ثقافة المقال

كورونا.. هل ستتعلّم الإنسانية الدّرس؟

طه بونيني

حياتنا كما كنّا نعرفها لن تعود كما نعرفها. مجتمع الأفراد والدول، التحالفات، المنظمات الحكومية وغير الحكومية، القوانين الدولية وعلم السياسة لن تعود كما كانت قبل هذه الجائحة العالمية.
تحديثات جديدة على العلوم
العلوم كالطبّ، البيولوجيا، علم البيئة (Ecology)، الاقتصاد، علم الاجتماع، وحتما التاريخ! كلّ هذا سيتبدّل، وستطاله يدُ التغيير حتماً، فهذا الفيروس المستجَدّ أنتجَ وضعا مستجدّاً، وسيفرز بدوره عالَما جديداً، بكل ما يحمل هذا من معنى. فالمعلومات التي جنيناها مؤخرا منذ ظهور الفيروس، وحتى الآن، مرت بمراحل عدّة، جعلت العلم يفتح مجالات جديدة في كثير من ميادين العلوم والمعارف، من خلال البحث والتجربة والاستقصاء.
المخلوق الضارّ
لم تكن هذه الكارثة هي الأولى التي تصيب الأرض والبشرية، لكن شيئا لم يدفع الإنسان إلى الحجر الصحي والحجز المنزلي، ولا لتغيير عاداته، كما ألِــفَها منذ آلاف السنين، حتّى اضطرّته غريزة البقاء لأن يفعل ذلك! وحدها الحاجة المُلحّة لأن يبقى حيّا، جعلتُه يهرع مسرعا مضطربا لأن يقبع في البيت تاركا سيارته، وعمله، ووسائل الترفيه بمنأى عنه. وحدها كورونا، التي جعلت الملايين حول العالم يُقلعون عن التدخين، بعدما علموا بأن هذا الفيروس يُهاجم الرئتين، والمدخنون أكثر عرضة للموت جراء الإصابة به. كورونا هي التي دفعت أصحاب المحلات والمقاهي والمطاعم لأن يغلقوها، ضاربين عرض الحائط المثل الذي يتّبعونه جميعهم:”المال لا ينام أبدا! Money never sleeps ” وها هو المال في سبات إلى إشعار آخر!
إنّها كورونا التي أقفلت ملاعب كرة القدم التي كانت تعجّ بالآلاف من المتفرجين في المدرجات ووراء الشاشات.
فيروس يجعل شوارع كُبريَات المدن خاوية على عروشها: نيويورك، باريس، روما …فعادت مدنَ أشباح.
وفجأة صار البقاء في المنزل نعمة ومنحة وقمة المعافاة، خوفاً من العدوى.
سيتغيّر الواقع بعد كورونا، ويجدر بالتغيير أن يكون نحو الأفضل. فقد شَهِدنا عيانا كيف صار العالم أفضل بدوننا. ولولا كورونا ما خَفَّت أفعال الإنسان، هذا الطاغية، والمخلوق الامبريالي البراغماتي النفعيّ الأناني اللّامبالي والجاحد.
البيئة تتعافى من الإنسان!
قبل شهور احترقت ملايين الحيوانات والنباتات في غابات استراليا، فهل وعى الإنسان؟
وقبلها بشهور احترقت ملايين الهكتارات في غابات الأمازون، رئة العالم، فهل وعى الإنسان؟
وبلغ التلوّث أخيرا مستويات لم يبلُغها خلال تاريخ كوكب الأرض، وذابت جبال الجليد في القطب الشمالي، وهلكت الأسماك جراء التلوث والمخلفات البلاستيكية والمياه الصناعية الكيميائية وغيرها، ونفقت حيوانات وانقرضت أخرى. وزادت درجة حرارة الأرض، وأثّرت في المناخ، فشحّت الامطار وزادت الأعاصير والعواصف…كل هذا لم يُغيّر الإنسان ولم يجعله يعي ما يفعله بنفسه والعالم.
لقد تطلّب الأمر فيروسا فتّاكا، ليُنصِت الإنسان إلى صوتِ الطبيعة، وقد صارت أنقى وأنظف (خلال الشهور الأخيرة). ولم تنجح المؤتمرات الكثيرة المتتابعة، ولا الجهود الدبلوماسية، ولا أشغال العلماء والباحثين، ولا آلاف الوثائقيات المصورة لأجل رصد الطبيعة، في التقليل من النشاطات الصناعية المُلوّثة وها هو فيروس يفعل ذلك!!
وقد أنكرَت بعض الدول الكبرى قبل ذلك، الاحتباس الحراري، ووظّفت علماء لتفنيد ذلك، زاعمين بأنّها محضُ نظرية خاطئة. وتمادت هذه الدول في طرائقها الملوّثة، إلى أن أثبتَ الواقع اليوم بأنّ نشاطات الإنسان الصناعية والبترولية هي السبب، وبأنّ الاحتباس الحراري حقيقة وواقع. ولينظر القارئ لهذا المقال، إلى صور الأرض الملتقطة بواسطة القمر الصناعي، وقد بلغت نسبة نقاء الجو حوالي 21,5 % حسب دراسات جرت خلال شهر مارس، وبالمقارنة مع نتائج لنفس الفترة من العام الماضي.1

الحروب لعبة الأقوياء وجحيم الضعفاء
زرعت الدول القويّة الحروب في العالم، وغذّتها بالسلاح والتحالفات، وبدعم هذه الجهة أو تلك. اليمن تحترق، وسوريا، وليبيا، والعراق وفلسطين التي تغتصب منذ أكثر من 70 سنة، وصار المنطقة العربية ساحة صراعات دولية، وكل هذا بمرأى من العالم! فهل وعى الإنسان، وهل تدخّل لما فيه خير للإنسانية جميعا. لا!!
كلّ هذه الحروب التي طالت رحاها سنين طويلة، لم تحرّك في الدول الكبرى ضميرا، لأنّها كانت بمأمن من نارها وسعيرها. أمّا فيروس كورونا فقد حرّكهم جميعا، لأنّه أصابهم جميعا!
حتّى الحروب تأخذ هدنة اليوم. فهل نسمّيه سلاما، إذا انشغلت الجهات المتصارعة اليوم في جبهات القتال المفتوحة ضدّ الوباء العالمي، أم هو وقتٌ مستقطع، تتنفّس فيه الشعوب العائمة في الدمّ والدمار الصعداء، قبل أن تعُود للدمار مجددا.
الدرسُ الذي يجب تعلُّمُه
اللهمّ لا شماتة فيمن قضوا، وجميعنا معرّضون لأخطار الفيروس، لكن الحقّ المُرّ يُقال جهرا، فالفيروس حقّا نكبة إنسانية، لكنّه هزّة قويّة للضمير الإنساني. ومنها قد تعلّمنا بأنّ الإنسان ضعيف مهما كانت جنسيته، وعلينا جميعا أن نعترف بذلك. وقد تعلّمنا أيضا بأنّنا نحن الوباء الحقيقي الذي يصيب الأرض، وإذا أحسنّا التصرّف، فستتحسّن أحوال الأرض والإنسانية، إذا كنّا أذكياء!!

1ـ https://edition.cnn.com/2020/03/16/asia/china-pollution-coronavirus-hnk-intl/index.html

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق