ثقافة السرد

الجزء 14 من رواية المأساة الفلسطينية- حرمتان ومحرم-

لصبحي فحماوي

أعراس فوق المقابر !
لم تتعرف ماجدة إلى خطيبها غازي وهو شاب بالغ، أو تتناقش معه في أمور الدنيا، فهي تتذكره كطيف شارد. وكثيراً ما يخطر على بالها بينما هي تجلي أو تغسل، أو بينما هي في طريق المدرسة، فتندُب حظها العاثر!
لماذا ابتعدت عني يا غازي، ولماذا خطبوني إليك، ما داموا سيرسلونك إلى أمريكا؟ ولماذا وافقت على خطبتي إذا كنت ترغب بالسفر؟ ولماذا لا تكلمني بالهاتف أو ترسل لي رسالة تقول فيها: “أحبك يا ماجدة، أو أكرهك يا ماجدة، أو خلصيني منك يا زفتة، أو انتظريني فأنا قادم لآخذك معي، أو أي شيء!” لقد قتلتني عدة مرات؛ مرة ببعادك، ومرة بحجزك لي، وسد الطريق أمام مستقبلي، ومرة بعدم إرسالك أية رسالة تشرح موقفك، ومرّة ومرّة ومرّة..! أنت تقتلني كل يوم يا غازي، وها أنا مدفونة في رمال الصحراء، وأتمرغ في انفعالاتي حيناً مع مديرة المدرسة، وأحياناً مع معلماتها أو طالباتها، مرّة بالصراخ في وجوههن، ومرّة بالتذلل، ومرّة بالاستسلام لمصيري. وأحياناً أنسى نفسي، فتفيقني الأخريات:” أفيقي يا ماجدة!” “أين سرحت يا غزال البر؟” الذي أخذ قلبك، يتهنى به!”
وفي غرفتها، لا تجد ماجدة من يتغزل بها، أو من يرسم ملامح شخصيتها، ويعكس نظرة الناس إليها سوى صديقتها تغريد؛ ففي إحدى الليالي التي كانتا تجلسان فيها سوية، بكت ماجدة أمامها بحرقة لاختفاء غازي، وتركه لها تائهة حائرة، لا تعرف لها مستقبلاً.
– ترى أين هو أخوك يا تغريد؟ وهل أنهى تعليمه المدرسي، فدخل الجامعة، أم… ؟ فتخجل تغريد من أخبار أخيها قائلة:
“غازي نجح، واجتاز امتحان الثانوية بتقدير ممتاز، وحاول الالتحاق بالجامعة، فرفضوا قبوله، بحجة أن بعثته لم تتضمن دراسة جامعية، وكان لا بد من عودته، ولكنه وبصراحة تشبث بالعيش هناك، وهو يبحث عن وسيلة للبقاء القانوني، ويقول: إنني أخجل من الحديث مع ماجدة، ولست حُرّ التصرف كما تتخيل، ولكنني سأحاول أن أساعدها بشتى السبل. ولكنه لم يوضح أية تفاصيل حول نوع المساعدة!” فتبكي ماجدة وهي تقول :
– يساعدني؟ أنا لست عالة على أحد ليساعدني، فها أنت ترينني أعيش في الصحاري وآكل لحم (الضب)، كي أؤكد قدرتي على البقاء، ورغم كل الأعداء الذين يحاولون قتل البقاء في أرواحنا نحن الفلسطينيات، فنحن نقاوم الفناء! وأنا لست محتاجة لعطف أخيك المتأمرك غازي! قولي لـه إنني أريد أن أعرف موقفه مني، فأنا لست كارهة له، ولكنني أريد توضيح الصورة، فهل سيعود ويستقر في فلسطين، أم سيبقى هناك؟ فأعرف رأسي من رجلَيّ هنا، أنا المشبوكة معه!
تتأثر تغريد ببكاء ماجدة، وتشعر بنفسها، وكأنها مكانها. ماذا لو يختفي جهاد من حياتها، لا سمح الله؟ وكيف ستتصرف من دونه؟ أو ماذا سيحصل لو….؟ أسئلة كثيرة لا تستطيع تغريد الإجابة عنها.
تتباعدان حيناً بسوء تفاهم، ثم تجبران على استعادة المحبة بينهما، فالأرواح جنود مجندة، وماجدة وتغريد روحان منسجمتان مع بعضهما، ولا تستطيعان الافتراق، ولذلك فسرعان ما تتقاربان، وتعود الينابيع إلى جداولها.
تشعر ماجدة بوحدتها، وبألا أحد من الناس يحدثها عن نفسها، أو يطري جمالها، فتضطر أن تسأل تغريد بينما هي تقف أمامها كعارضة أزياء:
– كيف ترين شكلي يا تغريد؟ فتجيبها تغريد مازحة وهي مبتسمة: “شكلك غلط!” ثم تخاف أن تزعل من مزاحها، فتلتفت إليها ملاطفة وهي تقول: ما لـه شكلك يا بنت؟ مثل القمر، ما شاء الله! فتوضح ماجدة بحزن: – أقصد كيف يراني الناس من بعيد ؟
تشير تغريد الجالسة على السرير بإصبعها الشاهد إلى ماجدة وهي تقول:” لو ينظر إليك عاشق بعين ناقدة، ليقول:(إن جسدك باهر الجمال)، فأنت طافحة النهدين، مربربة الردفين، ضامرة البطن، متناسقة القد، ونظراتك ساحرة الابتسامة. وأما رأيي الشخصي فأنت بريئة التصرفات، كثيرة الفلسفة والكلام الفارغ المضحك والمحزن، تقولين كل ما لديك، بلا لف أو دوران، وأنت أكثر مني جرأة، وخفّة دم، واندفاعاً في التعبير عن الذات، بعكسي أنا الحيِيّة، والتي لا تجعل لأفكارها لساناً، وتكتفي بالنظرة الحرّى لتعبر عن مكنوناتها وأحاسيسها، مهما كان نوعها. ويبدو أن لونك الحنطي يا ماجدة، وامتلاء جسدك بغير إفاضة، وحركتك الدؤوب، تترك تأثيراً كبيراً على شخصيتك القيادية المبادرة، ولكنك عندما تضعين الملاية السوداء على جسدك، والستائر على وجهك، تصيرين مثل الدبّة السوداء، منظرك مضحك! ” فتجيبها ماجدة وهي تنحني نحوها باندفاع:


– ما دام رجال الدين يجبرون النساء على ارتداء الحجاب، ويمنعون الرجال من مشاهدتهن، وما دام كيد النساء عظيماً – كما يقولون – والمرأة كائن حساس، وإحساسها النفسي ورغباتها الجنسية لا تختلف عن رغبات الرجل، وقد تفوقها، فلماذا يحق للمرأة أن تشاهد الرجال من وراء حجابها وبرقعها؛ في الشوارع والأماكن العامة، وتستمتع بمشاهدة الوسيمين منهم، وتحقق لها من تلك المشاهدة رغبة إنسانية، بينما يمنع الرجال من مشاهدة أوجه النساء المُغَلّفات الوجوه، وإذا كان طواف المرأة حول الكعبة، يوجب عليها إبراز وجهها أمام الله، وأُمّة لا إله إلا الله! فكيف تُمنع المرأة من إبراز وجهها في الشارع العام، والذي لا يمكن أن يكون أطهر وأخشع منه في مواقع الكعبة المشرفة؟ لا بد أن في الأمر خللاً ما! فديننا يُسر، وليس عسراً لهذه الدرجة! وهنا تخرج تغريد عن طورها بضحكة مقهقهة وهي تستلقي على السرير:
“ما الذي تريدين أن تصلي إليه؟ هل تريدين أن يُصدر رجال الدين مرسوماً يقضي بإلباس كل رجل برقعاً وعباءة سوداء، مساواة بالمرأة، فلا تعود النساء تراهم في الشوارع، والأماكن العامة؟ أكيد أنك قد جننت وصرت تهلوسين!”
– ولم لا أفكر بحرية، وأطالب بمساواة الفرص مع الرجل؟ فها أنا مُعلِّمة، والرجل مُعلِّم، وهناك طبيب وطبيبة، وخادم وخادمة وهكذا.. مجرد فكرة، قابلة أو غير قابلة للتنفيذ، المهم أن أبُقّ الحصوة، وأتنفس بحرية، وما دمنا نعيش في هذا الفراغ القاتل، فلماذا لا نتفلسف على مهلنا؟ تستعيد تغريد جلستها على السرير فتقول:
” وأنا أيضاً أؤيد المساواة مع الرجال في الحقوق والواجبات.”
– ها نحن نقوم بأعلى الواجبات! ألسنا نشتغل في بلاد الغربة، ونحصل على رواتب تُعيِّشُ عائلتين كبيرتين مُرَكّبتين فقيرتين محاصرتين؟! ألسنا نقوم بأكثر مما يقوم به الرجال الممنوعين من العمل، وأفضل من مئات الرجال الكسالى، القاعدين في بيوتهم بلا شغل ولا مشغلة؟ ألسنا نثبت أننا كفؤات، ونستحق الحياة ونحن نكافح، ونضع كرامتنا في جيوبنا أحياناً كثيرة، ونحن نسعى في مناكبها لنطعم أهلنا المحاصرين هناك؟
تنتقلان إلى المطبخ الذي لا يتعدى طوله المترين وهما وتتحدثان في شؤون وشجون كثيرة لإشغال وقت فراغهما، فتُحَضِّر ماجدة طعام العشاء، وهي تقول لتغريد:
– الطالبة وزرة كانت اليوم تحوم حولي بعد خروج البنات من الفصل، وهي منفعلة، وكأن في فمها حصوة، تريد أن تَبُقّها، فسألتها عن حالها، فقالت بعد صمت وتمنُّع: ” مشاكل يا معلمتي!” فقلت لها: فضفضي عن نفسك، إحكي لي مشكلتك، فقد أستطيع أن أساعدك في حلها! فقالت بعد تمنُّع:
“كان أبي يعشق امرأة غير أمي، ويأخذ راحته معها، وفي تلك الليلة التي لا أنساها أبداً، فوجئت أمي بمشاهدة ممارسة زوجها الشائنة وجهاً لوجه، فثارت، ولم تترَوّ، بل كشفت فضيحَته بالدليل القطعي، صرخَت، وجمعتنا نحن الأولاد والبنات، قائلة: ( تعالوا شوفوا أبوكم مع هذه المرأة الشر….) تجمّعنا فشاهدنا أبي يقف أمام أمي منكمشاً مثل دودة، وعيناه في الأرض، وخرجت الأنثى مسرعة دون مشاجرة ولا عنف، وانفضح المستور، فما كان منه لاسترداد هيبته في اليوم التالي، إلا أن أحضر العشيقة إلى البيت، معلناً زواجه منها على سنة الله ورسوله. وهذا أدى إلى مشادات ومناكفات من قبل أمي، قابلها دهاء ودلع وضغط من العروس الجديدة، مما جعل الزوج يُفضِّلها في كل شيء. وهذا تبعه مشاكسة من طرفنا نحن البنات والأولاد، فقلبنا حياة أبي جحيماً فوق رأسه ورأس زوجته الجديدة..” لطمت الطالبة وجهها وهي تقول:
“ولكن ما الفائدة، فلقد قاومت زوجته النكد، وحملت منه بسرعة، وولدت ولداً، عزز موقفها، وجعلها تسيطر على الموقف، فصرنا نحن أبناء المرأة القديمة وبناتها لا نحصل من أبي إلا على فتات المصاريف والحاجيات، ليس هذا فحسب، بل اختفى عطفه وحنانه علينا، وصرنا محرومين من المال والعطف والحنان، وحتى المسؤولية الأبوية جفت ينابيعها فصار هَوَسُ أبي منصباً على ابنه الجديد. وهذا جعلني أبكي بحرقة ومرارة على حالنا الذي لا يسرُّ صديقاً.”
تحزن تغريد لقصة طالبة ماجدة، فتقول وهي تفرم البصل لتضعه فوق سلطة البندورة:” كانت أم وزرة في مصيبة، فتورطت في مصائب الفضيحة، وحالتها النفسية، ودخول زوجة جديدة وأولادها إلى البيت، وتعقُّد العلاقات الاجتماعية بين السابقين واللاحقين، وتناثر حقوق الورثة من الزوجتين بعد وفاة الأب. ومشاكل عديدة، لا حصر لها، نجمت عن تلك الغلطة التي..”
وتضيف ماجدة ضاحكة وهي تضع أطباق العشاء على الطاولة الصغيرة: سألتُ وزرة: كيف كان سيتصرف والدكِ لو كانت عشيقته متزوجة، ففضحَتها أمُّك بالجرم المشهود، فهل كان سيستطيع أن يكتب كتابه عليها، ويعتبرها ملك يمينه؟ فقالت البنت بخوف:
“لا أعرف! ولكن كل الحق على أمي التي فضحت الطابق المستور! ولهذا أمرَ الشرع بجلب أربعة شهود عدول في مثل هذه الإشكالات، ولم يقل أربعة شهود واكتفى، بل قال “عدول” ومن أين تأتين “بالعدول” في مثل هذه الأيام ؟ ولذلك تم التغاضي عن مثل هذه المواقف التي لو تمت ملاحقتها لحصلت تداعيات تدفع تداعيات أخرى، فينهار الهرم الأسري! ليت أمي لم تستخدم غباء حاستها السادسة في تلك الحادثة، وتجاهلت الموقف، فجنّبتنا كل هذه التداعيات، التي خربت بيتنا! ” فقلت لها بحدّة، وبروح المسؤولية:
“ما هكذا تورَدُ الإبل” يا وزرة، فلو تصرفت أمك بذكاء، وضبطت والدك بالجرم المشهود، ولم تفضحه أمام أحد، بل أبقت الفضيحة سراً بينهما، لاستطاعت أن تسيطر عليه نفسياً، وتجعله يخجل من نفسه، ولا يعود لمثل تلك الفعلة الشنيعة مرة أخرى، لكن سامحها الله! “

4

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق