ثقافة المقال

لا يوجد شاعر ولا روائي… وإنما كاتب ! مع رولان بارت..

الجزء الرابع

كتبه حبيب مونسي

يجتهد “بارت” في تقرير حقيقة “الكتابة” باعتبارها نشاطا يخرج عن الفعل التسجيلي الخطي الذي نعرفه، إلى فعل يوحد بين الإبداع والنقد. فهي بهذه الصفة نشاط ثقافي معرفي يجري على يد المبدعين والنقاد في هيئة واحدة يسميها “كتابة” فيقول: (يمكن أن نلاحظ أنه منذ مئة عام، أي منذ “ملارمي”، من غير شك، ثمة تعديل يجري على أمكنة أدبنا: إن الوظيفة المضاعفة (المزدوجة): الشعرية والنقدية للكتابة، هي التي تتعارض، وتنفذ، وتتوحد.) ومعناه أن ما تأسس في النقد القديم من تمايز بين الكتابة الشعرية، والكتابة النقدية، لتمايز حقليهما، واختلاف وظيفتيهما، ونوعية نشاطيهما، لم يعد كذلك، بل انداحت الوظيفتين في بعضهما بعض، إلى غاية الاتحاد والتوحد.
وسبب ذلك حسب “بارت”: (ليس الكتاب وحدهم هم الذين يقومون بالنقد، ولكن أعمالهم غالبا ما تدلي بشرط ولادته “بروست” أو غيبته “بلانشو”. ثمة لغة واحدة تميل إلى المرور في كل مكان في الأدب، وخلف الأدب أيضا.) وكأن الذي حدث في هذه المائة عام، فتح الحدود الفاصلة بين النشاط الشعري والنقدي، وسهل المرور بينهما في حركة واحدة، هي “الكتابة”. ثم يعلن “بارت” على طريقته السحرية عن الانقلاب الهائل الذي حدث ويحدث، قائلا: (لقد أصيب الكِتَاب بانقلاب، أحدثه كاتبه. فلم يعد هناك شاعر أو روائي. لم يعد هناك شيء سوى “الكتابة”.) هكذا تزول الحدود وكأنها تذوب مثل الثلج في وهج شمس الحداثة، فلا الشاعر شاعرا، ولا الروائي روائيا.. بل كلاهما يكتبون فقط. إننا أمام كائن عجيب يولد الساعة بين أيدينا.. “كائن كاتب” يستطيع أن يدعي أنه الشاعر، وأنه الروائي، وأنه الناقد، في كل لحظة، بل له أن يجعل من خطه على الورق “كتابة” تتراءى فيها كل الأجناس دفعة واحدة.
ويستمر أسلوب السحر والإغراء على لسان “بارت”، لتمرير فكرته، وتزيينها في النفوس.. نفوس من يريدون أن يكونوا هذا الكائن العجيب، “الخنثوي”، ليتمظهرون بالصفات كلها. فيقول: ( ألا فلننظر، ثمة حركة تكاملية، الناقد يصبح فيها كاتبا.) وهكذا يكون قد أضاف طرفا ثالثا لمكونات الكائن العجيب. ثم يتساءل فيما يشبه الاستغراب قائلا: (أما نحن، فماذا يهمنا تمجيد المرء أن لكونه روائيا، أو شاعرا، أو كاتبا يكتب المقالات، أو مدونا يدون الأخبار.) فهذه التصنيفات لم تعد مجدية في النقد الحداثي، الذي يريد أن ينتهي بالتنوع إلى الواحد، ويريد أن تموت التخصصات على عتبة التوحد، فلم يعد مهما أن تكون روائيا أو شاعرا.. فتعرف مقامك، وأدواتك، ووظيفتك.. كل ذلك عائد حسب هذا الساحر الساخر إلى أن: (تعريف الكاتب لا يكون بالدور الذي يقوم به، أو القيمة التي تعطى له، ولكنه يتحدد فقط بنوع من أنواع “وعي الكلام”. وبهذا يكون كاتبا. ) ولنا أن نسأله في حيرة، ونحن ننتظر منه محددات واضحة نؤسس عليها تعريفنا الجديد للكاتب. غير أنه لا يقدم لنا سوى “نوع من أنواع وعي الكلام” ولسنا ندري أي وعي هذا؟ هل هو الوعي بأنه أصبح الكاتب يعطي لنفسه حق اختراق حدود الأجناس والتصنيفات جيئة وذهابا، وأن يكون الفاعل والمنفعل في آن؟ ينقل من الشعر إلى الرواية، ومن الرواية إلى الشعر، ومن الشعر إلى المسرحية، ومن المسرحية إلى المقالة.. أو ما سمي أخيرا بتداخل الأجناس؟؟ لا.. ليس هذا الذي يعنيه “بارت” الآن.. إنه أمر آخر.. فمتى يكون الكاتب كاتبا؟ يجيبنا “بارت” بغموض الساحر الأكبر قائلا: (عندما تحدث له اللغةُ مشكلة، تجعله يغوص فيها إلى الأعماق، فلا يقف عندها أداة أو جمالا.) ؟؟؟
(رولان بارت- نقد وحقيقة- موت المؤلف- ت. منذر عياشي- ص: 75- 77- مركز الإنماء الحضاري 1994.)
***

النقد والقراءة.. لكل نشاطه وخطابه في النص الأدبي ! مع رولان بارت..
 
كثيرا ما يقف الدارس المحقق المدقق اليوم في حيرة بين اصطلاحي “النقد” و”القراءة” أيهما أحق بالجود والاستعمال، وهل يجاور النقد القراءة مجاورة تكامل ومتابعة، أم أن القراءة تمثل جديدا طرأ على التفكير الأدبي وأزاح النقد من مكانه. فأضحت القراءة بذلك بديلا حداثيا يقدم توسعة لم يقدمها النقد من قبل؟ أم أن القراءة تتجاوب لفظا ووظيفة مع الطارئ الجديد الذي حل محل الناقد ألا وهو “القارئ”؟؟ أم أن “النقد” و”القراءة” وظيفتان مختلفتان متزامنتان، لا تزاحم إحداها الأخرى؟ إنها أسئلة أخال أن كثيرا من النقاد العرب لم يلتفت إليها، وأساء فهما، وسارع إلى جعل القراءة بديلا للنقد، وكأنه يريدها لمرحلة جديدة في تعامل جديد مع النص الأدبي. يقول “بارت” : (إذا كان صحيحا أن العمل الأدبي يحتوي في بنيته على معنى متعدد، فلقد صار حقا عليه أن يجعلنا نفكر بوجود خطابين مختلفين فيه.) وكأن تعدد المعنى وحده يجبرنا على تمثل هذه الازدواجية الخطابية فيه. لأن التعدد لن ينتهي بحال من الأحوال إلى خطاب واحد، وإنما سينزع كل معنى إلى خطابه الذي ينسج من لحمته وسداه. لذلك يستطرد “بارت” قائلا أننا نستطيع أن نوجه عنايتنا إلى: (المعنى الفارغ الذي يحمل كل المعاني.) وكأننا سنعتبر النص يقول كل شيء ويسكت عن كل شيء في آن، فهو ملآن فارغ. أو أن نقصر اهتمامنا على: (واحد من هذه المعاني.) لنا أن نختار التعدد، ولنا أن نختار المعنى الواحد. ويحذرنا “بارت” قائلا بعد ذلك : (يجب أن لا يتم الخلط بين هذين الخطابين بأية حال من الأحوال، فهما لا يعملان على موضوع واحد، ولا يحيلان على مصداقية واحدة.) ومعنى ذلك ببساطة أننا إذا تعاملنا مع التعدد فلنا خطاب خاص، وأننا إذا تعاملنا مع المعنى الواحد فلنا خطاب آخر مختلف، ولا يجوز الخلط بينهما!! ولنا أن نسأل “بارت” لماذا هذا التمييز بين الخطابين؟ ولماذا يختلف الموضوع والنص واحد؟ ولماذا هذا التحذير أصلا؟ وللتخلص من هذه المعضلة يقترح “بارت” ما يلي: (يمكن أن نقترح اسم “علم الأدب” أو “الكتابة” ليكون اسما لهذا الخطاب العام. إذ إن موضوعه ليس المعنى المحدد، ولكنه التعددية.. ويمكن أن نقترح اسم “النقد الأدبي” ليكون اسما لذلك الخطاب الثاني الذي يجعل قصده المعلن في المعنى الخاص الذي يعطيه للعمل.) فنحن إذا أمام “كتابة” أداتها “التأويل المنفتح، والمعنى الفارغ” و “نقد” مهمته المعنى الواحد ومقاصده. ويقرر “بارت” أخيرا على عادته في الفصل الحاسم قائلا: (وجب الفصل بين قراءة العمل ونقده: ونلاحظ أن الأول مباشر، وأن الثاني تتوسطه لغة وسيطة، هي الكتابة النقدية.) مباشر، بمعنى أن القارئ يقبل على المعنى الفارغ فيصب فيه ما يشاء، أما الناقد فيحمل معه لغته الناقدة بموروثها النقدي. لذلك نجد “بارت” يختم بحسم شديد قائلا: (ثمة كلمات ثلاث، يجب أن نجوب أرجاءها لكي نجدّل حول العمل تاجه اللغوي: العلم، والنقد، والقراءة..)
(رولان بارت- نقد وحقيقة- موت المؤلف- ت. منذر عياشي- ص: 88- 89- مركز الإنماء الحضاري 1994.)
يتبع..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق