قراءات ودراسات

تأميم الاختلاف

عبد الرؤوف روافي*

لو سلمنا أن التدين هو مجموع الشعائر و الطقوس التي يأتيها منتم ما إلى ديانة ما سواء كانت عن قناعة أو عن اقتداء بالجماعة التي ينتمي إليها فإنه يمكن التسليم كذلك أن فرقا شاسعا يمكن ملاحظته بين الدين والتدين.
فالدين يقتضي الإيمان بجملة من المعتقدات و المسلمات التي لا تقبل النقاش في حين أن التدين لا يستلزم ذلك الإيمان لأنه مجرد سلوك يفرضه الوسط الاجتماعي على الفرد طالما لم يستطع التخلص من الاكراهات التي تمارس عليه أو هو مجرد تقية لاجتناب ما يمكن أن يتعرض له الفرد جراء عدم اعتناقه قناعات السواد الأعظم أو هو مجرد قناع يتخفى وراءه لئلا يصنف من المارقين أو هو في آخر المطاف ذريعة لتحقيق مقاصد قد تكون بعيدة في أصلها عن الدين. مقاصد سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تدور في فلك الدنيوي و لا تمت بصلة للقداسة التي تميز ما هو ديني عما هو دنيوي. بهذه الفروق نستطيع القول إن الدين عقيدة أما التدين فهو ممارسة أشبه ما تكون بالايديولوجيا.
و الإسلام كغيره من الديانات لم يخرج عن هذه الصنافة الثنائية: دين و تدين. و مثلما وظفه معتنقوه في شؤون العقيدة وظفوه في شؤون السياسة ذلك أن الإسلام كدين غالبا ما وظف لغايات سياسية لتبرير سلطة تفرض نفسها على المجتمع المسلم. كما أن الإسلام وجد في السياسة قوة تدعمه ليصبح الدين الرسمي. كلاهما يزكي الآخر و يدعمه لأن وجود الدين مرهون بممارسة في الواقع السياسي. و الواقع السياسي وجوده مرهون بشرعية دينية تشرعن خياراته و مناويله الاقتصادية و الاجتماعية و خياراته الفكرية.
فالإسلام بصرف النظر عن جانبه الميتافيزيقي اللاهوتي عمل على تأسيس ” دولة إسلامية ” لضبط علاقاتها بالآخر المخالف لها دينيا و ضبط علاقات أفرادها بعضهم ببعض و يمكن في هذا الصدد المقارنة بين مضمون السور المكية التي راهنت على البعد الروحي الايماني في الجماعة المؤمنة وتطهير نفوسهم وزرع قيم التآخي بينهم و السور المدنية التي راهنت على البعد العلائقي الإجتماعي و السياسي و الاقتصادي و التشريعي بين أفراد الجماعة المؤمنة من جهة و بينهم و بين غيرهم من الأمم و الملل المخالفة لهم دينيا. و هو ما يساعدنا على الإقرار بأن الإسلام مر بمرحلتين أولاهما مرحلة العقيدة ممثلة في الدين الروحي الايماني و ثانيتهما مرحلة السياسة ممثلة في الدين الممارساتي. بل لعلنا نجزم أن الصراعات و الخلافات التي بلغت مرحلة الاقتتال بين أعضاء الجسد المؤمن الواحد إثر وفاة النبي لم تكن إلا تعبيرا صادقا عن مواقف سياسية بامتياز. و وجدت في الجدل الكلامي بين الفرق أداة لنقل الصراع من خانة الدين إلى خانة التدين و من فضاء العقيدة إلى ملعب السياسة رغم أن كل طرف من أطراف الصراع يدعي امتلاك الدين و يقاتل في سبيل الحق الإلهي مما يعني أن الدين لم يكن عندهم إلا غطاء أيديولوجيا و أن التدين ليس إلا انتماء سياسيا حزبيا. فظهور التشيع لم يكن ظهورا دينيا بل كان تعبيرا عن موقف سياسي من بني أمية حين استولوا على الحكم عندما أقصوا عليا و أتباعه و قتلوا ذريته. كما أن تبني الاعتزال على عهد بني العباس لم يكن مجرد ترف فكري كلامي بل كان موقفا سياسيا عبر عن معارضة للسلطة . كذلك فإن ظهور التصوف كان في بعض وجوهه موقفا سياسيا تجاه خلفاء و سلاطين خواء من التعاليم الدينية حتى أصبح الانتماء إلى طريقة صوفية أشبه بالانتماء الحزبي أو الانتماء الاجتماعي.
إن هذا التداخل بين الدين و التدين و بين العقدي و السياسي وجد له متكأ في شعار ” الإسلام دين و دنيا/ الإسلام عبادة و قيادة “1 اعتقادا من أصحابه أن الواو الفاصلة بين اللفظتين تفيد العطف في حين أغفلوا عن قصد إمكانات أخرى لمعاني هذه الواو فهي لا تفيد مجرد العطف بل تشير كذلك الى العلاقة الجدلية التي تربط حدي العبارتين لأن الدين ليس مجرد عقائد و شعائر و عبادات انه أيضا سلوك و معاملات و علاقات و معاش. و الدين كذلك لا يقنن فقط علاقة المؤمن بربه بل كذلك علاقته بنفسه و بالآخرين من حوله و علاقات المجتمع الذي ينتمي إليه المتدين بالمجتمعات البشرية التي لا ينتمي إليها و هو ما كان يعرف في الثقافة العربية الإسلامية بدار الإسلام و دار الحرب أو دار الإيمان و دار الكفر. معنى ذلك أن الدين يؤثر في الحياة الاجتماعية و السياسية و يتأثر بها لأنه دين السيرورة في المكان و الصيرورة في الزمان. دين حركي منفتح متجدد بتجدد القراءات و التأويلات لا دينا ثابتا منغلقا كما أراد له الشافعي و ابن تيمية عندما أغلقا باب العقل و التفكير و فتحا باب النقل و التكفير.
من واجب الإسلام علينا أن نفكر فيه كما فكر فيه السلف فمثلما كانت لهم عقول أعملوها في أمره فلنا عقول نعملها في أمره و لن نقبل أن يفكروا بدلا عنا لا لشيء سوى أنه إسلامنا كما هو إسلامهم. و لعل اختلافنا مع السلف في تدبر الإسلام و تأويله بما يناسب خصوصياتنا في المكان و الزمان و تغير الأحوال ضمان لديمومته و مساعد له على البقاء حيا يطفح حياة و تجددا فيلقى القبول عند الآخرين قبل مريديه.

1 عبد الرزاق نوفل . الإسلام دين و دنيا . مصروان للطباعة و النشر. القاهرة . 1984. الفصل الثاني ص 24 / الفصل الحادي عشر ص 169

الإسلام على عصرنا مطالب أن يأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجتمعات التي انتشر فيها ليتكيف معها و يجعلها تقبل تعاليمه و تحتضنها أخذا وعطاء لا فقط على مستوى المعتقدات و الشعائر بل كذلك على مستوى القضايا التي تفرزها الحياة اليومية المتغيرة و طوارئ المعيش. هكذا ظهرت المذاهب الفقهية و تطورت نزولا عند الواقع. فهل يمكن دون فصل الدين عن الدنيا دمقرطة المجتمع…أو الحديث عن حرية المعتقد و حرية الضمير…؟ أسئلة لا تروم إجابات بقدر ما نسوقها لدغدغة عقل إسلامي مستقيل على حد عبارة الجابري .
قد يرى البعض في هذا الطرح تمريرا للعلمانية. لكن عليه أن ينتبه كذلك إلى ضرورة الفصل بين العلمانية و الإلحاد و عدم الخلط بينهما لأن العلمانية تكمن في وجود عدة ديانات داخل نفس المجتمع و تحترم كل منها الأخرى بل و تعترف بحق الاختلاف بينها دينيا أ لم يقل الله في القرآن” لكم دينكم و لي دين”1 بهذا الفصل بينهما سنتيح لكل ما هو ديني و سياسي أن يحقق ذاته دون أي صدام مع الآخر و هو ما يعود بالفائدة لا على الفرد فقط بل على المجتمع بأسره فلا ينشغل الفرد بدين صديقه أو جاره أو صهره بل ينصرف إلى تعمير الأرض و إعمال العقل في مناويل المعاش فتعم النعم على الجميع في جو سلمي تتعايش فيه المختلفات تطبيقا لقول الرسول الأكرم “اختلاف أمتي رحمة” 2 و ليس المقصود بأمتي مجتمع المؤمنين بالإسلام فقط بل جميع الخلق لأن رسالته جاءت للعالمين أ لم يقل الله في القرآن “و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين “.3
فالنصوص الدينية قرآنا أو سنة إنما تحملها لغة. و هذا في حد ذاته سبب كاف لظهور الاختلافات في التلقي والقراءة و التأويل و لنا في قول ابن خلدون ما يدعم ذلك “كان السلف يستخرجونها( الأحكام الشرعية ) من تلك الأدلة ( الكتاب و السنة ) على اختلاف بينهم و كان لابد من وقوعه ضرورة لأن الأدلة غالبها من النصوص و هي بلغة العرب و اقتضاءات ألفاظها لكثير من معانيها…”4 و في هذا الشاهد تأكيد أن النص مهما كان مقدسا فقد حملته لغة جرى على سمتها في تبليغ الأحكام و بيان المقاصد. و هو اعتبار جعل النص الديني قابلا للتعدد في المعاني و الانفتاح في الدلالات بما فتح المجال واسعا أمام اصطراع المنهجيات المستندة إلى موجات في الفهم و التفسير و التأويل متباينة.

1 الكافرون / الآية 6
2 حديث لا أصل له و لكنه صحيح المعنى.قال المناوي في ( فيض القدير) 1: 212 ( قال السبكي : و ليس بمعروف عند المحدثين .أخرجه السيوطي في ( الجامع الصغير)/ رواه نصر المقدسي في (الحجة) / أورده البيهقي في (الرسالة الأشعرية)
3 الأنبياء / الآية 107
4 ابن خلدون. المقدمة. دار القلم. بيروت. 1986. ط 6. ص 445
و هو ذات الإختلاف الذي نبه إليه الماوردي في قوله ” كلام كل كتاب و أخبار كل نبي لا يخلو من احتمال تأويلات مختلفة لأن ذلك موجود في الكلام بنفس طباعه…و لا كلام أولى بهذه الصفات من كلام الله جل ذكره إذ كان أفصح الكلام و اوجزه و أكثره رموزا و أجمعه للمعاني الكثيرة ” 1
و لعل ما يزيد مفهوم الاختلاف كضرورة بالاصطلاح الخلدوني أن الصراع بين متلقيّ القرآن من الإسلاميين يرتد إلى مفهوم ملكية النص الديني أي من يمتلك شرعية تعيين “المعنى” المقصود من التنزيل. لأن التنزيل في حد ذاته ينطوي على مفارقة بلاغية عجيبة: فهو من جهة كتاب هدى و بلاغ للناس يفترض فيه انتهاج المباشرة في توصيل الأوامر و النواهي و تفصيل الشرائع الإلهية توضيحا و لكنه من جهة أخرى تنزيل يعدل عن هذه السبيل فيقدم مضامينه بطريقة هي قمة في تشغيل العتاد البلاغي من مجازات و تشبيهات و استعارات و كنايات مما أحوج المتلقي و خاصة الفرق الكلامية إلى إعمال الذهن و تشغيل العقل و شحذه لتعيين دلالات التنزيل عن طريق التأويل و هذا سبب آخر لاختلافهم خاصة في الآي المتشابهة منها. فسعى كل فريق إلى تأويل الآيات القرآنية بما يتوافق و المقاصد التي قرروها “أصولا” لمذهبهم. فما وافق أصلا من أصول المذهب عُدّ محكما يدل بظاهره و امتنع عن التأويل و ما خالف أصول المذهب أُعتبر متشابها أولوه تأويلا يرده إلى موافقة أصول المذهب. ” إن المعتزلة اعتبروا كل ما يدعم وجهة نظرهم محكما يدل بظاهره. و ما يخالف هذه الوجهة اعتبروه متشابها يجوز بل يحق لهم تأويله…وكان من الطبيعي أن يلجأ خصوم المعتزلة لنفس السلاح 2
و هو التفكير نفسه الذي كان قد راود ابن قتيبة عندما صرح قائلا في خصومه ” فسروا القرآن بأعجب تفسير يريدون أن يردوه إلى مذهبهم و يحملوا التأويل على نحلهم “3 و كان الجاحظ و هو المعتزلي قد ردّ على هذا الإتهام بالقول “فأنتم ( يقصد أصحاب الحديث )أملياء بالخرافات أقوياء على رد الصحيح و تصحيح السقيم و رد التنزيل و الحديث المشهور إلى أهوائكم و قد عارضناكم و قارضناكم” 4

1 الماوردي. نصيحة الملوك. تحقيق خضر محمد خضر. مكتبة الفلاح. 1993.ط1.ص7.
2 نصر حامد أبو زيد. الإتجاه العقلي في التفسير. دراسة في قضية المجاز فى القرآن عند المعتزلة. المركز الثقافي العربي. بيروت. 1998.ط4.ص 164.
3 ابن قتيبة. تأويل مختلف الحديث. تحقيق رضا فرج الهمامي. المكتبة العصرية. بيروت 1978. ج.1ص 180
4 الجاحظ. الحيوان. تحقيق فوزي عطوي. دار صعب. بيروت. 1978.ط2. ج1. ص 180.
و إن كنا لا نستغرب من الجاحظ- و هو رأس الاعتزال و زعيم جبهة المعارضة من علماء الكلام – رأيه في أن مشروعية تعدد القراءات و التأويلات حول ملكية فهم النص الديني عندما قال: ” لو شاء الله أن ينزل كتبه و يجعل كلام أنبيائه و ورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل و لكننا لم نر شيئا من الدين و الدنيا دفع لنا الكفاية. و لو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى و المحنة و ذهبت المسابقة و المنافسة و لم يكن تفاضل” 1 فإننا فعلا نستغرب ذلك عند ابن قتيبة زعيم التقليد و التقليد و النقل و رأس الجبهة المحافظة الذي انتهت إليه رئاسة أهل السنة و الجماعة عندما يصرح ” لو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم و الجاهل لبطل التفاضل بين الناس و سقطت المحنة و ماتت الخواطر. و مع الحاجة تقع الفكرة و الحيلة و مع الكفاية يقع العجز و البلادة “2 و لولا التثبت و التوقف و شدة الانتباه و العودة إلى المصادر لذهب في ظن الباحث أن الشاهد المذكور آنفا بلسان ابن قتيبة أقرب إلى فكر الجاحظ و مرجعيته الاعتزالية أبعد عن فكر ابن قتيبة. لأن المفارقة العجيبة و اللافتة للانتباه هي كيف يصدح زعيم المحافظين بهكذا مشروعية في الاختلاف و تعدد التأويلات و هو الذي رفع شعار”التقليد أربح لك”3 و هو بهذا الشعار يعلن ميلاد الحركة الرجعية عند أهل السنة لتأبيد المستقر و الثابت و تكريس سلطة الماضي و قداسته. فهل كان ابن قتيبة مؤمنا بالاختلاف في القراءات و التأويل؟ هل كان مؤمنا بحوارية ممكنة بين خصوم المذهب و فرقاء السياسة؟ أم أنها حوارية مفتعلة توهم بانفتاح المرجعية السنية على المختلف أم أنها لعبة من ألاعيب الأصوليين تنشد موطأ اشتراك مع أعداء الفكر حتى تعثر على مواطن ضعفهم لنتقض عليهم ؟ أم أنها حيلة كلامية كي لا تنعت بالاستبداد و ملكية الحقيقة…؟ أسئلة لا تروم إجابات بقدر ما تبحث عن طرائق جديدة للتفكير فيها.

1 الجاحظ. البيان و التبيين. تحقيق درويش جويدي المكتبة العصرية. بيروت 2005.ج3.ص 596.
2 ابن قتيبة. تأويل مختلف الحديث. ص86
3 الشهرستاني .الملل و النحل. تحقيق أحمد فهمي محمد. دار الكتب العلمية . بيروت . 1992. ط 2 ص60.

ختاما ، إن مثل هذه المغالطات التي يتأسس عليها الفكر السني خاصة حين يدعي امتلاك الحقيقة الإلهية و يسعى بالمصحف تارة و بالسيف تارة أخرى إلى فرض خطابه بوصفه الخطاب الحق و أن مريدي أهل السنة و الجماعة هم الفرقة الناجية…تأكيد واضح على تلبس السياسي بالديني و العقدي بالايديولوجي حتى صار الاعتصام بحبل الله اعتصاما بحبل السلطة. و هو في اعتقادنا طريق إلى تكبيل الفاعلية الإنسانية و إلجام لها عن قول ممكن آخر من ممكنات التأويل و تعطيل للعقل على التدبر و الاجتهاد خارج دائرة الثابت خارج دائرة النص خارج دائرة السلطة .بل لعل خطورة هذا المشروع السني تكمن في جعل العقل المسلم عقلا ايمانيا تكراريا لا عقل تفكير متى كان مقيدا بآليات القديم مسجونا داخل قوالب جاهزة لا يجوز تكسيرها .
إن نحن أردنا أن ندخل في دين الله أفواجا فلابد أن نخرج من دين الشافعي و تلميذه النجيب ابن تيمية أفواجا.
 

*تالة الجمهورية التونسية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق