ثقافة المقال

مقامرون يشربون كؤوس كورونا على أجسادنا النحيلة

عبد الكريم ساورة

كل يوم يمر نشعر بالضجر، ننتظر بلهفة العاشق أن يدق الأمل أبوابنا الموصدة ، ننتظر الخبر الذي سوف يطلق سراحنا جميعا، نشعر أننا كلنا معتقلون، سجننا لايشبه السجون، إنه سجن جديد، لم نألفه من قبل، ولم نسمع عنه لافي كتب القدماء ولا في روايات الحروب، إننا أبطال جدد، سيكتب التاريخ محنتنا التي لم نصنعها بأيدينا، إننا ضحايا حرب صنعها مقامرون مهووسون بالذهب يشربون كؤوس كورونا على أجسادنا النحيلة.
طيلة هذه السنوات، كلنا كنا منشغلين بالبحث عن القوت، إننا فقراء العالم، لانحسن البحث سوى في هامش الهامش من أجل نضمن البقاء على قيد الحياة، والأكرم فينا يبحث عن منصب صغير، أو وظيفة صغيرة من أجل أن يستيقظ في الصباح الباكر لتأدية الواجب، إننا نحب الوطن، ولهذا أقسمنا بكل قوانين العالم أن نؤدي تذكرة الأطوبيس، إننا نؤمن بالواجب المقدس، لن نسرق مسافة تنقلنا من منزلنا إلى مقر العمل، وفي كل لحظة نرفع رؤوسنا ونلتفت يمينا ويسارا من أجل أن نحمي بعضنا بعضا، إننا لانحب أن يكون بيننا اللصوص، إننا نشجب كل من يعتنق هذه الحرفة الحقيرة ولو كان فقيرا، إننا نكره اللصوص في كل مكان لأنهم كانوا سببا في تقويض حياتنا وحياة الأمم.
الآن، لصوص العالم، الذين يحترفون هذه المهنة، بأسماء لامعة، يتاجرون في كل شيء، في أسماءنا وفي تاريخينا وفي هوياتنا، وفي تعليمنا، قاموا بتخريب كل شيء، ولم يبق لهم سوى أجسادنا بعد أن فتكوا بأرواحنا، أقسموا أن يبنوا مخازن للأوبئة بكل أنواعها، اشتروا الخبراء، والأطباء، والمخابرات، وصنعوا حكاما وحكومات على مقاسهم، باعوا الشعارات للشعوب المقهورة بطريقتهم، تحكموا في السفارات ووضعوا رجالا يفهمون جيدا في التهريب على أبواب الجمارك.
نحن الشعوب الفقيرة، لازلنا متشبتين حد النخاع بالشريعة، وبلغتنا العربية العريقة، لازلنا نؤمن بالقدر، لانفهم كثيرا في لغة السوق الجديدة، لغة المكر.
لازلنا نأكل الخبز، ونقدس غصن الزيتون ونغني أغنية مارسيل كل فجر، لازلنا بسطاء في كل شيء، نخرج إلى الأسواق نشتري كل أنواع الخضر، نذهب إلى المقاهي نشرب الشاي المفضل، نتحدث كثيرا عن النساء، ولانعرف مفهوما إسمه المستقبل، نودع كل شيء بيد الله، في المساء نجتمع للإحتفال مع عريس ابن الحي، نأكل كثيرا ونشرب كثيرا، وبعد منتصف الليل، تصدح الحنجرات بالكلمات التي تطرب الفؤاد، فينطلق التهليل، فتشتعل الأرواح بالألحان العذبة، فنقف للرقص جميعا.
لازال المجتمع يرفض المغامرة، لايخوض إلا في موضوعات تشبهه، قريبة من أصله وأصوله، إنه لازال يتشبث بتقاليد ورثها أبا عن جد، وعندما يجلس إلى طاولة الحوار يكون الموضوع المفضل هو ذكريات الماضي، من أفلام كلاسيكية وممثلين كانوا يشعلون الشاشة الكبيرة بمواهبهم الفريدة، وألعاب السيرك المدهشة، ولاعبين كرة قدم كانوا يسحرون الجمهور بتقنياتهم وأسلوبهم المدهش في اللعب، ولاينسون بالمرة الأصوات الغنائية التي حفرت إسمها في قلوب أجيال بكاملها.
أغلب الأحاديث لها طعم خاص، لاتخوض في موضوع الفيروسات، فهم يعرفون بالفطرة أنه موضوع مشؤوم، وينذر بالشؤم، وحدها الشركات والجهات المشبوهة من تشتغل بالليل لتعد التقارير حول هذه الفيروسات، والمعضلة أن أغلب هذه التقارير تكون ملغومة، لاتقدم معطيات حقيقية، معظمها تشتم منها رائحة الرعب، فيظل العالم دائما في وضع مجهول، ينتظر الذي يأتي وقد لايأتي .
إن الرأسمالية الجديدة، وحدها من تكفلت بأن تقوم بهذه المهمة القذرة، في صناعة الموت، فهي لاتهمها حياة الآخرين، لاتهمها حياتنا البسيطة، لاتهمها موضوعاتنا الحياتية، كل مايهمها هو جيوبنا، ماينبغي علينا دفعه من أجل نضمن بقاءنا، وعلينا أن ندفع الثمن الذي تحدده مسبقا، وفي حالة رفضنا تصبح حياتنا هي الثمن، إن الرأسمالية تقامر بكل أرواحنا ، تقامر بكل شيئ يجعلها تمر فوق جثثنا.
هاهو فيروس كورونا كواحد من الفيروسات اليوم ، يكشف عن العلبة السوداء التي ظلت خفية لسنوات طويلة، هاهو الفيروس يعطينا الصورة الحقيقة لنظام لايرحم، ولم يكن له أصدقاء في يوم من الأيام، الرأسمالية المتوحشة لاتصنع سوى الضحايا، وهاهو فيروس كورونا أحد أعظم اختراعات الرأسمالية يتربص بنا ويفتك بنا في كل مكان، وهنا وجب علينا الاعتراف نحن فقراء العالم، نحن الذين نتشبث بالحياة، أننا أكبر ضحايا هذا الاختراع، وعندما نفهم اللعبة كيف بدأت سنحسن المقاومة لامحالة ونحطم كل هذه الأصنام التي نعبدها بمرارة.

كاتب وباحث مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق