قراءات ودراسات

قراءة في رواية “وادي الغيوم” للدكتور علي نسر.

بقلم: عفيف قاووق –لبنان.

“هو المتدين الذي تلونت جبهته من كثرة السجود ، وأنا المتفلت من كل قيد يحول بيني وبين إقتراف أي فعل أراه فعل حرية.”.بهذه العبارة يعرفنا الكاتب على شخصيتين محوريتين من شخصيات روايته “وادي الغيوم”.صلاح المؤمن المقاوم المحافظ والملتزم بتعاليم دينه ورفيقه يوسف قنديل العلماني والمقاوم السابق . رواية تضمنت العديد من الشيفرات والإشارة إلى العديد من الموضوعات التي تعتبر عند الكثيرين من المحرمات التي لا يجب التطرق إليها .
إمتازت هذه الرواية بتعدد الرواة على لسان شخصياتها والتي أفرد الكاتب لكل شخصية مساحة معينة وان كانت متفاوتة تبعا لتحيز الكاتب ربما إلى إحداها، وهذا ما ظهر جليّا في المساحة الكبيرة التي أعطيت للشخصية الرئيسيىة يوسف قنديل التي تشبه في جوانب كثيرة منها شخصية الكاتب نفسه فهوالأستاذ الجامعي، المثقف والشاعر المواظب عل حضور اللقاءات الأدبية والأمسيات الشعرية لإبداء الرأي فيما يقال . هذا التعدد في الرواة أعطى الرواية نكهة خاصة تبعدك عن الملل الذي يُحدثه السرد لو كان على لسان راوٍ واحد. وقد أشار الكاتب نفسه إلى هذه النقطة بقوله “الراوي أحادي السرد والكلام والرؤية، يحرم الشخصيات من قول ما تريد بشكل عفوي ومنسجم مع حركتها ودورها فأنا أكره الديكتاتورية حتى في الروايات والروائيين” (ص.91).
وادي الغيوم لا تُشعرك بالملل تشدك منذ الأسطر الأولى وتعود بك بالذاكرة إلى أحداث عايَشها الكثيرون منَّا، بل تخال وكأنك على معرفةٍ شخصية بالعديد من شخصياتها حتى لا أقول الكلّ. رواية لامسَت أحداث الماضي القريب والحاضر المُعاش بكل شفافية وموضوعية وجرأة في أغلب الأحيان. ما لفتني في هذه الرواية تلك العلاقة الوثيقة التي نشأت بين يوسف قنديل اليساري العلماني وزير النساء وبين صلاح المؤمن الملتزم بتعاليم دينه والمقاوم على الجبهة .علاقة نفتقدها حقيقة هذه الأيام حيث، وللأسف، نجد ان الحذر هو ما يشوب العلاقات المجتمعية عندنا حال وجود إختلاف في الرؤى او التوجهات بين الأفراد او الجماعات. ولكن صلاح كان علامة فارقة حيث انه بنى علاقة صداقة مع يوسف سمحت لكل منهما بالحوار وتقبُّل الآخر- وهذا ما نحتاجه فعلاَ- لقد وجد صلاح ان السهر مع يوسف أنفع وأجدى له من السهر مع رفاقه وإخوانه الذين يؤمنون بنفس الفكر بالرغم ممّا قد يتعرّض له من انتقادات من قبلهم. حيث نجده يقول: “ماذا يمكن أن يكون موقفهم لو عرفوا أنني فضّلت على سهرتهم الإيمانية، سهرة يرأسها سكير وزير نساء من الطراز الأول. وقد تكون سهرتي هذه أكثر فائدة من سهرةٍ كلُّ من فيها متشابهون في الأفكار، لا يدخل ماء جديد إلى بحيرة الحديث.”(ص50) هذه الصداقة النقية سمحت بالتطرّق الى نقاشات جدّيّة وجديدة نحن بأمسّ الحاجة إليها. نقاشات لامست المحظور في بعض الموضوعات المتناولة ولكن بخلفية الحرص وتنقيتها من بعض الشوائب التي تعتريها.
نقاشات بين يوسف قنديل وأصدقاؤه تطرقت إلى حركات المقاومة التي نشأت في بلدنا لتنفض الغبار المصطنع والمقصود – ربما-عن مرحلة معينة من بدايات المقاومة في بلدنا ألتي وللأسف لم ينصفها التاريخ.معيدة الإعتبار لها بدءاً من المقاومة الفلسطينية مروراً بالمقاومة الوطنية بكل أطيافها وصولاً الى الوضع الراهن وأُحاديّـتها، للتأكيد ان المقاومة هي فعل تراكمي وتشاركي بين الجميع وإن بصور متفاوتة تبعا للظروف والإمكانيات المتاحة لكلّ مرحلة.
أيضا وبجرأة لافتة قد لا يستسيغها كُثُر أشارت الرواية – ومن باب الحرص والنُصح – إلى بعض التشظّي الحاصل في البيئة المجتمعية الحاضنة للمقاومة فالإنشغال المفرط على الجبهات ربّما وعن غير قصد إرتدّ سلبا على التماسك الأسري. وهذا ما حاول التنبيه إليه يوسف قنديل عندما واجه إغراءات زوجة أعزّ أصدقائه محصّنا نفسه بالرفض “كي لا أجعل ظهر زوجها مكشوفاً دون أن يعلم”(ص25). طبعا الكاتب لا يقصد التعميم وأيضا لا يقلّل من تفشّي مثل هذه الظاهرة وقد يؤخذ عليه هنا إختيار زوجة صديقه المقاوم كمثال. وكان بإستطاعته اللجوء إلى نماذج أخرى من النساء تكون أقل وطأة. وربما قصد من وراء ذلك إعلاء الصوت إذا ما تمّ تجاهل وإهمال الداخل حسب تعبير تلك المرأة .أيضا أشارت الرواية إلى بعض القيود والتكاليف التي يعاني منها أفراد هذه البيئة بحيت خلقت نوعا من الإنفصال القسري أو الغربة بينها وبين التفاعل مع المحيط الداخلي ومشاركته همومه الحياتية . وهنا نُسجّل للكاتب قدرته الإستشرافية على ما شهدناه ونشهده اليوم في ظلّ ما يسمى بالحراك المطلبي.:” تصوّر أن زوجي عاط على إبني حين علم أنه شارك في مظاهرة مطلبية قائلا له بأن حذاء كل مقاتل أكبر من رأس أي متظاهر مرتهن للخارج، وحين أنفردت به معاتبة قال إنني لست ضد هذه التحركات ولكن نحن مقيدون بأوامر قد تكون مناقضة لما نحب ونشتهي ومكلفون بما لا خيار لنا فيه ولا ينبغي التفكير فيه”(ص45).


الرواية تطرقت إلى مسالة الحجاب وعما إذا كانت عادة جاهلية مستمدة من اليهود وورثها الإسلام. وفي هذا إشارة الى ان الكثير من المظاهر والممارسات التي نقوم بها إنما تأتي وليدة عادة او فرض أكثر من كونها وليدة قناعات يقول يوسف “أمي أقنعتني بطيب مذاق الشاي وترعرعت على إحتسائه دون أن أسال نفسي بمدى إقتناعي به، هكذا زرعت أمي في ذهني الصلاة والصوم أيضا، فتأكدت منذ ذلك الحين أن العبادة عادة يحتلـّها باء غريب..(ص20) . كما ذهبت الرواية إلى الإشارة لمصادرة حرية الأخرين –إذا جاز التعبير- من خلال الإفراط في إستعمال مكبرات الصوت في المساجد او الكنائس يسأل يوسف “أما آن الاوان لإيقاف الاذان والأدعية والأجراس واقتصار الصوت داخل المساجد والكنائس(ص166).
وفي مقاربة لافتة لكيفية التعامل مع حالات الحمل اللاشرعي عندنا واللاقانوني في الغرب، ومع الإعتراف بوجود خطأ في الحالين إلا ان الكاتب وعلى لسان يوسف قنديل حاول فلسفة الأمر وكيفية تعامل مجتمعنا والمجتمع الغربي مع مضمون الآية القرأنية ” … مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”. هنا يعتبر يوسف اننا نتحمل وزر الشقّ الأول من هذه الآية وأغفلنا الشق الثاني منها.بينما الغرب تعامل مع الشقّ الثاني للآية نفسها فبالرغم من الخطأ في الحمل اللاقانوني إلا ان الحلّ لم يأتِ على حساب المولود بل يتمّ توفير الحياة له ولأمّه المخطئة .بينما عندنا، وخوفا من الفضيحة غالبا ما يصل الأمر بنا إلى قتل الوالدة والمولود أو رميه في مستوعبات الطرقات وهذه للأسف ظاهرة بدأنا نشهدها. موضوعات أخرى لا تقل أهمية تناولتها الرواية ولكن لا يتسع المجال لذكرها في هذه العجالة.
ختاما وقبل أن أورد بعض الإقتباسات أقول أن وادي الغيوم رواية تتضمن الكثير من الإشكاليات بحيث نتوقع من شريحة وازنة في مجتمعنا أن لا تتقبلها ، خصوصاً في محاولتها تجاوز بعض الخطوط الحمراء التي تكرست ..إلا ان هذا لا يمنع من كونها رواية جديرة بالقراءة وبلا شك فهي تغني المكتبة العربية
إقتباسات من الرواية:
– “ليس أبي من يستعين بي ليقوى على مرض أو تعب أو معضلة.”. (ص14).
– ” أدعية أمي تشبه الوحي بطريقة عكسية،من الأرض إلى السماء.(ص18).
– أنا المشرع وجهي للاجهات،كأني ريح، ذهابها وإيابها متشابهان لا تعرف مرسى لوجهتها، وأنا لم أختلف عنها إذ يرهقني غياب القرار.(ص13).
– أتمنى أن لا يأتي ذاك اليوم الذي سيكره معظم المقاتلون أنفسهم وتصبح البندقية شبيهة بتحفة أثرية يتذكرها الصاحون من سكراتهم فيزدادوا بكاءً ونحيباً” (ص37) .
– ” كم مملكة سطّرت أفظع الملاحم مع أعدائها الخارجيين لكن سقوطها كان سهلا لأن الداخل كان مهملاَ.(ص44).
– عملوا على قهر الإنسان فينا،عبر تنويمه وتخديره متكيفا مع واقعه، مقنعا نفسه كما أرادوا إقناعه. متلهيا بالإنجاب على حساب الإنجاز .إزداد سكوتا وإذعانا وألهَ الأشخاص وراح يذوب في مثالية الزعيم .(ص122).
– هكذا هي حال العديد من العقول التي تأبى الخروج من تحت أغطية الأتربة المتراكمة.
– الوأد تغير مع مجيء الإسلام ولم يلتغِ كما أقنعنا أنفسنا.(ص209).
– الملحد لا يتوقف عن البحث وقد يجد ربهُ في أي لحظة أو مناسبة .(ص85).
-أنتم يا صلاح وعبر حجة الدفاع عن الدين المسيحي والإسلامي حملتم لواء محاربة الشيوعية والعلمانية وأرحتم الإمبرياليين من هذه المسؤولية ، خدمة لم يحلموا بها يوماً.(ص180).
– هناك التحول من الجميل إلى القبيح دون منفعة ، كتحول العقل لمجرد أداة تثبت ما هو معروف فقط، فتتكلس ويجعل أصحابها الآخرين يفكرون عنهم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق