخص الخبير الذي يمكنه استنادا إلى جملة من المعارف تقدير قيمة الآثار الفنيّة. وأهمّ تلك الآليات هي المقارنة والمقابلة. فلا تُعرف قيمة الشيء إلاّ بضدّه، وليس ثمّة آليات تمكّن من الحكم على العمل لذاته دون الرجوع إلى مجموعة الأعمال التي هي من جنسه.
في العصور الوسطى “ارتبط النقد الأدبي […]بعلوم البلاغة وبمباحثها الأساسية: المعاني والبيان والبديع” وانقسم النقد آنذاك إلى نوعين. “نقد بلاغي قوامه نظرة الرواة في الأساليب الشعرية العربية قديمها وحديثها، ويشمل نقد استعمالاتهم للألفاظ في ضروب البيان والمجاز والاستعارة[…] ونقد لغوي، لعله سبق النقد البلاغي، وظهرت أبرز معالمه من خلال تناول أنواع الأساليب الأدبية والتراكيب اللغوية من جهة قدرتها على أداء المعاني أو التعابير (انظر، محمد مساعدي، “السرقات الشعرية والتناص: أية علاقة؟)”. ولم يكن هذا النقد مطلوبا لذاته، بل جعله القدماء في خدمة العلوم المتصلة بالدين. حيث “تندرج دراسة الشعر عند القدامى ضمن نسق عام تتوزع فيه المعارف إلى أصلية وفرعية، فهو يصنف ضمن المعرف الدنيوية التي تسعى إلى إعداد مادة لغوية وشعرية تستجيب لمتطلبات العلوم الدينية”(المرجع السابق). وهو ما لم يجعل من النقد العربي يتحوّل إلى علم مستقلّ عن باقي العلوم الأخرى، رغم المحاولات التي قام بها علماء أجلاّء مثل قدامة ابن جعفر وابن رشيق القيرواني وغيرهما.
إنّ اشتقاق مفهوم النقد الأدبي عند العرب من مجال مادّي جعله خاضعا لمتطلّبات السوق. وخير دليل على ذلك سوق عكاظ. حيث التحكيم فرديّا يمنح لأشعر الشعراء من قبيل النابغة الذبياني. وعدم تغيير المفهوم القديم الذي علق به جعله منه تجارة قوامها المضاربة والربح، ثمّ تحوّل الناقد إلى رقيب يسخّر مجهوده لخدمة سلطان أو إيديولوجيا ما. عكس النقد في الغرب الذي ارتبط بالديمقراطيّة ونشأ على أساس الحكم الأغلبي الذي يرتاح إليه الجميع. فلا نستغرب اليوم أن يصبح الناقد العربي سمسارا يرفع من شأن عمل أدبي ما ويحطّ من شأن عمل آخر دون مبرّرات علميّة موضوعيّة، بل يمنح صفة الجمال للنصّ على أساس مصالح خاصّة. في حين ينكبّ غيره على تفحّص المنتوج الأدبي مستندا إلى قواعد واضحة ويراعي ما تواضع عليه العلماء.

 
باحث في الدراسات العربيّة
Université Jean Moulin Lyon

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق