ثقافة المقال

لا تَعَبَ في الكِتابَة !

ابراهيم مالك*

سألني صديق إن كنت أتْعِبُ نفسي عند كتابة القصيدة ؟.
أجبته : حين أكتب لا أشعر بتعب ، أنتهي سريعا من كتابة القصيدة ، فأشعر عندها بفرح مصحوب ببعض وجع التوتّر النفسي . لكن فكرة القصيدة تعيش في ذِهْني طويلا . وكان من عاداتي ، حتى بعد المرض ، أن أرَدِّدَ زَمَنَا طويلا وبصوت مسموع كلمات القصيدة ، قبل كتابتها على الورق ، أو أن أردد بعض مقاطعها ،عن ظهر قلب ، وأغنّي القصيدة مُصْغِيًا لموسيقاها الداخلية ، وما اذا كانت منسجمة مع موسيقاي تلك اللحظة.
دار في خاطري ما يحدث كثيرا للصيّاد المتمرّس في جريه بحثا عن طريدته . فذلك الصيّاد يُتْعِبُ نفسه وهو يقطع الغابة ، مشيا على الأقدام ، أو يركب البحر الهائج ، بحثا عن صيده المؤمّل ، أو يقطع الصحراء والوعور ، وحين يرى طريدته ،يصوّب بدقّة مدهشة ويَصطادُها ،أو يلقي شباكه ، فتطلع هذه صيدا وفيرا . البحث عن الطريدة يتطلّب ، في أغلب الحالات وقتا وجهدا ، أمّا عملية القنص ، لحظتها ، فلا . وهكذا هي كتابة الشعر ، في أحيان كثيرة.
فالشاعر يجمع الصور والأفكار والاستعارات الفنية وموسيقى القصيدة ، وحين تكون هذه جاهزة ، تتدافع و تقفز في ذِهْنِهِ ، فيعيش ولادتها ، بكل فرح الولادة ومخاضها الموجع ، لكن الجميل . عندها تذكّرت ما كان معي حين كتبت قصيدة ” تَعَمْشقْتُ السياج ” في مجموعتي الشعرية ” عطر فاطمة “. فكرة القصيدة ، حين استوحيتها أول مرة ، تعود الى ما يقرب من ثلاثين عاما ، كما أذكر . كنت يومها أعيش وأعمل في براغ في تشيخيا . قرأت كِتابَ شِعْرٍ بالألمانية ، يضم أجمل مئة قصيدة حب (غزل) مختارة من الشعر الألماني في أكثر من خمسمائة عام . لفت انتباهي ، يومها ، قصيدة قديمة ، تتشكّل من أربعة سطور ولا يُعْرَفُ اسمُ مؤلفها .اذ يعتقد جامعو الشعر ومصدرو الكتاب أنها تعود الى ما قبل خمسمائة عام.
تقول القصيدة ما معناه :

” في أمسِ لامَسْتُ بَراعِمَ زهر التفاح
واليوم قبَّلتُ شفتيكِ ،
فتذكّرْتُ براعم زهر التفاح “.

أحدثت القصيدة فيّ رجفة قوية ودهشة طويلة .
حين قرأتها أول مرّة ، شَعَرْتُ معها أنّ عواطف الإنسان الجيّاشة والمسكونة بالعشق والتخيّل كانت منذ القدم وخبر الإنسان متعته ( متعة العشق ) وأبدع في التعبير عنه وأن الشعر كان لغة التعبير الجميلة عمّا في هذه العواطف الإنسانية من قدرة على التوصيف والدلالات الموحية. عاشت فكرة القصيدة طويلا في ذِهني ، وكم رغبت لو أجعلها أساسا ، منطلقا ، لقصيدة أكتبها ، معايشا الظروف التي كُتبتْ فيها. و في ربيع2005 ، أي بعد المرض ، زارتني امرأة جميلة الطلعة ، فتية ، وداعبت يديّ بيديها ، بحنان ، وودّعتني ، بعدها بقليل ، عائدة الى بيتها . في تلك اللحظة ، أطلّت تلك القصيدة الألمانية ، وامتلكت كل حواسي ، فوجدتني ، أغالب عجزي ، وأنهض الى حاسوبي أكتب ، مانحا القصيدة بُعدَها الآنيّ ، فتمثّلت نفسي :

” أتجوَّلُ في الوعر الصخريّ المحيط بحاكورتي
وكعادتي في الصغر
تعمشقتُ السّياج في ولدنة مراهق عاشق
وتحسست براعم زهر التفاح ” .

كنت كمن يعيش حلما ، فتصورت أنني

” ألتهم بشره المُسِنِّ العاشق
أصابعها الوديعة الخمرية الراقدة
كفرخ عروس التُّرْكُمان
بين يديّ المشتعلتين عشقا وإعجابا
وأغَيَّبُ مُسكَرًا بِأنفاسِ كرمِ التفاح ” .

كانت لمسة اليد المُداعِبة ، بدفء وحنان ، لتلك المرأة الجميلة هي الشَّحْنة المُكَهْرِبَة ، التي أفرغت مخزون ذاكرتي ، فاستعدت في لا وعيي الحالم ايحاءات تلك القصيدة وأطلقتها في فضاء ايحاءاتي الخاصة بي والمشتعلة تلك اللحظة ، عشقا واعجابا ، ومنحتها سياقا ومضمونا مختلفين ومتجدّدين والبستها نسيجا محبوكا من كلماتي ، فجعلتها لي وجعلت عالمها عالمي.
أكّدت تجربة كتابة هذه القصيدة وغيرها ، مجدّدا ، ما خبرته في حياتي الشعرية ومن قراءاتي المتنوّعة أنّ الشاعر مهما تقدّم به العمر وبلغ به العجز الجسدي – ما سبق وأسميته خيانة الجسد – هو انسان عاشق ، عاشق لكل ما هو جميل في حياتنا ، ويبحث دوما عن لمسة حنان والتفاتة عطف محبّ ، لا شفقة ، يتطلّع الى دفقة حب تلهمه وتفجّر في داخله أفكارا موحية ظلّت سنين مخزونة . وأكّدت أن القصيدة ، حين تولد ، تكون قد عاشت من قبل ولادتها في رحم ذهن الشاعر ومخيّلته .
حين أتأمل كلمتي ” تعمشقتُ السِّياج ” ، أعجب أية مفارقة ذهنية نسجها ذهن الشاعر الذي فيَّ . وهي مفارقة مثيرة ، كلّما أمعنت العقل في رؤية حقيقة الواقع المعاش والواقع المتخيّل ، الذي رسمه الخيال الشاعري بالكلمات . هما كلمتان عاديتان ، أقرب الى العاميّة ، ألبستهما كل هذه الدلالات الموحية ، أعطيتهما بعدا ومضمونا جديدين . لقد رسم المَرَضُ حُدودَ حركتي وذبذبة أوتار صوتي ، حرمني واحدة من أبرز سمات الانسان :
القدرة على الوقوف والسير منتصب القامة . لكن عقلي المتخيّل أكسبني القدرة على تجاوز هذه الحدود ، التي أوجدها المرض ، والتجوال بعيدا في الوعر الصخري المحيط بحاكورتي والقيام بتعمشقِ السياج بحثا عن براعم زهر التفاح . والخلاصة أنّ من لا يمتلك القدرة على التخيّل ، أيْ أنَّهُ يعيش حالة خيال في لحظة ما ، لا يستطيع أن يكون شاعرا حقا ، لن يكون كذلك حتّى لو حفظ عن ظهر قلب كل الأوزان الشعرية في عالمنا.
والشعر ، كما علمتني التجربة كذلك ، هو قصائد متجدّدة وتجارب نعيشها حقيقة أو نتخيّلها في لحظة حلم لا واعٍ . والحلم هو هذه القدرة المتخيّلة في أن نكون في لحظات قصار ، كومض الفكر ، خلاف ما نكون ، ( فالتجوال في الوعر الصخري المحيط بحاكورتي ، العمشقة والولدنة المراهقة ، هي خلاف ، نقيض هذا الشلل الساكن بعض أطراف جسدي وأوتار صوتي) .
وبدون هذه القدرة المتخيِّلة تغدو حياة الانسان ، ذكرا كان أم انثى ، جحيما لا يطاق ولا تمكن الحياة معه . فهو ، أي الحلم ، يمنحنا هذه السمة الإنسانية التي تعيننا في اجتياز ذواتنا لنصير ، بعون الحلم ، ذواتا أخرى ، تبيح لنفسها عيش حلمها ولو للحظات قصار ، بلا وجل ولا خجل . فالحلم يطلق انسانيتنا ، يُكْسِبُها حريةً حقيقيَّة ، يفلتها من اسْرٍ ، صنعناه بأيدينا ورضينا به ، أو أوهمنا أنفسنا أننا رضينا به . ما أريد أن أذكره أنّ مادة القصيدة الخام التقطتها ، كفكرة ، من تلك القصيدة الألمانيّة . جعلتها ، لحظة شحني عاطفيّا وانسياقي وراء هذه الشحنة المكهربة ، جعلتها فكرتي وأعطيتها بعدي الشخصي وعشتها حلما محلّقا (حلمي الشعري). لقد عاشت هذه الفكرة في ذهني طويلا ، لكن استحضرتها سريعا ، استعدتها من ذاكرتي ، استعدت أجواءها لحظة عشت حالة حلم مماثل ، بعد لمسة يد تلك المرأة الجميلة ونسجتُ أجوائي المضمّخة ” بأنفاس كرم التفاح ” والتي ضمّنتها قصيدتي . فالقصيدة هي بنت لحظتها ، وليدة تلك اللحظة المشحونة عاطفيا . هذا صحيح ، لكنّ مخزون الشاعر الثقافي والفكري وقدرته على ” اصطياد ” الفكرة وربطها بواقعه ، والتقاط الصورة ومعايشة الحلم الموحي ، التفاعل معه ، هوما يسهّل عمليّة ولادة القصيدة السريعة . لكن بعد ولادتها ، كتابتها ، تبدأ عملية التجميل الذهنية واختيار الكلمات الملائمة والموشّاة ودندنة الموسيقى لغرض ضبط ايقاعها المتناسق . وهذه عملية قد تطول وقد تقصر ، لكنها تتطلب مجهودا متباينا ومختلفا من قصيدة لأخرى .
ما إن انتهيت من كتابة القصيدة ، حتى اعترتني الدهشة ، فسألت نفسي:
أية قوة سحريّة تمتلكها المرأة ، ذاتي الانسانية الأخرى ، ” نصفي المضاء ” ، بمجرّد ملامستها الدافئة ليدي بيدها النديّة والرهيفة ، كأجنحة الفراشات ، التي تعمر بها حاكورتي المتخيّلة والمشتعلة بحفنة من نجوم .

*ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق