قراءات ودراسات

تاريخ الجزائر الثقافي موسوعة ثقافية شاملة

بقلم: عبد الله لالي

هذا الكتاب من أروع ما أنتج المؤرّخ الجزائري الكبير أبو القاسم سعد الله، ويعدّ موسوعة ثقافيّة كبرى يعجز عن كتابة مثلها العُصبة أولو القوّة من الرّجال، لكنّ فردا واحدا قيّظه الله لسدّ هذه الثغرة الواسعة في تاريخ الجزائر، بعد أن قضى سنوات طويلة يجمع مادّته وهو يضع خطّته ويجمع مصادره ومراجعه، إلى أن يسّر الله ظهوره إلى النّور بعد جُهد جَهيد.
الكتاب ( الموسوعة ) طبع في عشرة مجلّدات كبيرة، عن ( دار الغرب الإسلامي – بيروت ) في طبعته الأولى عام 1998 م، وهو من أهمّ المراجع العلمية الحديثة الأولى في تاريخ الجزائر الثقافي، وكان صدوره فتحا مبينا بالنّسبة للبحث العلمي والتاريخ الجزائري معا، وتميّز بأمرين هامين وهما الدّقة والشمول.
والطريف الذي ينبغي ذكره في بداية هذه القراءة تلك اللفتة الرّائعة التي دوّنها المؤلّف في بداية الكتاب تحت عنوان ( شكر واعتراف )، فبعد أن شكر عددا كبيرا من الأشخاص الذين ساعدوه وسهلوا له سبل البحث، فقد انثنى على زوجته ليقدّم لها شكرا خاصا ومميزا يقول فيه:
” غير أنّه لا يمكنني أن انتهي من هذه الكلمات دون التنويه بدور زوجتي في الكتاب، فهي التي حرمت نفسها متع الحياة حتّى أتفرّغ له. وهي التي كانت تدفعني وتشجعني كلّما اعتراني سأم أو مرض. وهي التي أملت عليّ معظم فصول الجزء الأوّل من مسودّته أثناء التصحيح، كما أنّها طالما دلّتني أثناء البحث على مراجع ومسائل لم أكن قد اهتديت إليها “.
هذا التنويه الجميل بعمل زوجته معه في الكتاب له دلالتان، الأولى الوفاء لزوجته التي ضحّت من أجل نجاحه وتفوّقه واعترافه لها بالجميل عليه. والثاني ذلك المشهد الرّائع في عالم الكتابة والإبداع الذي نجد فيه المرأة تقف إلى جانب زوجها تساعده وتدعمه، وقد عُرف عن المرأة في الغالب تبرّمها من زوجها إذا انقطع إلى عمل إبداعي أو فكري يأخذ جلّ وقته وجهده، وطالما عانى الأدباء والكتاب من سخط زوجاتهم وتذمرهن من هذا التفرغ والانقطاع.. !
وساق المؤلّف في مقدّمة طبعته الأولى شهادة عن الشيخ الإبراهيمي الرّئيس الثاني لجمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين، وأديبها المجلّي، وثاني اثنين من رجالاتها العظام، هذه الشهادة مقال يطابق الحال بعد أكثر من عشرين سنة، وقال الشيخ في تلك الشهادة:
” شغوف إلى حدّ الافتتان، بالبحث عن الآثار الأدبيّة والعلميّة لعلماء الجزائر في جميع العصور ”
هذه شهادة من عدل تُوزن شهادته بماء الذّهب، ولقد صار ذلك الشغف عملا في الميدان تجسّد في هذه الموسوعة الثقافّية العظيمة، أغنت المكتبة الجزائريّة والعربيّة بكتاب يعدّ معلما في تاريخ التأليف الثقافي في الجزائر.
استغرق تأليف هذا الكتاب الضّخم حوالي ربع قرن من الزمن ليخرج للنّاس في هذه الحلّة الجميلة وهذا المحتوى الغنيّ، ويذكرنا حجم الكتاب بالعلماء الموسوعيين الأوائل أمثال ابن تيمية وابن القيم والسيوطي وابن خلدون وغيرهم من أصحب القلم الدّفاق الذين يكتبون بغزارة ورغم ذلك يأتون بالعجب العجاب.

وقسّم المؤرّخ الأديب أبو القاسم سعد الله كتابه إلى مراحل تاريخيّة بدءا من العهد العثماني (1500 م)، وهو تقريبا تاريخ بداية الحكم العثماني في الجزائر إلى أن انتهى إلى مرحلة الاستعمار الفرنسي حتى وصل في المجلّد العاشر إلى الثورة التحريريّة المباركة (1954 / 1962م). وبسط الكاتب خطّته في تأليف هذا الكتاب فقال:
” بنينا خطّة الكتاب ليكون بأجزائه المختلفة موسوعة ثقافية جزائريّة، وبناء على ذلك فإنّك ستلاحظ أنّه غطى الآداب والفنون والعلوم والتعليم والدّين والتصوف.. “
عندما أصدر المؤلّف الجزء الأوّل والثاني عام 1981 م أتبعهما بطبعة ثانية عام 1985 م، وشرع بعد ذلك يعدّ لبقيّة الأجزاء التي كان يتوقّع أن لا تتجاوز الأربعة في أبعد تقدير وتتحدّث عن مرحلة الاحتلال الفرنسي إلى الاستقلال، ولكنها بلغت في نهاية المطاف بفضل الله ومنه عشرة أجزاء كاملة، ولكنّه لمّا جمع مادتها وكان مسافرا عام 1988 م وقعت له الحادثة الشهيرة التي سمّيت بحادثة سرقة المحفظة، وفيها كلّ المسودّات وبطاقات البحث التي تعب في إعدادها سنوات. هذا الأمر جعله يتوقّف عن العمل في الكتاب ويصرف عنه النّظر، ولكن يشاء القدر غير ذلك.
حيث استأنف العمل فيه والبحث من جديد في سنوات التسعينيات، إلى أن أنهى آخر جزء عام 2006 م وخصصه للثورة التحريريّة المباركة وقال عن ذلك:
” إلى الآن ما زلت عند رأيي في الكتابة عن الثورة، فما زلت أرى أنّ الوقت لم يحن بعد للكتابة عن تاريخها المفصّل، ولاسيما تاريخها السّياسي والعسكري والدّبلوماسي، أمّا تاريخها الثقافي فهو في نظري متاح، ومع ذلك فليس من السّهل الخوض فيه، إنّه يبدو للبعض أنّه لا يعرّض الكاتب للتبعات والأحكام المسبقة ولما قد يعتبره البعض محرّما أو مضرّا بالآخرين. ولكنّي أرى أنّ التاريخ الثقافي أيضا محفوف بكل الأخطار.. ”
وفي الكتاب جانبان هامان، أوّلهما التأريخ الثقافي أي كلّ ما يمكن تسميته نشاطا ثقافيّا في الجزائر من العهد العثماني إلى الاستقلال، وثانيهما التحليل والنّقد لكل الظواهر الثقافيّة التي يحصيها ويسجّلها أو تلفت انتباهه ، وهذا هو الأهمّ بالنّسبة لي، لأنّ حشد المعلومات وسردها قد يدركه المرء بشيء من البحث والتنقيب والصّبر، لكن أن يضع الكاتب الواعي المعلومة في إطارها الثقافي والحضاري المناسب لذلك فهو الأصعب.
وفي ذلك يقول المؤلّف نفسه:
” ولم تكن مهمّة البحث في المظان تهدف إلى جمع المادة وحشرها في الكتاب بدون رأي أو تمحيص أو ترتيب فالكتاب، كما قلت يدرس الظواهر ويحلّلها ويعلّلها، كما يدرس الإنتاج ويصنّفه ويقيّمه ويناقش المؤلفين آراءهم ومواقفهم ويصحح بعض الأخطاء “
وربّما من الأهم التحليلات الثقافيّة الفكريّة التي استنبطها شيخ المؤرخين الجزائريين، أنّ المدّ الثقافي في الجزائر عرف تصاعدا مستمرا ( وإن كان بطيئا إلى حدّ ما ) ، طيلة القرون التي عاشها تحت الحكم العثماني، ثمّ عرفت الجزائر نهضتها الكبرى خلال الحركة الإصلاحيّة السياسية، زمن الكفاح السياسي.
الجزء الأوّل:
جعل المؤلّف هذا الجزء كلّه للعهد العثماني من 1500 إلى غاية 1830 في حوالي 530 ص، من القطع الكبير وهو حجم يناسب تلك المرحلة الطويلة ( ثلاثة قرون )، وكان رأيه سيّئا في الجانب السياسي منه، إذ ينقم على الحكام في تلك الفترة استبدادهم وظلمهم للشعب الجزائري، ويقول أنّهم في غالبيتهم ليسوا أتراكا أصليين ، وإنما هم ممن تترك من الجنسيات الأخرى مثل الألبان واليونانيين واليهود وغيرهم، وقال المؤلّف عن هذه الفترة أنّه سادها ركود ثقافي عام مثلها مثل بقيّة العالم الإسلامي، لكن رغم ذلك ظهر فيه كثير من العلماء والمؤلّفين على جانب كبير من الأهميّة، غير أنّ حكّام الجزائر اختلفوا عن بقيّة حكام العالم الإسلامي أنّهم تميزوا بالجهل والأميّة غالبا. ثم يقول:
” ومع ذلك فنحن نجد، إذا حكمنا من عدد العلماء في كلّ فترة ومن عدد التآليف، أنّ الخطّ البياني للثقافة في الجزائر كان يسير في حالة اطراد وصعود. فبعد النزاع السّياسي الكبير الذي عانت منه هذه الثقافة في القرن العاشر ( 16 م )، الذي شهد هجرة العلماء الواسعة وكثرة الحروب، أخذت الحياة تدبّ فيها في القرن الحادي عشر باستقرار الأوضاع السّياسيّة، وازدهار الحياة الاقتصاديّة وتوارد العلماء المسلمين على الجزائر ووفرة الكتب.. “
وطبع هذا العصر بطابع التصوّف الذي شاع في النّاس وكثر الدّجل وادّعاء الولاية حتى انتحل بعض المسؤولين أنفسهم جبّة التصوّف والصوفيّة، وانتشرت كتبه ومؤلفاته ، ومن ذلك يقول أبو القاسم سعد الله:
” فأنت لا تكاد تجد عالما في آخر القرن الثاني عشر ( 18 م ) إلا وهو منتم إلى إحدى الطّرق آخذا الوِرد والسّبحة والمصافحة والخرقة ونحوها من أحد شيوخ الصّوفيّة “
وتحدّث الكاتب بإسهاب عن المؤثرات الثقافيّة في هذه الفترة ( القرن الخامس عشر الميلادي )، وذكر بعض العلماء المشهورين فيها من أمثال: ( النقاوسي / الثعالبي / ابن زكري / التازي عبد الكريم الفكّون.. ) ، وذكر أيضا أهم العلوم التي ازدهرت فيها، مثل التفسير والفقه والمنطق ، وتحدّث أيضا عن المساجد والزوايا والأوقاف والرباطات والمدارس والمعاهد العلميّة العليا وغيرها.
وتعرّض المؤلّف في الجزء الأوّل أيضا إلى ذخيرة التراث الثقافي المكتوبة ( المؤلّفات والمخطوطات ) التي ضاعت بسبب الاحتلال الفرنسي، وقال أنّ معظم هذه المؤلّفات والكتب صار الدّارس يطلبها من العواصم الأوربيّة مثل ( لندن وباريس وبرلين والفاتيكان )، أكثر مما يطلبها من الجزائر، وهذه كارثة كبيرة لا تقلّ سوءا عن الاستدمار الفرنسي الذي أسر البلاد والعباد طيلة قرن وأكثر من ربع قرن.
ولذلك شحّت المصادر المتاحة التي يمكن اللّجوء إليها من أجل الكتابة عن تاريخ الجزائر الثقافي في العهد العثماني، وصار المتداول هو رأي المستشرقين الأوربيين الذين يرون في الحكم العثماني مجرّد استعمار آخر حلّ بالجزائر مثله مثل بقيّة المستعمرين الآخرين مثل الوندال والرومان والبيزنطيين.
ورغم أنّ شيخ المؤرّخين ينتقد الحكم العثماني ويرى أنّه عهد ظلم وطغيان وفساد من الجانب السياسي، حتّى أنّه سمّاه احتلالا ( إسلاميا ) والعجيب أنّه وضع كلمة إسلامي بين قوسين، ربّما لأنّها كلمة صادمة أو لأنّ فيها نظرا أو هو يقولها بتحفظ؛ إلا أنّه يرى له جانبا إيجابيّا من النّاحية الثقافيّة والاجتماعيّة والدّينية، فهو على الأقلّ أخّر سقوط الجزائر بأيدي الاستعمار الأوربي حوالي ثلاثة قرون، كما شجع تعليم اللغة العربيّة والقرآن وبناء المساجد وإقامة الزوايا، وعمل على استقرار الجزائر وتواصلها مع العالم الإسلامي طول هذه الفترة.
وقبل أن يلج المؤلّف إلى مرحلة القرن السّادس عشر الميلادي، رجع قليلا إلى الوراء ليدرس – كما قال – تركة عصر الموحدين التي سبقته ( القرن الخامس عشر ) ودامت ثلاثة قرون أيضا، ووصفها بأنّها تميّزت بأنّها ( من أوفر إنتاج الجزائر الثقافي وأخصب عهودها بأسماء المثقفين ( أو العلماء ) والمؤلّفات “. وضرب دليلا على ذلك عند قيامه بإحصاء عدد العلماء في ذلك القرن يفوق عدد العلماء في القرون التالية له مجتمعة.
ومن جميل ما ذكره عن تلك الفترة أنّ كلمة الجزائر لم تكن تطلق على وطننا المعروف الآن، وإنما كانت تطلق على مدينة صغيرة على ساحل البحر، التي هي العاصمة في هذا العصر، كما أنّ الجزائر لم تكن بالحدود المعروفة اليوم، إنّما وقع مدّ وجزر بين مختلف الدوّل المنفصلة عن الخلافة والتي أقيمت على خريطة المغرب العربي الكبير.
ويقول عن حالة الثقافة في العهد العثماني أنّها لم تكن بالمستوى المؤمول، ولكن رغم ذلك فقد بدأت حركة ثقافيّة نشطة إلى حدّ ما تمثلت في جهود فرديّة لثلّة من العلماء:
“.. فاهتمّ ابن سحنون بأخبار الثورة الفرنسيّة، وكتب أبو راس عن أثر الحملة الفرنسيّة على مصر والشّام، وعن الحركة الوهّابيّة، وكتب ابن العنّابي عن الإصلاح الاجتماعي والحربي للجيوش الإسلاميّة ودعا إلى الأخذ بنظم الغربيين فيما لا يخالف قواعد الإسلام. “
هذه البدايات المتوقّدة لو قابلها تشجيع من قبل الحكّام، ودعم من الدولة كما كان في زمن الدّولة الأمويّة والعبّاسيّة لشهدت الجزائر نهضة ثقافيّة كبرى، لكنّ الحكّام كانوا في واد ورجال العلم والثقافة كانوا في واد آخر. وتحدّث المؤلّف عن العلاقة بين العلماء والحكّام والأدب والتّصوف الذي ساد في المجتمع بشكل كبير في تلك الفترة، وكانت سمة الحركة الثقافيّة أنّها ذات طابع صوفي عام ومتجذّر في عمق المجتمع.
وتحدّث في الفصل الثالث عن المؤسسات الثقافية:
وقال أنّ معظم المؤسسات الثقافية كانت محصورة في المساجد والزوايا والمكتبات، ورغم أنّ هذه المؤسسات كانت تقدّم تعليما نوعيّا وعلى مستوى عال، إلا أنّها اقتصرت على التعليم ولم تتجاوزه إلى الثقافة، ولم تعرف تلك الفترة المسرح بمفهومه العصري، لكن كان يوجد بها ( عرائس القراقوز )، كما لم يكن هناك وجود للمطبعة أو الصّحافة.
وفي الجزء الثاني خصص جانبا هاما لأهم العلوم التي عرفت في العهد العثماني ومنها التفسير والقراءات والحديث وغيرها والتي تميزت في معظمها بطابع التقليد المحض وغياب الاجتهاد ، ومن الأعلام الذين ذكرهم في هذه الفترة الثعالبي العالم المشهور الذي عاش نصف حياته الأول بالجزائر ونصفه الثاني في المشرق حيث توفي هناك بمكّة المكرمة.
كما ذكر أيضا عالما اسمه أحمد البوني، وقال عنه أنّه عالم بالحديث لكنّه لم يبلغ مستوى الثعالبي في الحديث، وكان تلميذا لجدّه محمّد ساسي، الذي أحدث نوعا من البلبلة في عصره بسبب سلوك بعض الطرق الملتوية في جلب المال، ومبالغته في التصوّف، وكان أحمد البوني يميل إلى التصوّف بشكل كبير وقد ترك تآليف كثيرة بلغت المائة ( 100 ) كما ذكر عن نفسه.
وفي مجال الفقه يقول أبو القاسم سعد الله:
” أنجبت تلمسان في عهودها الزاهرة أعظم الفقهاء الذين عرفتهم الجزائر تدريسا وتأليفا، وفي بداية العهد العثماني وطيلة القرن العاشر جلبت فاس إليها معظم الباقين في تلمسان ونواحيها. ومن أبرز العائلات العلميّة التلمسانيّة التي اهتمت بالفقه عائلة الونشريسي والمغيلي والمقّري والعقباني ”
وتحدّث أيضا المؤلّف عن انتشار علم الكلام والمنطق إلى جانب التصوّف، وخصص فصلا كاملا عن ذلك في هذا الجزء، وممّا ذكره فيه:
” شاع لدى الجزائريين استعمال تعبير علم الكلام وعلم التوحيد على حدّ سواء. وكانوا يعتبرون هذا العلم من أهمّ العلوم بل هو أهمّها. فقد عرفه مصطفى الرماصي في القرن الثاني عشر بما يلي:
” علم الكلام أوثق العلوم دليلا وأوضحها سبيلا، وأشرفها فوائد، وأنجحها مقاصد، إذ به تعرف ذات الحقّ وصفاته، ويصرف عنه ما لا يليق به ولا تقبله ذاته ”
وبطبيعة الحال علم الكلام شاع في عهد المأمون عندما سيطر المعتزلة على الدّولة، وتأثر بهم الخليفة العباسي، وصار يشجعهم ولا ينزع إلا عن رأيهم، وعلم الكلام في جوهره مستمد من الفلسفة اليونانيّة ومتأثر بأساليبها في البرهنة والاستدلال، وهو منهج عقليّ قويّ لكنّه ليس بديلا عن الأسلوب القرآني الواضح والساطع في إثبات العقيدة والبرهنة عليها.
وذكر أيضا الورثلاني وقدّم له بترجمة مختصرة وأحال على التفاصيل الأخرى من حياته إلى ( الرحلات الحجازيّة الجزائريّة )، قال أنّ أعظم أثر تركه الورثلاني هو ( رحلته )، المعروفة باسم ( نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والآثار ) ، ووصف المؤلّف رحلة الورثلاني بشيء من التفصيل والإسهاب، منوّها بقيمتها وأهميتها في الحديث عن عصر الورثلاني.
وخصص المؤلّف الجزء الرّابع بكامله للطّرق الصّوفيّة ، وذكرها بأسمائها التي اشتهرت بها ومؤسسيها وفروعها في كامل القطر الجزائري، وما تميزت به من خصائص وأعمال، وكانت تلك الطّرق هي أهمّ الحركات النشطة في ذلك العصر، تشبه الأحزاب القوميّة والوطنيّة في عصر التحرر ومحاربة الاستعمار، وأيضا الحركات الإسلاميّة في عصرنا هذا.
ومن أهمّ تلك الطرق ذكر ( القادريّة / الشاذليّة / اليوسفيّة / العيساوية / الحنصالية / الكرزازية.. الخ).
وأوقف الجزء الخامس على المعالم الإسلاميّة والأوقاف، وتحدّث المؤلّف هنا بإسهاب عن المساجد الكبيرة التي هدمها المحتلّ الفرنسي رغم أنّها كانت تعتبر بمفهوم الثقافة العالمية الحديثة ( معالم تراثية إنسانية ) يرجع تاريخها إلى عدّة قرون، ورغم ذلك هدمت بكلّ بساطة وقتل كلّ من كان معتصما بها من المصلّين، وحوّل بعضها الآخر إلى إسطبلات أو مخازن للحبوب.
ويقول أنّ أوّل مسجد تمّ هدمه في بداية الاحتلال مباشرة هو مسجد ( السيّدة ) بالعاصمة والذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1564 م أي أنّ تاريخه يمتدّ إلى ما يقارب الثلاثة قرون، ولكنّ ذلك لم يشفع له وتمّ هدمه بكلّ برودة دم.
وتحدّث كذلك عن جامع كتشاوة الشهير والذي حوّل إلى كنيسة، بعد أن اعتصم به حوالي أربعة آلاف من المصلين فتمّ قتلهم جميعا وتركوا في الساحة الكبيرة التي أمام المسجد وتسمّى ( ساحة الشهداء ) ومكان المسجد معروف الآن، إذ تمّ استرجاعه بعد الاستقلال، وصلّيت فيها أوّل صلاة جمعة في شهر نوفمبر من عام 1962 م بإمامة الشيخ البشير الإبراهيمي ثاني اثنين من أعلام الجزائر اللذين لا يقدّم عليهما أحد.
الجزء السادس:
في الجزء السّادس من هذه الموسوعة الشاملة بدأ أبو القاسم سعد الله الحديث عن حركة الاستشراق والمستشرقين في الجزائر، وبداية ظهورها ومساندتها للمحتلّ الفرنسي، وتتويج ذلك بظهور مدرسة الآداب العليا عام 1879 م، والفترة التي سيتحدّث عنها في هذا الجزء هي من أشدّ فترات الطّمس الفكري والثقافي في الجزائر في بداية حقبة الاستعمار الفرنسي، إذ أنّها ارتبطت بتوغّل الاحتلال الفرنسي في كامل التراب الوطني، وسعيه إلى مسخ الهويّة الوطنيّة بمقوّماتها الثلاث الإسلام والعربية والوطن الجزائري المشترك.
وقد حصر شيخ المؤرّخين هذه الفترة بين 1830 وهو تاريخ دخول المحتلّ الفرنسي إلى الجزائر إلى غاية 1854 م، وأبرز بشكل جلي دور المستشرقين في التمكين للمحتلّ الأوربي بصفة عامة في الدول العربية، والمحتلّ الفرنسي في الجزائر بالخصوص، ومن المستشرقين الذين ذكرهم، المستشرق الفرنسي ( أبو الاستشراق كما يقول عنه )، دي ساسي، الذي كان هو من أشرف على كتابة أوّل بيان للجيش الفرنسي في الجزائر باللّغة العربية عند دخول جيوشه إلى العاصمة.
ومن أهمّ ما عمل عليه الاستشراق في الجزائر هو جعل اللّهجات العامية وسيلة اتصال بينهم وبين السّكان، بهدف القضاء على أهمّ عامل من عوامل وحدة الشعب الجزائري، وتمسّكه بدينه وعقيدته الأصيلة الثابتة، وأيضا قاموا بإصدار جريدة ( المونيتور ) عام 1932 م، وهي مختصّة في نشر أخبار الحكومة الفرنسيّة، وأيضا إنشاء مكتبة عموميّة جمعت فيها المخطوطات العربيّة التي استولى عليها جنود المحتلّ الفرنسي أثناء دخولهم إلى الجزائر، وذلك عام 1935 م.كما أسسوا مطبعة حكوميّة عربيّة فرنسيّة.
وكان من أبرز المستشرقين في تلك الفترة جوني فرعون، الذي رافق الحملة العسكريّة الفرنسيّة، وعمره لا يتجاوز الثامنة والعشرين سنة، وقام بتأليف أوّل كتاب في النحو العربي باللهجة العامية، عام 1832 م، وكان الهدف الأساسي من ذلك هو تعليم العربيّة للأوربيين في الجزائر، بهدف تمكينهم من التواصل مع السكان الجزائريين والتأثير فيهم والسيطرة عليهم بشتى الوسائل.
ويلخّص المؤرّخ أبي القاسم سعد الله أعمال المستشرقين في الجزائر فيقول: ص 41 من الجزء السّادس:
” قام المستشرقون بأعمال كثيرة في الجزائر حلال المرحلتين المذكورتين 1830 – 1880 و 1880 – 1930. ومن الصّعب الحديث عن كلّ أعمالهم هنا، بل إنّ غرض هذا الفصل ليس الحديث عن كلّ أعمالهم ولكن تصنيفها وذكر نماذج منها فقط، ومن البديهي أن يهتمّ المستشرقون الفرنسيّون بالشعب المستعمر دينا ولغة وعادات وآثارا وتاريخا. وكما أنّه من البديهي أن يتطوّر هذا الاهتمام حسب حاجة الإدارة الاستعماريّة وحاجة الدّولة الفرنسيّة نفسها في العالم. فالمستشرقون كانوا “جنودا في الميدان ” ولكن بلباس مدني، بل إنّ بعضهم بدأ حياته في الترجمة في المجالات العسكريّة “
الجزء السابع:
الجزء السابع من هذا السّفر العظيم خصّصه الدّكتور أبو القاسم سعد الله حصرا للعلوم الدّينية ، وهو يغطي الفترة السابقة نفسها، أي من 1830 إلى غاية 1854 م. وشملت العلوم الدينية، التفسير والحديث والفقه، وأوّل ملاحظة على هذه العلوم في الفترة المذكورة أنّ التأليف فيها كان قليلا جدّا. ويرجع السبب في ذلك إلى ظروف الاحتلال التي شغلت النّاس عن التفرّغ للعلم، كما أنّ المحتلّ نفسه عمل بكلّ سبيل على محاربة هذه العلوم والتضييق عليها.
ولأنّ العلم قلّ وانصرف النّاس عن الدّراسات المتخصصة، التفتت طائفة إلى التصوّف والتباهي بالحصول على الإجازات العلميّة من العلماء في القرآن والحديث، وهي غالبا إجازات بالمراسلة لا بالمشافهة، فكانت في أغلبها شكليّة للتفاخر والمباهاة أكثر منها تعبيرا عن التحصيل الجادّ والتخصص المتقن.
واشتهر بعض العلماء بالعناية بالتفسير الشفوي للقرآن الكريم في خطبهم ودروسهم، وكان منهم الأمير عبد القادر، الذي يقول عنه المؤلّف:
” .. لم يترك لنا تفسيرا مكتوبا، ولكنّه كان يلقي دروس التفسير أثناء راحته وأمام جنوده، وكان يختار آيات الجهاد والصّبر ووصف المعارك وحياة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، ويستخلص منها العبر والمواعظ، وكان بيانه وحماسه يساعدانه على بلوغ قلوب المستمعين، وقد استمرّ على ذلك في سجن امبواز بفرنسا ، ثمّ في بلاد الشام ولكنّنا لا نعرف أنّه ترك تفسيرا مكتوبا .. “.
وذكر أيضا الشيخ أحمد العباسي، الذي عرف بتفسير القرآن الكريم في زمن الحاج أحمد باي، وأيضا ابن العنّابي صاحب كتاب ( السّعي المحمود )، قبل نفيه من الجزائر عام 1830 م، كما يقول المؤلّف، واستمر في تفسيره بمصر. ولم يتغيّر هذا الوضع إلى غاية 1920 بعد رجوع العلماء الكبار من المشرق أمثال الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي والطيب العقبي وغيرهم من أعلام العلماء.
ويقول المؤلّف عن هذا الجهد الشفوي في التفسير:
” حقيقة أنّ هذا الجيل من المفسّرين الشفويين قد أدّى دوره وبلّغ رسالته عن طريق الكلمة النّاطقة، وكوّن شبابا وبعث شعبا كاملا بوسائله البيانيّة غير القلم، ولكن تجربته ستظلّ محدودة في الزمن، لأنّها توقفت بتوقّف اللّسان عن البيان ”
وعندما تحدّث عن الإجازات العلميّة لفت انتباهي الإجازة العلميّة التي حظي بها الشيخ عاشور الخنقي من شيخه مصطفى بن عزوز البرجي، بعد أن درس عليه مدّة عشرة سنوات، أمره حينها أن يتوقف عن التعلّم ويبدأ في التعليم، أي ينتقل من مرحلة التلمذة إلى مرحلة الأستاذيّة، وقدّم له نصيحة ثمينة، كان يقدّمها لمختلف تلاميذه، وخلاصتها أن لا يقبل الوظيفة أبدا، وأن يكون حرّا في مهمّته الرسالية النبيلة، وقال المؤلّف:
” وهي تذكّرنا بوصيّة الشيخ حمدان لونيسي لتلميذه عبد الحميد بن باديس..” الجزء السّابع ص 57.
ولعلّ السّر في ذلك والمبدأ العام عند غالبية العلماء المخلصين؛ أن لا يكون العالم خاضعا لسلطة من يجري عليه راتب الوظيفة، ويضغط عليه في مواقفه وقراراته، والعمل الحرّ يجعل صاحبه يصدح بالحق دون اعتبار لأي سلطة أو منصب أو جاه، ولا يخشى في الله لومة لائم.
كما تحدّث أيضا عن إجازة بعض علماء الجزائر للمشارقة، وذكر عددا منهم بأسمائهم، لكنّه نقد الإفراط في تقديم هذه الإجازات أحيانا، بغير شروطها الصحيحة، حيث أنّ أحد العلماء مثلا واسمه الرضوي كان يعطي الإجازات لبعض الطلبة من المشرق، ثمّ وكّل أحد تلاميذه أن ينوب عنه في إعطاء هذه الإجازات لمن يطلبها، فقام هذا التلميذ بختم أوراق بيضاء وجعلها جاهزة لقدّمها لكلّ من يطلب الإجازة، وفي ذلك ابتذال لها، وهدر لقيمتها.. !
وما يلفت أيضا في هذا الفصل هو حديثه عن إجازة الطاهر بن عاشور، علامة تونس، وعالمها الفذّ للشاعر محمّد العيد آل خليفة في بعض كتب الحديث والأدب والشريعة الإسلامية، وهذا الأمر يجعلنا ننتبه إلى أنّ محمّد العيد لم يكن شاعرا كبيرا وحسب، بل كان عالما مجازا من أحد أكبر علماء المغرب العربي، الطاهر بن عاشور، ولكن غلبت عليه صفة الشاعر.
وفي مجال الفتوى والفتاوى عرض المؤلّف إلى النوازل التي وقعت للأمير عبد القادر واستفتى فيها بعض علماء الجزائر وعلماء من المشرق العربي، ومن أهمّ موضوعاتها:
– المعونة الحربيّة ( الضريبة ) ومدى جوازها.
– الهجرة من الجزائر بعد تغلّب الفرنسيين على أهلها.
– المسلمين الجزائريين الذين تعاملوا مع الفرنسيين.
ومن أهمّ تلك القضايا هي الفتاوى التي سعا إلى نشرها الفرنسيون، من أجل الدّفع بالجزائريين إلى هجر وطنهم الجزائر وإخلائه للفرنسيين، وساعدهم في هذا الأمر الجاسوس الشهير ( ليون روش )، الذي ادّعى الإسلام، وحمل نصّ فتوى من الجزائر إلى علماء القيروان والأزهر ومكة عام 1842 م.
ومن الموضوعات التي جاءت في هذا الجزء وتعدّ من الروائع؛ الكتاب الذي ألفه الأمير عبد القادر الجزائري، وهو في منفاه بفرنسا بسجن امبواز وهو بعنوان ( المقراض الحاد ) ، والذي يردّ فيه على من اتهم الإسلام بالغدر وعدم الوفاء، ومما جاء فيه:
” أما بعد ، فإنّي في أيّام إقامتنا في امبواز عند الدّولة الفرنساوية الفخيمة تكلّم أحد رؤساء الدّين المسيحي في الإسلام وقال إنّ الغدر وعدم الوفاء فيه غير قبيح ولا منهي عنه. فسمعه بعض من له محبّة ورغبة في إظهار الحقّ، فجاء إليّ وألحّ في الطلب على أن أضع في هذا الأمر رسالة في إظهار هذا الأمر رسالة تتضمّن بيان ما في شرع الإسلام مما يكذب قوله وينبذ سخفه.. ”
ومن جملة ما سلف ذكره نجد أنّ الوضع الثقافي في الجزائر رغم كلّ تضييق وحصار من قبل المحتلّ الغاشم؛ فإنّ الجزائريين كانوا يحافظون على مستوى أدنى من العطاء والإبداع الفكري والعلمي في مختلف مراحل صراعهم مع هذا المحتلّ ونزالهم معه.
الجزء العاشر :
خصص المؤلّف هذا الجزء للّغة والنثر الأدبي في الجزائر في الفترة المحصورة بين 1830 و1954 م، وهي الفترة التي شهدت المقاومة الشعبيّة فيها ذروتها بالجزائر، وتلاها النضال السّياسي وسبقت مرحلة الثورة التحريريّة المباركة، وقد انطلق المؤلّف من الفترة التي قبلها بقليل وقال عنها أنّها فترة ركود ثقافي وأدبي، رغم انتشار التعليم وكثرة الزوايا والمدارس الصوفيّة، إلا أنّه كان تعليما تقليديّا جامدا، ليس فيه روح التجديد والإبداع، وما زاد الطين بلّة، هو دخول المحتلّ الفرنسي الذي سعى إلى طمس اللّغة العربيّة ومحاربة التعليم ونشر الأميّة والجهل بين الجزائريين، ولولا ومضات خافتة في دولة الأمير عبد القادر، وأخرى أكثر منها خفوتا في دولة أحمد باي؛ لما صحّ أن يذكر شيء في هذه الفترة ( بداية الاحتلال ) اسمه أدب أو لغة أو نثر فنّي.
ورغم ذلك بدأ في هذه الفترة المخاض الأوّل ( المحتشم ) لبداية الترجمة في الجزائر، والتي تجلّت في ترجمة الرّسائل بين الأمير عبد القادر والفرنسيين وكذلك بين أحمد باي وبينهم، كما ظهرت تلك الترجمة في ظاهرة أخرى شاعت في العهد الأوّل للاحتلال، يقول عنها المؤلّف:
“.. ومن ثمّة أخذ ينشأ في الجزائر نوع آخر من الأدب العربي – الفرنسي أو ” الفرنكو – أراب “. وقد ظهر ذلك في رسائل رجال الدّين إلى الإدارة الفرنسيّة. وفي مقالات أحمد البدوي وأحمد الفكون وعلي بن عمر وأضرابهم الذين تعاملوا مع جريدة ( المبشر ). وسيتوسّع هذا الفنّ ليشمل العرائض أيضا.. ”
طبعا هو نوع من الأسلوب الأدبي البسيط والمتسم بالقيمة الفنيّة الضّعيفة، ولكنّه جذوة البداية على كلّ حال استمرّت طيلة فترة المحتلّ الفرنسي، وربّما كانت هي البذرة الأولى للأدب الجزائري المكتوب باللّغة الفرنسيّة، والذي برّز فيه بعد ذلك من الكتاب الكبار أمثال مالك حدّاد ومولود فرعون ومالك بن نبي وآسيا جبّار وغيرهم من أصحاب ( الأدب الفرنكوفوني ).
واهتمّ المستشرقون بدراسة اللغة العربية ولهجاتها في الجزائر والدول العربية، وكان اهتمامهم بدراسة اللهجات الجزائرية بغرض استعماري بحت، بهدف دعمها وتشجيعها على حساب اللغة العربيّة الأمّ، كما اهتموا أيضا بدراسة الشعر الملحون ( العامي ) في ذات السياق وللغرض نفسه. ولعلّ في ذلك فائدة لم تكن مقصودة من قبل من قاموا بها من المستشرقين، وهي تدوين كثير من الشعر الشعبي في الجزائر، ونقله للأجيال اللاحقة.
كما اهتمّوا بدراسة اللّهجات البربريّة والكتابة حولها، وبذل الأموال الطائلة في دراستها وإصدار المطبوعات حولها يقول أبو القاسم سعد الله في ذلك:
” ..بل الحكومة نفسها تدفع تكاليف الطّبع وتخصص الجوائز لطبع الدّراسات الخاصّة باللّهجات البربريّة في الجزائر والمغرب.. ”
والميزة الكبيرة التي طبعت هذه الفترة هو إجماع الحركة النضالية السّياسيّة والإصلاحيّة الجزائريّة، على اعتبار اللّغة العربية مرتكزا أساسيا ومقوما حيويا لوحدة الشعب الجزائري، وهذا الذي جعلها فيما بعد تحظى بالصّدارة في بيان أوّل نوفمبر، وبدأت اللّغة العربية وآدابها تعرف نهضة وازدهارا منذ عودة العلماء المهاجرين إلى الجزائر ( الشيخ ابن باديس والإبراهيمي والطيب العقبي )، بداية من عام 1913 م إلى غاية 1920. ثم كانت النهضة الإعلاميّة الكبرى بظهور الصّحف العربية التي نقلت الجزائريين نقلة نوعيّة شاملة إلى عصر الانبعاث من جديد.
وظهرت في هذه الفترة كثير من المؤلّفات في اللّغة والنحو، هدف منها أصحابها إلى إحياء اللغة العربيّة وبعثها من جديد بعد أن عمل المحتلّ الفرنسي على محاربتها وطمسها، ومن تلك المؤلفات نذكر النماذج التالية:
– أرجوزة الشيخ أطفيش في نظم كتاب المغني لابن هشام في النحو، وهي في حوالي 500 بيتا.
– ألّف أحمد الطيب كتاب ( مفيد الطلبة )، وهو شرح على الآجرومية في النحو.
– شرح لامية الأفعال في التّصريف لابن مالك، من تأليف عبد القادر المسعدي.
– ألّف الشيخ البشير الإبراهيمي ( بقايا فصيح العربية في اللّهجة العامية الجزائريّة ).
وغيرها من المؤلّفات الأخرى التي كانت سببا في إنقاذ اللّغة العربيّة من الإهمال والتهميش والمحاصرة والمصادرة.
الجزء التاسع خصّصه المؤّلف للفهارس العامة التي تحتوي أسماء الأعلام والأماكن والمصطلحات.. وكأنّي به كان يريد أن يجعل منه خاتمة الكتاب ( الموسوعة )، لكن عنّ له فيما بعد مشروع الجزء العاشر الذي خصّصه لفترة الثورة التحريريّة المباركة، وكان قد طبع الجزء التاسع فصعب التدارك، وإلا فإنّ الأولى به أن يكون بدل الجزء العاشر.
الجزء العاشر:
وكان خاتمة الموسوعة، وهو خير ختام، مرحلة الثورة التحريريّة المباركة، وإن وددنا لو أنّ الله مدّ في أجل المؤلّف وفي جهده ليضيف إليها مراحل فترة الاستقلال، ولكن ليس كلّ ما يتمنّاه المرء يدركه، ويقول المؤلّف أبو القاسم سعد الله عن هذه المرحلة في مقدّمة هذا المجلّد:
” وبذلك تكتمل السّلسلة بنهاية المرحلة الاستعمارية سنة 1962م. ذلك أنّ عهد الثورة يمثل مرحلة انتقالية أو مخضرمة لابدّ من اجتيازها ليبدأ مؤرّخو الثقافة عندنا بداية جديدة وهي مرحلة الاستقلال. وقد كانت تغطية مرحلة الثورة من أهداف المجلّدات السابقة ولكن مادتها الوثائقيّة لم تكن متوفّرة عندئذ “.
وفي هذا المجلّد أطلق رأيه المشهور: ( إلى الآن ما زلت عند رأيي في الكتابة عن تاريخ الثورة، فما زلت أرى أنّ الوقت لم يحن للكتابة عن تاريخها المفصّل، ولاسيما تاريخها السياسي والعسكري والديبلوماسي.. ).
شيخ مؤرخي الجزائر والمجاهد الأصيل في الثورة، ذو التجربة العريقة في كتابة التاريخ يقول هذا الكلام عن دراية وبيّنة، ولذلك يجب الوقوف عنده مطوّلا وتفكيك شيفراته، لفهم رسالته العلميّة الموضوعيّة الدقيقة.. !
وقبل أن يتحدّث عن الوضع الثقافي في هذه الفترة تحدّث عن الوضع السياسي والاقتصادي العام للجزائر قبل الثورة، وتأثير كلّ ذلك في الزخم الثقافي المتأثر به أو الناتج عنه أو المتفاعل معه، وكان أبرز الفاعل في مجال رفد السّاحة الثقافيّة إنتاجا وعطاء هي جمعيّة العلماء المسلمين التي توسّعت مدارسها بشكل كبير، وأحدثت نقلة نوعيّة في الناحيّة التربوية بفتحها للكثير من المدارس، وتخريجها لمئات من الطلبة، وابتعاث بعضهم إلى الزيتونة.
وذكر الكشافة الإسلامية الجزائرية وبقية الأحزاب في المساهمة في إحداث نشاط ثقافي زاخر، ثم انتقل إلى تفاعل كلّ هذه الأطراف مع الثورة بنسب متفاوتة، وأعطى لدور جمعيّة العلماء في الحفاظ على اللغة العربية والدّفاع عنها، وذكر عدّة قضايا اهتمت بها تمس ذلك بسبب قريب منها، اللغة العربية وأبعاد الهوية الوطنية. وتحدّث عن المسرح والفنون كما ذكر الإعلام والجرائد ، ومسألة الفصحى والعامية، والشعر والقصّة والرواية وغيرها من فنون الأدب، وعلاقة كلّ ذلك بالثورة.
من الصّعب أن تتحدّث عن عشرة مجلّدات في أربع حلقات، بحث مفصّل وحديث طويل عريض لا يمكن أن يختزل في بضع صفحات، لكن نقرّب الأفكار ونبسط المنهج لتعمّ الفائدة والنفع، وأقلّ شيء نعطي للقارئ لمحة عامة عن هذه الموسوعة الثقافيّة الحافلة التاريخيّة، والتي لم يسبق لها مثيل في تاريخ التأليف في الجزائر.

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق